محمدية الدولة المهدوية بالمنظور القرآني
كتبه: حيدر الحكري
حرر في: 2014/08/12
التعليقات: 0 - القراءات: 3420

لقد منّ الله على البشرية بهذا المعلم النوراني الذي رسم لها طريق السعادة في الداريين واخرجها من ظلمات الظلم والاضطهاد والجهل إلى دولة العلم والإيخاء والفضيلة , فكانت بعثته ص المباركة اعلانا لولادة الأمة المحمدية والتي تأتي بعد عدة أمم سبقتها , قال تعالى ((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)) الاعراف 34, فالقران يؤكد أن حركة التاريخ تتمثل بحركة وحضارات الأمم المتعاقبة , إذ أن المتمعن في السياق القرآني الذي يتحدث عن حركة التاريخ يجده يتحدث عن أمم متعاقبة وذلك وفقا للتغيرات الفكرية والنسج الاجتماعية والسياسية التي أفرزت نتاج حضاري يختلف من أمة لأخرى.

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة 

( اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة , تعز بها الاسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك...)

الحمد والشكر لك يا إلهنا أن عرفتنا على طريقك بأنوارك المحدقة بعرشك الذين مننت علينا بهم (صلوات الله عليهم أجمعين), ليرسموا لنا طريقك لتحقيق ما تدعونا إليه من إقامة الحق وزهق الباطل في الأرض وفي أنفسنا.

فأصبحنا متلهفين لدولة العدل التي لا ظلم فيها , ودولة النور التي لا ظلمة فيها , ودولة الوعي التي لا جهل فيها لنعيش حياة كريمة تحترم انسانيتنا وتمنحنا الحرية الحقيقية التي تمنح العقول الانطلاق في مسار الابداع وتمنح الشعور الأمان والاستقرار فيعم الخير في الارض ويزداد الانتاج البشري.

ولقد تحدث الكثير من علمائنا الكرام وغيرهم من الكتّاب عن آخر الزمان وارهاصات الظهور المبارك و معالم شخصية الامام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) بمجموعة من الآيات الكريمة والروايات الواردة لرسم تصور عن حقيقة دولة الحق المنتظرة.

 وقد أحببنا أن نشاركهم في ذلك ونتشرف بالمطالعة والكتابة عن أمامنا المفدى أرواحنا لمقدمه الفداء ودولته المبارك مقارنة بدولة النبي ص الاسلامية من منظور قرآني لرسم معالم الدولة المنتظرة قرآنيا ,ولرد بعض الشبهات العالقة في أذهان البعض أومن كتابات الآخرين.

وسنبدأ بحثنا بالتنويه على فكرة الأمة الاسلامية مقابل المذاهب والطوائف المختلفة لنؤكد أن حركة الاصلاح النبوي بامتداداتها الامامية تركز على اصلاح الأمة كلها مستشهدين بجهود النبي ص في تأسيس الدولة الاسلامية الاولى وبعض معالمها العالمية والرحموية لنتعرف على معالم دولة الامام المهدي ع المنتظرة عن طريق دراستها وتحليلها (أي الدولة المحمدية ).

ثم نعرّج على شرح بعض معالم الدولة المهدوية مقارنة مع الدولة المحمدية في التعامل مع أبناء المذاهب الأخرى وأهل الكتاب أو أتباع الأديان الأخرى والتأكيد على عدالة الدولة المهدوية وبعض الآيات التي تتحدث عن بعض الارهاصات التي تسبقها وذلك على ضوء الآيات الكريمة والروايات الواردة في ذلك .

وإذ أننا لم نجد في نطاق مطالعتنا المتواضعة والمستعجلة لكتب علمائنا الكرام ومواقعهم الالكترونية ومقالات مفكرينا الأفاضل من تتطرق لهذا البحث بتفصيل مما جعلنا نتطفل لإثارته لتوجيه انتباه أصحاب الاختصاص لبحث هذه القضية بشكل أوسع.

والله مقصد سعينا..  

تمهيد..

لقد منّ الله على البشرية بهذا المعلم النوراني الذي رسم لها طريق السعادة في الداريين واخرجها من ظلمات الظلم والاضطهاد والجهل إلى دولة العلم والإيخاء والفضيلة , فكانت بعثته ص المباركة اعلانا لولادة الأمة المحمدية والتي تأتي بعد عدة أمم سبقتها , قال تعالى ((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)) الاعراف 34,   فالقران يؤكد أن حركة التاريخ تتمثل بحركة وحضارات الأمم المتعاقبة , إذ أن المتمعن في السياق القرآني الذي يتحدث عن حركة التاريخ يجده يتحدث عن أمم متعاقبة وذلك وفقا للتغيرات الفكرية والنسج الاجتماعية والسياسية التي أفرزت نتاج حضاري يختلف من أمة لأخرى.

فالقران يركز على المجموعات عند استعراضه للسنن التاريخية, وقد تعددت الصيغ القرآنية في ذلك ومنها: (يا أيها الناس ) (أهل القرى ) , (يا بني اسرائيل ), (يا أيها الذين آمنوا ) ( أمة ) ( أهل القرى) وغيرها , ليؤكد أن الحركة الجماعية هي التي تؤثر في مصير البشرية وسعادتها وشقائها , فصلاح المجموعة يحدد طبيعة الحياة والقوانين المتبعة , فلنتأمل قوله تعالى : ((وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16)))– سورة الجن 16 , وغيرها من الآيات التي تتحدث عن تأثير صلاح المجموعة على طبيعة الرزق والنسق الحياتية.

 وسيتم محاسبة الأمة على ما قدم أبنائها , يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر excaim – في كتابه المدرسة القرآنية – حول قوله تعالى : ((وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28))) سورة الجاثية 28,

فيقول سماحته: " هنا القران الكريم يتحدث عن كتاب للأمة, أمة جاثية بين يدي ربها ويقدم لها كتابها , يقدم لها نشاطها وحياتها التي مارستها كأمة ".

