الإستبداد ظاهرة طبيعية والعلاج هو التغيير الواعي
كتبه: حسين بزبوز
حرر في: 2010/05/19
التعليقات: 0 - القراءات: 4255

الاستبداد والطبيعة البشرية:

يقول الدكتور منصف المرزوقي "الاستبداد ليس إلا مجرد حالة سياسية اجتماعية تعكس غرائز قارة في الطبيعة البشرية"[1]، ثم يستشهد بعدها بقول المتنبي في بيته الشهير:

                        والظلم من شيم النفوس          فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم

 كما يرى سماحة العلامة الشيخ فوزي آل سيف في كتابه "رؤى في قضايا الاستبداد والحرية"، أن الاستبداد لا ينحصر في النظم السياسية لأنه "في كل شخص يوجد مشروع استبداد... في كل شخص مشروع طغيان وتفرد"[2]، لذا يذهب آل سيف في كتابه لضرب العديد من الأمثلة الفردية داخل البنية الاجتماعية والتي قد تشكل نماذج مصغرة وصورا متنوعة للاستبداد قابلة للنمو والتفاقم، ليؤكد من خلالها تلك الحقيقة التي لا يمكن إغفالها وهي أن الاستبداد نتاج طبيعي لطبيعة البشر وتفاعلات الحياة التي يعيشون فيها.

 نفس هذه الحقيقة يمكننا أن نلحظها أيضا على لسان كاتب آخر هو السيد نصر محمد عارف[3]، فهو يقول"إن الاستبداد بصورة عامة والسياسي منه بصورة خاصة ظاهرة بشرية شهدتها مختلف المجتمعات في مرحلة أو أكثر من تاريخها"[4]. فهي إذا ليست مرحلة عابرة ولا أمرا طارئاً بل ظاهرة متكررة تتوالد باستمرار عبر تاريخنا البشري.

 وهنا يجب أن نتوقف لنسلط الضوء جيدا على هذه الحقيقة كي لا نقع فريسة الأوهام المتغلغلة في كثير من كتاباتنا الإسلامية - وسنذكر لاحقا لذلك أمثلة -، فقد ينخدع بعضنا فيظن أن الاستبداد حالة نقض لطبيعة الواقع الإسلامي المثالي أو شبه المثالي، فنتصور مثلا ببساطة أن سيادة الشورى والحريات وما شابه عبر تاريخنا الإسلامي كانت أقرب لحتمية على وشك السيطرة على أرض الواقع بسبب (الرسالة السماوية أو الخلافة أو خط الإمامة ...  مثلا)، لولا أن تدخلت بعض الظروف الاستثنائية التي جرَّت الأمة لويلات لم نتخلص منها حتى اليوم. وهنا نقع نتيجة الوهم و المغالطة في اجترار حلول ونتائج غير واقعية. فتذهب الأمة لاستبدال الظالم بظالم آخر وتعالج الثقافة الظلامية بثقافة ظلامية أخرى، مبتعدة بأوهامها عن الحل وعن الحقائق الواقعية، وقد حدث ذلك على مر التاريخ.

 لكننا لو فتحنا أعيننا جيدا لنرى الحقيقة، فسنرى طبيعتنا البشرية حاضرة بقوة في حياتنا بغض النظر عن كوننا مسلمين ومجتمعات إسلامية أم لا. وسنكتشف كيف تفرز لنا تلك الطبيعة البشرية دائما نماذج تسيء توظيف أواستخدام السلطة وأنظمة الحكم. وليس غريبا ذلك، فكل المنتجات والإبداعات البشرية تعرضت لهذا التوظيف الخاطيء من قبل الإنسان، فلم تسلم إبداعات البشر يوما من سوء استخدام الناس أواستغلالهم. فالبشر دائما ما يعودون لطبيعتهم، والمصالح الشخصية والفئوية دائما ما تفرض حضورها في الساحة وبقوة، خصوصا عندما لا تتوافر في الواقع المؤسسات والأدوات والأفكار الواقية التي تساعد في حماية المجتمع وضبط ومنهجة سلوك وصراع الناس.

 إن التركيز على هذه الحقيقة التي أكد وليد المسعودي دوافعها بالقول أن "المجتمعات تنتج الاستبداد نتيجة الصراع على الثروات والخيرات منذ أن بدأ الإنسان يعي قيمة الملكية"[5]، يساعدنا حتما على الاقتراب من الحقيقة الجوهرية للاستبداد ويساعدنا أكثر أيضا على ملامسة الواقع، بدل التحليق بعيدا في مسارات خيالية تضعنا خارج مسارات التفكير الطبيعة لتصنع لنا افتراضات وتفسيرات دينية خاصة خاطئة تفسر لنا كل ما جرى ويجري أو سيجري في حياتنا كمسلمين بصورة خاصة، فنبتعد حينها بهذا التفكير الخاطئ عن الحقيقة حين نحل الأوهام محل الواقع ومحل طبائعنا البشرية.