فالأمم والمجتمعات مسؤولة عن نشاطها وانتاجها , فالأمة الضعيفة أو المجتمع الاستهلاكي أو الجاهل أو الفاسد غير معذورين أمام المولى عز وجل.

وقد أراد الله عز وجل للأمة الاسلامية أن تكون أقوى الأمم وأفضلها , من خلال ما تتضمنه من معرفة وقوة واكتفاء ذاتي في جميع المجالات العلمية والحياتية لتعيش الاستقلالية والنمو المتزايد في شتى المجالات.

الدولة النبوية

فالدور المحمدي كان يتطلع لتأسيس الدولة الاسلامية العالمية ليخرج البشرية من عماها الدامس إلى نور الهداية والفضيلة وإلى دولة العدل والخير والخيرات , ولنا أن نتساءل لماذا حرص الاسلام على تأسيس دولة عظمى ؟ ألا يكفي أن يهتم الاسلام بصلاح الأفراد؟ ألا يكفي أن يعيش المسلم مصليا صائما قائما في محرابه فقط؟.. لماذا كل هذا التأكيد على الدولة الاسلامية العظمى ألعولمةٍ وسيطرة على الشعوب أم ماذا ؟ 

هذه الاسئلة ومثيلاتها تتبادر في الأذهان من حين لآخر خاصة عندما يُتهم الاسلام أنه دين صلاة وصيام فقط وليس دين نظامٍ ودولة من قبل الغربيين أو أنه أفيون الشعوب , وحيث أننا سنجيب عن هذه التساؤلات بإيجاز مبتدئين بالتدرج المنطقي لذلك وسنبدأ بالآتي: 

-هل الانسان (أي انسان ) يعيش بدون دولة ؟

-يجيبنا أفلاطون (من كتاب معالم الحكومة الاسلامية – للعلامة جعفر سبحاني) بقوله: " ان أفضل حياة للفرد لا يمكن الحصول عليها إلا بوجود الدولة لأن طبيعة الانسان مآلها الى الحياة السياسية فهي من الأمور الطبيعية التي لا غنى عنها " . 

فالإنسان لا يعيش إلا في ظل نظام ودولة تنظم له حياته وتستثمر له طاقاته, ولم يغب هذا المفهوم عن الاسلام فنبيُّ الاسلام ص جاهد وأسس الدولة الاسلامية الأولى منذ هجرته المباركة إلى المدينة المنورة وأسس المجتمع المسلم الذي يمتلك مقومات العيش الكريم , بل ومارس كل ما هو من شأن الحاكم السياسي من تشكيل جيش منظم , وعقد معاهدات ومواثيق مع الطوائف الأخرى , ونظّم الشؤون الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية وكل ما يتطلبه أي مجتمع منظم ذا طابع قانوني , كما اتخذ المسجد مركزا للقضاء وتوجيه رسائل للملوك والأمراء في الجزيرة العربية وخارجها وغيرها , وبذلك يكون الرسول الأعظم ص أول  مؤسس للدولة الاسلامية التي استمرت من بعده واتسعت ( وان كان هناك انحراف وغصب للخلافة ).

 فالآيات الكريمة من سورة الانفال والتوبة ومحمد ص وغيرها من الآيات الأخرى رسمت الخطوط العريضة لسياسة الحكومة الاسلامية وبرامجها ووظائفها , كما أن القران فضل المجاهدين على القاعدين ورفع درجة الشهداء إلى أعلى درجات الأجر والثواب تحفيزا للمسلمين على بسط وقوة الدولة الاسلامية بدمائهم الطاهرة وليصنعوا تاريخها وانتصاراتها المجيدة.

فكما كان النبي ص معلما وهاديا كان حاكما وقاضيا وقائدا للجيوش الاسلامية , إذ أن الاسلام يرفض الرهبانية والتقشف والانعزال عن المجتمع ويدعو للمشاركة الايجابية في بناء وصلاح المجتمع والأمة , قال تعالى ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور))  الحج 41, 

فالتمكين في الارض لا يتأتى من دون الجهاد وبذل الغالي والنفيس في سبيل الله و ((اقاموا الصلاة )) اقامة الصلاة لا تكون من دون بناء وتنظيم أمور المساجد والتعليم والتعلم لأمورها, والحث على اقامتها (والتي هي أشمل من الأداء الظاهري لها) , (( آتوا الزكاة )) فالزكاة لا تؤتي ثمارها من دون تنظيم جمعها وصرفها بما فيه نفع للإسلام والمسلمين وإلا ستكون غنيمة في أيدي الظالمين , وكذلك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن تطبيقه إلا بالتنظيم والوعي لحقيقته وأهدافه.

ولا يمكن تطبيق هذه الامور على ارض الواقع إلا في ظل دولة اسلامية عادلة وقوية تطبق المنهج الاسلامي , سواءاً في بداية الدعوة أو في أي زمان حتى قيام الساعة , فالحاجة مستمرة لتطبيق الاسلام في كل زمان ومكان.

فجميع العالم يحتاج الحكم الاسلامي مقابل أي دستور وضعي وذلك لقصر جميع الدساتير والقوانين البشرية عن تحقيق العدل والامان للبشرية , قال تعالى:(( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون))  المائدة 45,

فالظلم الحقيقي هو الابتعاد عن منهج السماء , ولذلك أراد الله للدولة الاسلامية أن تثبت قواعدها على كافة الشعوب لتنشر العدل والسلام واحترام كرامة الانسان وحريته وانسانيته مقابل جشع وهيمنة اصحاب الاموال الطائلة والشركات العالمية التي تهدف لنشر الذعر والتخبط والجهل المغطى بالثقافات الغربية المجوفة والتي تدعو لتعميم نمط المعيشة الغربية بهدف تسويق بضائعهم لجميع العالم ليكونوا نسخة من شعوبهم المنحطة أخلاقيا وليهيمنوا على مقدرات وأموال الشعوب  فيما يسمى بالعولمة.

وحيث أن الفرق واضح بين عالمية الاسلام الذي ينشر العدل والخير ويمنح الحريات وبين سيطرة الغربيين وهيمنتهم على مفاصل الحياة لشعوب العالم وعلى مقدراتهم وهي (الأمركة) أو العولمة.

محمدية الدولة المهدوية 

وحيث ان شعوب العالم قد يئست من المنظمات الحقوقية والانسانية العالمية .. وقد اُنهك انسان اليوم من الحروب والاضطهاد والتشريد والفقر فهو متلهفٌ إلى المخلص الرباني الذي يعم الامان والاستقرار بدولته. 

فانسان اليوم اشتاق إلى من يمنحه الحرية الحقيقية لا الحرية المزعزمة التي تخفي خلف حروفها التفسخ والتعري ولا الانخداع بالشعارات البراقة والدعايات المكذوبة بالديمقراطية التي تستبطن الهيمنة والسيطرة على المستضعفين.

لقد اشتاق انسان اليوم إلى نشر العدل والسلام وطرد الفساد من أرضه إلى الابد تحقيقا للوعد الالهي لنبيه محمد ص بالدولة الاسلامية العالمية التي ستتحقق على يد حفيده المفدى مولانا صاحب العصر والزمان (ارواحنا لمقدمه الفداء) , بقوله تعالى (( ليظهره على الدين كله )) 

فالإسلام محمديُ التأسيس مهدويُ التنفيذ, والكل يتوحد في مبدأ الانتظار للمخلص العالمي وان اختلفت أديانهم ومذاهبهم وانتماءاتهم. ففي كتاب التوراة الموجود في أيدي اليهود بشارة عن ظهور المنقذ في آخر الزمان (كتاب العهد العتيق 92:5 ) وكذلك المسيحيون ينتظرونه كما في انجيلهم ( كتاب انجيل لوقا: ب (21)),  بل وحتى الماديون احتاروا في سن قانون يمنع الحروب والفقر في العالم فهم ينتظرون رجلا خارقا يصلح العالم.

ولا يخفى على القارئ العزيز أن المسلمون بجميع طوائفهم ينتظرون المنقذ الرباني, فهناك جملة من الروايات والكلمات لعلماء اخواننا السنة , و منها ما ذكر في صحاحهم المختلفة كأمثال الترمذي وأبي داوود وابن ماجه وغيرهم , وقد قيل وكتب في قضية الامام المهدي لديهم ما يدفع انكار المنكرين.

وحيث أننا نؤمن أن دولة الامام المهدي ع محمدية المبدأ والحركة سنورد بعض الشواهد لذلك لتوضيح معالمها مقارنة بالدولة الاسلامية المحمدية قرآنيا رافعين بعض الشبهات التي تثار حول دولته المقدسة . 

من معالم الدولة المهدوية المحمدية 

-من مظاهر الرحمة المحمدية في الدولة الاسلامية الأولى 

-الدولة المهدوية  اللاعنفية 

ان المتمعن في معالم الدولة المحمدية – قبل أن نتحدث عن الدولة المهدوية  -  سيجد أن مبدأ الرحمة و اللاعنف بارزان فيها وسنذكر مظاهر الرحمة المحمدية في الدولة الاسلامية الاولى: 

1-دولة اللاعنف

•انه الرحمة المهداة

لقد كانت دولة النبي ص دولة رحمة وتسامح وعطاء وايخاء , والقران يؤكد لنا رحموية النبي ص في قوله تعالى ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ))الأنبياء107,   وقال تعالى ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ))القلم 4,  فقد كان صلى الله عليه وآله يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويرفق ويرحم ويكرم كل البشر من دون النظر إلى أصولهم أو أعراقهم أو قبائلهم أو غير ذلك من التصنيفات الغير عادلة فكان هو القران الناطق بحق.     

والشواهد على ذلك تملئ كتب السيرة والتاريخ النبوي فتاريخ الطبري و غيره يمتلئ بالمواقف التي مثلت رحمة وحكمة النبي ص , فهو القائل في فتح مكة لمشركي قريش بعد أن تمكن منهم ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) وهو المتغاضي عن عشرات الفتن والمشاكل من تدبير اليهود قبل نقضهم العهد ومحاربتهم , وهو الذي غطى المسلمون بعفوه وكرم أخلاقه القرآنية حتى المنافقين منهم رغم محاولاتهم الحثيثة والمتعددة لإثارة البلبلة والفرقة والفتنة بين المسلمين رغم ذلك كان ص يعاملهم كمسلمين ويجري عليهم الحقوق والوجبات كأي فرد من أفراد المسلمين (للاستزادة نرجو مراجعة كتاب السياسة النبوية ودولة اللاعنف – للشيخ حسن الصفار ))

• النبي في حروبه 

كان النبي ص رفيقا بالناس وبالأرض فقد كان يوصي جيشه في كل الحروب بعدم اتلاف الزرع أو قطع الاشجار أو قتل الضعفاء من الذرية والنساء والشيوخ. فمن مصادر اخواننا السنة ما يشهد بذلك فقد جاء في نيل الأوطار للشوكاني رحمه الله :( من موقع ملتقى أهل الحديث) باب الكف عن قصد النساء والصبيان والرهبان والشيخ الفاني  بالقتل        . 

3321 -   عن ابن عمر قال : ﴿ وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان . رواه الجماعة إلا النسائي  . 

3323 -  وعن أنس ﴿ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : انطلقوا باسم الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوا شيخا فانيا ، ولا طفلا صغيرا ، ولا امرأة ، ولا تغلوا ، [ ص: 291 ] وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين . رواه أبو داود  . 