 فعندما نعود لفكر الكواكبي مثلا من هذه الزاوية يمكننا أن نجد أثر بعض تلك التوهمات وتأثيرها في فكره الديني، يقول الأستاذ عطية المسوح "إلا أنّ دراسة الكواكبي للاستبداد لا تخلو من نقاط ضعف، أهمها تلك الناجمة عن موقفه الديني التقليدي، وفهمه السطحي لفكرة الإرادة الإلهية والبشرية، فهو ينسب الاستبداد إلى إرادة إلهية، ويجعله قدراً ابتلى الله به الناس لأنهم خرجوا على ما أراده لهم وأبوا شكره على نعمه وخلطوا في دين الفطرة الصحيح بالباطل على حد قوله. يقول : "الاستبداد هو نار غضب الله في الدنيا، والجحيم هو نار غضبه في الآخرة". ويقول أيضاً "الاستبداد يد الله القوية الخفية يصفع بها رقاب الآبقين من جنة عبوديته إلى جهنم عبودية المستبدين الذين يشاركون الله في عظمته ويعاندونه جهاراً"[6].

 ونفس هذا الخطأ التفسيري نجده يتكرر عند الكاتب الإسلامي الشيخ فوزي آل سيف بطريقة أخرى. فآل سيف ينتزع واقع المسلمين وتاريخهم الحضاري من ظروفه ومن تكامله مع المسيرة البشرية العامة للتاريخ البشري العام، ليضعه في سياق ديني خاص حين يوحي لنا في كتابه أن واقع المسلمين كان من الممكن لولا الظرف الطارئ لتدخل الأمويين أن يأخذ مسارا آخر كفيل بأن يغير كل مجرى التاريخ، فها هو يقول في سياق حديثه عن تولية يزيد بن معاوية "جيء بهذا النموذج، فتكرس في الأمة حالات الاستئثار بأموال الناس من قبل فئة قليلة هي التي تحيط بالمستبد، وأصبح غير هؤلاء وهم عامة الناس في حالة حرمان عام، سواء من حقوقهم الاقتصادية أو السياسية."[7]، فنجد آل سيف يجعل الاستبداد هنا إفرازاً أمويا بالدرجة الأولى، مغفلا بذلك تأثير البيئة وظروف التاريخ والواقع الإنساني الإسلامي العام (في تلك الفترة) وتكامل ذلك كله ووحدته مع ما يحيط به من تأثير عام.

 إن الواضح أن المسألة الأموية أخذت عند الكاتب آل سيف بعدا دينيا تجاوز مجرد قوله بأن الحكومات الأموية أسهمت في ترسيخ الاستبداد في واقع الأمة فحسب، فهو يتمم الحديث السابق بالقول "ولم يقتصر الأمر على زمان معاوية بحيث يعتبر ذلك الزمن فترة طارئة لا تلبث أن تزول، وإنما أصبح منهجاً وطريقة في الحكم، خصوصا مع عدم تبلور منهج آخر في الحكم بعدما اختلفت طرق الحكم في أيام الخلفاء بعد وفاة رسول الله excaim، ولم تتح الفرصة لأمير المؤمنين عليه السلام لكي يواصل ما بدأه .."[8]. فهنا يبدو جليا في رؤية آل سيف أنه يرى أن الخلافة التي تلت النبي excaim والحكم الأموي من بعدها وتغييب إمامة أهل البيت عليه السلام، هي التي أفرزت الاستبداد في تاريخ الأمة المسلمة الطويل، فأصبح تاريخ الأمة هنا بلا شك قطعة مجتزأة من التاريخ.

 إن هذا النمط من التفكير (الذي يقدم النتيجة المنجزة دينيا بحسب العقيدة على البحث الموضوعي) هو بلا شك القاعدة التي بنيت عليها ولازالت تبنى عليها كثير من المغالطات والأفكار الدينية الخاطئة في فكرنا الإسلامي، لذا بناء على ما سبق ليس مستغربا أن يذهب الكواكبي إلى القول بـرفض " الفكرة القائلة إن الأديان تكرس الاستبداد " [9]، كما ليس مستغربا أن يقع في خطيئة القول " أن المرأة هي النصف المضرّ في المجتمع " [10]. وليس مستغربا أيضا أن يقع آل سيف كذلك في مطبي المغالطة والضبابية عند حديثه في بقية بحثه عن موضوعي (الردة والحرية)، وهو ما سيتم الحديث عنه فيما بعد. 