يقول (الشيخ محمد بن أحمد المعروف بابي زهره في كتابه: خاتم النبيين ص) : "وبهذه الوصايا يتبين أن الحرب النبوية الفاضلة لا يصح أن تكون اتلافا أو فسادا وتحلل من القيود الانسانية ولذلك لا يباح في القتال كل شيء ولا يفعل كما يفعله القواد في هذه الايام من اهلاك الحرث والنسل وافساد الزرع " 

في حين أن جميع معاركه ص دفاعية ولطلب الاصلاح والعدل ورد الاعتداء على ضوء توجيه السماء , قال تعالى (( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ )) البقرة 193, والخلاصة أن الرحمة المحمدية المتمثلة في سيرة النبي مع أعدائه وفي حروبه جسدت أعلى مبادئ السلام وحفظ النفوس ونشر الأمن والأمان لكل الناس. 

وحيث أننا في حديثنا حول الدولة المهدوية للإمام المهدي ع  سنذكر الشواهد والتي تبين أنها نسخة من دولة جده المصطفى ص.

- معالم الدولة المهدوية المحمدية 

‌أ.يسير بسيرة جده المصطفى

‌ب.الامام مع كافة ابناء المسلمين 

‌ج.الامام مع اهل الكتاب 

‌د.اعطاء الحقوق وسن القوانين 

‌ه. سنن النصر الإلهي

أ‌-يسير بسيرة جده المصطفى ص الرحموية 

ورد عن النبي ص قوله " أولنا محمد أوسطنا محمد آخرنا محمد وكلنا محمد " (البحار ج25 ص363 ح23)

فمبادئ النبي ص وهديه يتجسد في كل الأئمة المعصومين ع بنص الرواية , فكما كان نبينا المصطفى ص هاديا ونورا ورحمة على العالمين كذلك كل الأئمة هداةٌ مهديون ورحمات وانوار على العالم أجمع , لذا سيكون مولانا الامام المهدي ع رحمويٌ في كل أموره كجده المصطفى ص و سيحارب الظالمين من السفياني وأمثاله ليخلص الناس من بطشتهم وعنفهم اللاإنساني ليعم الامن والأمان في شتى انحاء الأرض .

وكما ذكر في كتاب الحقيقة المهدوية – للسيد منير الخباز حفظه الله – رواية عن الامام علي ع " أن المهدي يأخذ البيعة من أصحابه على أن لا يسبوا مسلما ولا يقتلوا محرما ولا يهتكوا حريماً ولا يهدموا منزلا ولا يضربوا أحدا إلا بحقه " , فهذا منهج المهدي ع حتى مع اعدائه كالسفياني , فقد ورد أنه يحاوره قبل الاقتتال ويتراجع (أي السفياني) متأثرا بكلام الامام المهدي ع بل ويبايعه فإذا رجع إلى قومه ينكث ويقاتل الامام ع .

وغيرها من الروايات التي تبين مسيرة الامام المهدي ع المحمدية في كل أموره.

شبهة:

وهناك شبهة طرحتها بعض الأقلام المعاصرة ومفادها أن مهدي الشيعة دكتاتوري , عدواني, مصدر للعنف والبطش والاستئصال لأمة محمد ص بسبب بعض الروايات الضعيفة كرواية أبي بصير عن أبي عبد الله ع أنه قال: " إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف ما يأخذ منها إلا السيف وما يستعجلون بخروج القائم ؟ والله ما لباسه إلا الغليظ وما طعامه إلا الجشب وما هو إلا السيف والموت تحت ظل السيف " 

فيقول العلامة السيد منير الخباز : "موقفنا من هذه الرواية ومثيلاتها أنها روايات ضعيفة السند حيث ورد في طريقها محمد بن علي الكوفي المكنى بابي سمينة – وهو فاسد الاعتقاد – كاذب بالكوفة كما قال عنه النجاشي شيخ الرجاليين", وغيره من الرواة الغير ثقة لدى علمائنا الأفاضل.

ثم يقول العلامة: "وهناك بعض الروايات الصحيحة السند في هذا المجال دلت على حدوث قتال شديد بين الامام ومناوئيه ولكنها مطلقة من هذه الجهة فمقتضى القاعدة تقيدها بما دل على نوع التقاتل ومن هو المستهدف به والغرض منه, وهنا نلاحظ أن النصوص الشريفة عينت لنا من المستهدف بالقتال , وعينت أن قتاله عليه السلام دفاعي وليس قتالا هجوميا " وفي صفحة 56 – يقول العلامة : " يقبل المهدي ع على الطائفة المنحرفة فيعظهم ويؤخرهم إلى ثلاث أيام فلا يزدادون إلا طغيانا وكفرا فيأمر المهدي ع بقتلهم " .

فإقامة العدالة التامة على الارض كلها لا تتحقق إلا باقتلاع براثن الظلم والاضطهاد المتجذرة في بعض المجتمعات وهي فئات شاذة ومنحرفة ومسيطرة على بعض البلاد والعباد . قال تعالى )) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ))  التوبة12, ولعل هذه الحقيقة تتجسد في زماننا على أيدي رجال الله الأبطال الذين تخرجوا من مدرسة أهل البيت عليهم السلام تمهيدا للظهور المبارك ولعلنا نعيش المراحل الاخيرة منه.

ب‌-الامام مع كافة أبناء المسلمين 

•الاخوة الاسلامية 

قال تعالى ((مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)) سورة الفتح 29,   مازلنا نتعرف على المجتمع المهدوي عن طريق دراسة المجتمع النبوي في صفاته ومميزاته فتطل علينا هذه الآية الكريمة لتبين لنا صفتي الرحمة و الشدة فيه , فالشدة والغلظة على الكفار في سبيل الله دفاعا وردا على المعتدين المتربصين للإسلام والمسلمين , وأما صفة الرحمة والمحبة فتتمثل في العلاقة فيما بينهم كمجتمع اسلامي مترابط ومتضامن ومتراحم , يقول العلامة المرجع ناصر مكارم الشيرازي – في تفسير الأمثل – في تفسير هذه الآية الكريمة: "ولكن لا ينبغي أن ننسى أن التعبير القرآني بـ (والذين معه) يحكي عن معية النبي في كل شيء , في الفكر و العقيدة والأخلاق والعمل لا عن أولئك الذين كانوا في عصره و اختلفوا واياه في المنهج ", وذلك نتيجة التربية الاسلامية لهم.

ولأن الاسلام دين رحمة وأخوة تبرز لدينا نتائج هذه الرحمة للمجتمع الاسلامي وآثارها حتى قيام الساعة بما يلي : 

1-الترابط والتلاحم الرصين بين أفراد المجتمع المسلم حتى وصلوا إلى الإيثار فيما بينهم , قال تعالى يصف الأنصار: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) الحشر 9,  كما كانوا يتحسسون الفقراء والمحتاجين بينهم أيضا ..  فتمثّلت القيم الاسلامية كالمحبة والأخوة الاسلامية فيما بينهم , قال تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10))   سورة الحجرات 10.

 مما جعلهم يتناسون الفوارق القبلية والعرقية ليستبدلوها بالأخوة الاسلامية الرصينة تطبيقا لهدي سيد الأنام ص في قوله المشهور " "مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسهر".   , وقد ورد عن مولانا الامام الصادق ع كذلك قوله :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه لا ويخذله و لا يحرمه" (الكافي 4 /50 ح 16 ) وحيث أن  المسلم هو الناطق بالشهادتين مما يشمل جميع المسلمين مع اختلاف مذاهبهم وتنوع انتماءاتهم وطوائفهم.

فالأحكام الاسلامية تسري على الجميع حتى على المنافقين كما كان يعمل معهم رسول الله ص والإمام علي ع في دولة الاسلامية الأولى, فكيف بمن كان مسلما حقيقيا وإن اختلف في مذهبه , ففي مذكرة المجلس العلمائي الأولى لعام 1435هـ والتي عنونة بـ ( التلاحم والتضامن الاجتماعي وظيفة دينية وضرورة مجتمعية) ذكروا هذه الحقيقة بأن " السنة والشيعة تجمعهما مساحة كبيرة من الفهم الاسلامي وأحكامه وأخلاقه ورؤاه , وبينهما اختلاف ورغم اختلافهما فإن ظل الأخوة الاسلامية والإيمانية العامة يظللهما معا ويثبت لكل منهما حقوقا على الآخر وحرمات لا يجوز من أحدهما مسّها وفي مقدمتها حرمة النفس والعرض والمال .. فمن حاول أن يجد دليلا واحدا من الاسلام على أن يُخرج سنيا أو شيعيا من دائرة الاسلام الظاهري العاصم لدم المسلم وماله وعرضه فإنما يحاول المستحيل ", مما يوجب التلاحم والتضامن بين أفراد المجتمع المسلم بشتى فئاته وطوائفه.

2- تكامل في جميع قضاياه , فالمجتمع المتحاب المتضامن أقوى من المجتمع المتفكك والمتحارب في حل مشاكله السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية وذلك باللقاءات المفتوحة والحوارات الهادفة وكذلك بحسن الظن المتبادل بين أبنائه لحل الأزمات المتوالية عليه – أي على المجتمع المسلم .

3-ومن نتائج الأخوة الاسلامية كذلك غزارة الانتاج والاستقلالية في شتى مجالات الحياة , فالمجتمع الآمن والمستقر والمتآخي والمتعاون يكثر فيه الانتاج العلمي والمعرفي والصناعي , في حين أن المجتمع الذي تنوبه العصبيات القبلية والمذهبية يقل فيه الابداع الفكري والانتاج المتنوع , بل يسوده الارهاب الفكري في جميع مفاصله ويكون مجتمعا مشلولا ينغمس في وحل التخلف والتشرذم .

وغيرها من النقاط المهمة التي تنتج من الاخوة الاسلامية, وقد تبين أن الاسلام يؤكد عليها ويأمر بتطبيقها بين افراد المجتمع المسلم حتى آخر لحظة من الدنيا , فلا مسوغ لتعطيل الأخوة الاسلامية أو أي قيمة اسلامية اخرى في أي زمان أو مكان مهما كانت الأعذار.

مما يؤكد أن حفيد المصطفى ص ونفسه المحقق لآمال الانبياء الاصلاحية والمكمل لمسيرة جده ص مولانا المفدى لن يتخلى عن هذه القيم الاسلامية بل سيدعو لها ويؤكد عليها في مجتمعه العالمي ودولته الموعودة.

في حين أن الوحدة الاسلامية الكبرى ستتحقق ويكون المذهب هو مذهب أهل البيت ع والذي يمثل الاسلام الحقيقي , يقول مولانا أمير المؤمنين ع في حديث عن عصر الامام المهدي ع :" .. ويهلك الأشرار ويبقى الأخيار ولا يبقى من يبغض أهل البيت .." ( عقد الدرر- 159 ب 7 ح 83)

ومعنى ذلك أن كل أفراد العالم سينجذبون نحو اهل البيت وطريقهم النوراني ويوالونهم , لأنه زمن انكشاف الحقائق , قال تعالى :((هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)) (الاعراف - 53). 