  لقد كانت قراءة ورؤى الشيخ فوزي آل سيف في كتابه (رؤى في قضايا الاستبداد والحرية) قراءة ورؤى جادة تتسم بالبساطة والسلاسة وقد حاولت الإحاطة بأكبر قدر ممكن من خيوط البحث. وعندما نعود للكتاب، سنجد الكاتب آل سيف يبحر بقواربنا في ثلاثة مسارات (هي: الاستبداد السياسي وآثاره المخربة - الاستبداد الديني والتعصب - حرية الرأي والتعبير)، ليثير لنا خلال ذلك العديد من الشواهد والآراء والنقاط، قبل أن يختم البحث القيم في موضوع (الاستبداد) الذي لا زال كما يقول آل سيف "في صوره المتعددة هو البلاء الأكبر الذي ابتليت به الأمة، ولا تزال متوالياته السيئة تعيد إنتاج نفسها في المجال السياسي والديني والثقافي والاجتماعي"، عند نقطة هي من أهم النقاط وهي إشكالات جوهرية كان لا بد أن يطوف بنا حولها، بل توجب عليه أن يغوص فيها قبل أن يتسنى له إقفال الموضوع.

 إلا أن الملاحظ على الكتاب كما ألمحنا وكما هي طبيعة كثير من كتاباتنا الإسلامية، أن الكاتب حصر تناوله لموضوع الاستبداد في الزاوية الداخلية الضيقة للأمة وبلغة داخلية أيضا. فالكتاب في الحقيقة هو (رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، في الأمة)، وفيه شيء قليل أو كثير من التأكيد على نفس ذلك النفس ونفس تلك اللغة التحليلية السائدة في الخطاب الإسلامي العام الذي يميل للبعد قليلا أو كثيرا عن أي لغة أو منطق تفسيري بشري غير ديني، معلنا بذلك ولو شيء يسيرا من القطيعة مع الفكر الإنساني العام، معتبرا ضمنا أن الحالة الإسلامية لها وضعها الخاص وتفسيرها الخاص المرتبط بالقضايا الغيبية السماوية، وهو الأمر الذي يبرر التمسك بخطاب تفسيري ديني منعزل والاعتزاز به فحسب، وبالنتيجة البعد عن معطيات الواقع.

 لكننا لو عدنا لصعيد الواقع لأمكننا القول أن البشرية كلها عانت الأمرين من ظاهرة الاستبداد في كل بقاع العالم من أقصاه إلى أدناه، فكانت الشورى والديمقراطية في هذا العالم خصوصا في تاريخ الماضين، وميضا مزعجا للاستبداد، لكنه قل أن ينتصر فيرتفع نوره فيه. لقد كانت الديمقراطية والشورى استثناء وكان الاستبداد هو النمط المألوف في هذه الحياة، ولذلك شواهده الكثيرة. لذا يقول الدكتور حسن الهنداوي مشيرا لهذه الحقيقة " لكن الملك النموذجي سلالة نادرة وأرسطو يدرك ذلك من خلال التجربة الهيلينية نفسها"[11]، ونجد الهنداوي في مقطع آخر يؤكد نفس تلك الحقيقة أيضا بصورة أخرى فيقول " إن الخطأ الذي يرتكب غالبا هو الاعتقاد بأن الديمقراطية الإغريقية، القائمة على العبودية، كانت الحالة العامة في التاريخ الهيليني في حين أنها لم تكن في الواقع إلا استثناء، كما لم تكن إلا في عدد محدد من المدن لاسيما أثينا. وعلى العموم كان إعدام سقراط بمثابة نهاية تراجيدية وصارخة لتلك التجربة التي كانت قد دخلت طور الانهيار منذ أمد بعيد كما يؤكد ذلك ولادة التوجه المقدوني نحو إقامة مملكة واسعة ... وإذا كانت أنظمة الطغيان في صقلية قد ظلت تجتذب الانتباه فانه جرى على الدوام نسيان انه وحتى المرحلة الهيلينية فان الطغيان كان النظام السياسي السائد والثابت في معظم المدن الإغريقية تقريبا"[12]. فكلام الهنداوي الخاص هنا يمكن سحبه من واقعه ليصبح فكرا عاما صالحا للتطبيق في أكثر من موضع في التاريخ الإنساني العام ومنه أيضا واقعنا الإسلامي الخاص.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


حسين بزبوز
2015/01/07 | مقالات | القراءات:2386 التعليقات:0
2014/07/15 | مقالات | القراءات:2489 التعليقات:0
2014/01/25 | مقالات | القراءات:3225 التعليقات:0
2013/09/26 | مقالات | القراءات:2552 التعليقات:0
2013/07/13 | مقالات | القراءات:3416 التعليقات:0


ارسل لصديق