فقد ورد في الروايات أن المقصود من الآية الكريمة هو يوم ظهور المهدي عليه السلام وهو يوم تأويل القرآن (راجع تفسير القمي: ج 1 ص 235 – موقع الشيخ الكوراني)

وكذلك ورد عن أبي جعفر ع قال: " إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت أحلامهم " ( معجم احاديث الامام المهدي ع 1: 144, ح 16) 

فتعبيره بوضع اليد على الرؤوس كناية عن تربية القائم ع للامة الاسلامية  سواءا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة  - عن طريق الممهدين له -  وانما عبر بالرؤوس لأنها مركز الفهم والعقل عندهم فيزداد الوعي العالمي بدولته المباركة . (للاستزادة نرجو مراجعة كتاب المنتظر والمنتظرون – للسيدة أم مهدي).

فحريٌ بالمنتظرون والممهدون لدولته المباركة أن يتمثلوا ويطبقوا مبادئ الاخوة الاسلامية ولوازمها سواءاً على مستوى أبناء المذهب الواحد أو مع أبناء المذاهب الأخرى  ليحضوا برعايته ع وتشملهم بركاته النورانية.   

ج- الامام مع اهل الكتاب والأديان الاخرى

-احتواءه للاختلافات الدينية والفكرية 

-احتواءه لجميع البشرية في دولته العالمية

قال تعالى )) لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )) الممتحنة 8,   فالدين الاسلامي دين العقل والحوار ودين الرحمة لا دين الجبرية والعنف , لأن الاكراه يفقد العمل قيمته ويُنفر القلوب والعقول . فقد كان النبي ص رجل الحوار الأول وقد كان يجالس علماء ورهبان النصارى وكبار اليهود للتحاور معهم وتبين الحجة  لهم واقامتها عليهم ولذلك نجد القران الكريم يصف بعضهم , قال تعالى    :

((وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) ))  المائدة 83,     فقد كان النبي يخاطب قلوبهم العاقلة والمحبة للحق والخير فتراهم يبكون ايمانا ويقينا  بالنبي ص وسالته. 

في حين أنه ص لا يُكره المنكرين و المعاندين منهم بل يقيم عليهم الحجة بمراحل في اتضحت في ظل الآية الكريمة , قال تعالى : ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) ال عمران 64, وهي كالتالي:

1-التأكيد على أن التوحيد يجمعنا وأنه غاية الرسالات السماوية.

2-أن لا نتبع أئمة الضلال والمنحرفين عن التوحيد من الرهبان والقسيسين والعلماء.

3-فإذا لم تقبلوا بهاتين الشرطين السابقين وعاندتموني فإنني سأقيم عليكم الحجة لأعلن التزامي بالإسلام واحكامه وعليكم أن تحترموا ذلك ولا تحاربوني أو تخونوني وسأحميكم في ظل دولة الاسلام مقابل أمرين: 1- دفع الجزية .   2- أمان الاسلام والمسلمين من غدركم وخيانتكم.

وفي ظل هذه القوانين الاسلامية ومثيلاتها سيمضي مولانا المفدى صاحب الزمان ع  في تعامله مع أهل الكتاب فلن يعطل أي قانون أو قيمة  اسلامية وسيمضي بمسيرة جده المصطفى في تعامله معهم  في عدة نقاط ومنها ما يلي:

1-سيبدأ بالحوار معهم واقامة الحجة عليهم وذلك بأمرين:

أ‌-محاورة كبارهم وعلمائهم فقد ورد عن الامام الصادق (في البحار ) أن الامام يستدعي كبار اليهود واحبارهم ورؤساء النصارى وعلمائهم ويحضر التوراة والانجيل والزبور والفرقان ليتحاور معهم فيؤمنون به بعد أن يُبين لهم الحقائق. بل ويسلمون له كما سيسلم له أغلب أهل الارض لأنه سيظهر بمنطق العلم والمعرفة وبأسلوب الرأفة والرحمة. (للاستزادة نرجو مراجعة كتاب الحقيقة المهدوية للخباز).

ب‌- قال تعالى (( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا )) سورة النساء 159, 

فعن الامام الباقر ع أنه قال: " ان عيسى ع ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا فلا يبقى أهل ملة يهودي لا نصراني إلا آمن به من قبل موته ويصلي (أي عيسى ع) خلف المهدي  ع"  - (للاستزادة نرجو مراجعة كتاب الحكومة العالمية للإمام المهدي ع في القران والسنة –للعلامة المرجع الشيرازي – ص 37).

2-وبعد اقامة الحجة وايمان من آمن به سيقوم بتنفيذ الاحكام الاسلامية على المعاندين والظالمين ((فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)) البقرة 193  ,  إذ لا مكان لغير رجال الله وحكمهم في الارض.

3-لكنه سيسمح بالفكر المعارض ما لم يؤدي إلى مفسدة وتفكك وصراعات فالاختلاف ليس ممنوعا في دولة الحق وذلك تطبيقا لقانون المساواة عند  مولانا أمير المؤمنين علي ع " فإن الناس صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق " فينطبق هذا القانون العادل على جميع أصحاب الأديان والمذاهب المختلفة في دولة الامام المهدي العالمية. (للاستزادة نرجو مراجعة كتاب الحقيقة المهدوية للخباز).

د- اعطاء الحقوق وسن القوانين في دولته المباركة

إن من احدى الوظائف المهمة للأنبياء بشكل عام هو اقامة العدل والقسط وازالة أي نوع من الظلم والاضطهاد لجميع البشر , وقد أشار الله سبحانه إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى:(( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ)) سورة الحديد 25, فهدف السماء اقامة دولة العدل والقسط, فالأنبياء مسلحين بثلاث وسائل على ضوء هذه الاية المباركة وهي: 1- الدلائل الواضحة (البينات ).  2- والكتب السماوية (أنزلنا معهم الكتاب ).   3- ومعيار الحق من الباطل (والميزان).

يقول العلامة المرجع ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه الاية المباركة – في كتابه الأمثل :" ومما يجدر ذكره أن المقصود من التعبير القرآني ((ليقوم الناس بالقسط)) أي أن يتحرك الناس أنفسهم لتحقيق القسط وليس المقصود أن يلزم الأنبياء على اقامة القسط ولهذا يمكن القول بأنه المراد من الآية وهدفها هو أن يعمل الناس بمفاهيم القسط ويتحركوا لتطبيقها .. والمهم أن يتربى الناس على العدل والقسط بحيث يصبحون واعين له وداعين إليه , منفذين برامجه وسائرين في هذا الاتجاه بأنفسهم " .

 ولا يتحقق ذلك عالميا إلا بالوعي والعلم المأخوذ من الراسخون في العلم وهم أهل بيت النبوة و العصمة عليهم السلام بالالتفاف حولهم والانصياع لأمرهم  , لأن النبي ص مارس مهنة الحاكمية والقضاء في دولته المباركة – سبق التنويه عن ذلك – وكذلك دعى الناس لينصاعوا لأمر و حكم وقضاء الامام علي ع من بعده بقوله ص: " أقضاكم علي " أو قوله ص: " من كنت مولاه فعلي مولاه " , وذلك للاستمرار عبر الامامة وامتداداتها إلى أخر الزمان.

وحيث ان المهدي ع مكملٌ لمسيرة جده المصطفى ص وجده المرتضى ع سيقوم بالحكم والقضاء في دولته المباركة في ظل الوعي العالمي والتشوق لعدالته الربانية, فقضاء الامام عج سيشمل العالم كله باختلاف انتماءاتهم .. لأن الحقوق لا  تعرف الانتماءات والمذاهب, بل سيرسل القضاة في جميع أقاليم الأرض, لما ورد عن مولانا الامام الصادق ع  قوله " إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كل اقليم رجلا يقول له الإمام عهدك في كفك فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء في فانظر إلى كفك واعمل بما فيها " (الغيبة للنعماني :ب (21), ح 8 – كتاب المنتظر والمنتظرون للسيدة ام مهدي).

فيتبين من الرواية أن هناك تقنية خاصة بدولة الامام ستنكشف لأهل الارض ببركته عليه السلام, في حين أنه سيعيّن الفقهاء المخلصين قُضاةً لدولته المنتَظرة, و مما يؤكده الواقع لنا أن هناك تمهيدا علميا ومعرفيا لدولته المباركة يتمثل في حركة المراجع والعلماء العظام بالنيابة العامة له عليه السلام .  

وهناك نقطة يجب التنويه عليها وهي طبيعة قضاءه عليه السلام الذي لا يحتاج إلى بيّنة لأن الحقائق منكشفة أمامه , فالإمام يقيم الحد ويقتص ممن صدر منه ما يوجب القصاص حتى إذا لم يشهد الشهود ولم تقم البينة , لما ورد عن مولانا الصادق ع قوله " إذا قام قائم آل محمد ص حكم بين الناس بحكم داوود لا يحتاج إلى بينه يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه ويخبر كل قوم بما استبطنوه " – (كتاب المنتظر والمنتظرون ص 347).  

وطبعا ليس المقصود بحكم داوود هو شريعته – كما يفهم البعض – لأن جميع الشرائع نسخت بالإسلام ولكن المقصود أن المهدي عج يحكم كما حكم داوود ع من قبل بالعلم الواقعي الذي ينكشف عنده بإذن الله ولم يكن يبالي بقول المدعي أو المدعى عليه.

كما أن القران يحكي لنا قصة الخضر ونبي الله موسى عليهما السلام في سورة الكهف ايضا ,فقد كان الخضر يحكم بالحكم الواقعي من دون بينة مما أثار استنكار نبي الله موسى ع الذي كان يحكم بالبينة والشهود, فقد شرع الله الحُكمان في الأرض لأوليائه لإقامة العدل والقسط وتنفيذ احدهما وتعطيل الآخر في أي زمانٍ أو مكان يرجع الى الحكمة الإلهية والأمر الالهي في ذلك.

وقضية العدالة المهدوية قضية حساسة مذهبيا , فهناك من يظن أن الامام سينصف طائفة دون أخرى أو أتباع مذهب دون آخر , وهذا فهم ناقص لدور الامامة بشكل عام لأن الامامة والعدالة لا تنحصر في فئة دون أخرى , فعدل الامام لا ينحصر في زاوية مذهبية بل سيكون رحمة وعدلا لكل أبناء البشر دون استثناء.  

هـ- سنن النصر الإلهي

إن هناك تشابه واضح – كما مر- بين الدولتين الاسلاميتين المكملتين لبعضهما وهي الدولة المحمدية والدولة المهدوية العالمية , ولعل الشواهد القرآنية كثيرة لا نستطيع حصرها في هذا البحث ,فهناك الكثير من الآيات المفسرة من قبل أهل البيت ع بدولة أو شخصية الامام المهدي عج لكننا سنورد مثالا واحدا فقط  من عشرات الأمثلة في ذلك:

قال تعالى: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)) البقرة 155 ,   فقد أخرج الحافظ القندوزي (الحنفي) في قوله تعالى (الآية ) , بإسناده المذكور , قال عن محمد بن مسلم عن جعفر الصادق عليه السلام قال: " ان قدام (القائم ) علامات بلوى من الله للمؤمنين .

قلت وماهي ؟ قال: هذه الآية (ولنبلونكم بشيء من الخوف ) من تلقهم بالأسقام و (الجوع ) بغلاء الاسعار (ونقص من الأموال) بالقحط (والانفس ) بموت ذائع و (الثمرات ) بعدم المطر (وبشر الصابرين ) عند ذلك ". 

(من كتاب المهدي في القران والسنة للمرجع الشيرازي ص 12)

فالنصر لا يأتي إلا بعد التمحيص والبلاء وذلك بهدف زيادة يقين وايمان وقوة المؤمنين المنتظرين ومحق وهزيمة الكافرين على يدي أبطال المؤمنين , كما قال تعالى ((وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ)) آل عمران: 154

فعندما يطول الأمد بالمنتظرين سيزداد صفاء المخلصين ويقينهم وسيسقط الضعفاء والمشككين لأمر الله (( فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ))

وعندما نقارن بين الدولتين الاسلاميتين (المحمدية والمهدوية )  على ضوء ما سبق سينتج لدينا ما يلي: 

1-أن الحصار المفروض على النبي ص و أتباعه وأهل بيته من قبل قريش وحلفائها في شعب أبي طالب يماثل الحصار – بأنواعه-  المفروض على المؤمنين والمخلصين في زماننا المعاصر وزمن الأئمة المعصومين سابقا لفرض الجوع والفقر والخوف.

2-أن تعذيب المسلمين الأوائل حتى اضطروا للهجرة إلى الحبشة بأمر النبي ص... فقانون الهجرة يماثل تشريع التقية والتخفي للمؤمنين عن البطش والتصفية من قبل الظالمين وأنواع التعذيب الذي تعرض له الموالون على مر الزمان بسبب تمسكهم بأهل البيت ع.

3-أن أذية النبي ص والذين معه بأنواع المضايقات حتى ورد عنه ص (ما معناه)  قوله: " ما أوذي نبي كما أوذيت "  تماثل أنواع المضايقات التي تعرض لها أهل البيت وأتباعهم ,ومنها انكارهم عليهم السلام والتعرض لهم ولشيعتهم بالسب والشتيمة و الأذية.

4-نقص المؤونة والعتاد لمواجهة القوى الشركية المتمثلة بقريش وحلفائها وفي ذلك تتشابه الظروف لدولة الحق المهدوية لتجري عليها سنة النصر الالهية كما جرت على النبي ص  والنبين عليهم السلام من قبله المتمثلة في قوله تعالى ((كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ))  البقرة 249 ,   فقد ورد عن مولا نا الصادق ع قوله " لا يخرج القائم في أقل من الفئة ولا تكون الفئة أقل من عشرة آلاف ولكنهم سيظفرون بالنصر المؤيد من السماء كما في معركة بدر , قال تعالى : ((بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125))) آل عمران 125,  قال مولانا الباقر ع " إن الملائكة الذين نصروا محمد ص يوم بدر في الأرض ما صعدوا بعد و لا يصعدون حتى ينصروا صاحب هذا الامر وهم خمسة آلاف ".  

 و النتيجة أن القران الكريم مليء بالآيات الكريمة التي تتحدث عن الدولة المحمدية وعناصرها ومراحلها ومميزاتها مما يدعونا للتمعن والبحث لمعرفة معالم الدولة النبوية التي ستفتح لنا أسرار الدولة المهدوية التي تمثل الامتداد الطبيعي للدولة الاسلامية الام.

الخاتمة 

وخلاصة البحث أن فهم معالم الدولة المهدوية ومقارنتها بالدولة المحمدية يتم عن طريق عدة نقاط وأفكار تم ذكرها بالتسلسل وهي كالاتي:

1-أن حركة الامم هي التي تؤثر في التاريخ, وأن الاسلام أكد على صلاح وقوة وعزة واستقلالية الامم والمجتمعات كما أكد على صلاح الافراد.

2-حاجة الانسان للعيش في ظل دولة عادلة تحقق المبادئ السماوية وتصلح البلاد والعباد.

3-ان من أهم معالم الدولة المحمدية هي أنها دولة الرحمة و اللاعنف في كل قوانينها وحركاتها.

4-أن مظاهر الرحمة المحمدية تتمثل وتتجسد في دولة الامام المهدي في كل عناصرها لأنها الامتداد الطبيعي لها.

5-من أهم معالم الدولة المهدوية تشابهها للدولة المحمدية من منظور قراني في الامور التالية:

أ‌-يسير الامام المهدي بمسيرة جده المصطفى ص في كل أموره.

ب‌-ان الامام ع يتعامل مع كافة ابناء المسلمين بالمنهج الاسلامي في احتواءه الجميع.  

ت‌-تحاور الامام مع اهل الكتاب وتبين الحقائق لهم بنفس طريقة جده المصطفى المذكورة في القران الكريم.   

ث‌-اعطاء الحقوق وسن القوانين الاسلامية في دولته المباركة امتدادا لمنهج النبي ص. 

ج‌-سنن النصر الإلهي للدولتين قرآنيا.

وبهذا تتضح الرؤية لمعالم الدولة المهدوية من منظور قراني لرفع الشبهات التي تثار حولها من هنا ومن هنا.

ونتمنى أن يلتفت الباحثون والمتخصصون لهذا المبدأ الذي حاولنا ايضاحه بطريقة سريعة للتعمق أكثر وكتابة الأبحاث المتخصصة والكتب في ذلك.

وما توفيقي إلا بالله ..

هذا والحمد لله رب العالمين وصلى على سيدنا ونبينا محمد وآله المنتجبين الأخيار...

المصادر :

1-القرآن الكريم

2-تفسير الأمثل – للعلامة ناصر مكارم الشيرازي

3-المدرسة القرآنية – للشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره )

4-معالم الحكومة الاسلامية – للعلامة الشيخ جعفر سبحاني

5-المنتظر والمنتظرون – للسيدة أم مهدي – تحقيق الشيخ جعفر سبحاني

6-الحقيقة المهدوية – للسيد منير الخباز 

7-كتاب المهدي في القران والسنة – للمرجع السيد صادق الشيرازي

8-السياسية النبوية سياسة اللاعنف – للشيخ حسن الصفار

9-موقع سماحة الشيخ علي الكوراني الالكتروني

10-موقع مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي الالكتروني

11-كتاب خاتم النبيين - الشيخ محمد بن أحمد المعروف بابي زهره

12-موقع ملتقى أهل الحديث الالكتروني – لإخواننا السنة.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


حيدر الحكري


ارسل لصديق