إمبراطوريات العولمة في مصيدة ميكروفيزياء الإرهاب
كتبه: زهير الخويلدي
حرر في: 2014/08/18
التعليقات: 0 - القراءات: 3275

ربما يسهل للبعض إطلاق تسمية "عصر الإرهاب" على هذه الحقبة من الزمن التاريخي مقابل تسميات أخرى أطلقت عليها مثل"عصر الأنترانت"أو" عصر العولمة "أو"عصر الاستنساخ"،فالإرهاب ليس حالة ظرفية آنية بقدر ما هو أحد أكبر مظاهر الوجود الإنساني انتشارا منذ مدة ليست بالقصيرة حيث يبرز أو يخفت تأثيره انطلاقا من وطأة الظروف وقسوة العوامل التي تغذيه.وقد يبدو من السهل جدا أن ندين الإرهاب وأن ننظم إلى طابور الموقعين على عرائض منددة به أو أن ننجز ونعد قوائم بالأعمال التخريبية التي يخلفها وان لفي تعدادها تفاهة تبعث على القرف والغثيان ولكن من أصعب الأمور أن نعرف الإرهاب ونحدد له مرجعا أخلاقيا وقانونيا وأن نفسر الأسباب والدواعي والمبررات التي تجعل المواجهات تندلع بين الفئات الاجتماعية والأديان والأعراق والأمم وهي غالبا ما تتخذ تلك الأشكال القاسية التي اعتاد الكلام السائد أن يقتصر على تسميتها "بالقوة الغاشمة" أو"العنف التدميري". كما أنه من العسر أن نعثر منذ الوهلة الأولى على الوسائل والخطط والمناهج القادرة على إيقاف حمى الإرهاب بالسيطرة عليه ومحاصرة تداعياتها الخطيرة.

استهلال:

 

"ولكن الحرب مستمرة.وعلينا أن نظل سنين طويلة نضمد الجراح الكثيرة,التي لا تشفي في بعض الأحيان,الجراح التي أحدثها في شعوبنا الاندفاع الاستعماري.إن الامبريالية التي تحارب الآن تحرير البشر تدع هنا وهناك بذور تفسخ علينا أن نكتشفها وأن نستأصلها من أراضينا ومن أدمغتنا".[1]
  

ربما يسهل للبعض إطلاق تسمية "عصر الإرهاب" على هذه الحقبة من الزمن التاريخي مقابل تسميات أخرى أطلقت عليها مثل"عصر الأنترانت"أو" عصر العولمة "أو"عصر الاستنساخ"،فالإرهاب ليس حالة ظرفية آنية بقدر ما هو أحد أكبر مظاهر الوجود الإنساني انتشارا منذ مدة ليست بالقصيرة حيث يبرز أو يخفت تأثيره انطلاقا من وطأة الظروف وقسوة العوامل التي تغذيه.وقد يبدو من السهل جدا أن ندين الإرهاب وأن ننظم إلى طابور الموقعين على عرائض منددة به أو أن ننجز ونعد قوائم بالأعمال التخريبية التي يخلفها وان لفي تعدادها تفاهة تبعث على القرف والغثيان ولكن من أصعب الأمور أن نعرف الإرهاب ونحدد له مرجعا أخلاقيا وقانونيا وأن نفسر الأسباب والدواعي والمبررات التي تجعل المواجهات تندلع بين الفئات الاجتماعية والأديان والأعراق والأمم وهي غالبا ما تتخذ تلك الأشكال القاسية التي اعتاد الكلام السائد أن يقتصر على تسميتها "بالقوة الغاشمة" أو"العنف التدميري". كما أنه من العسر أن نعثر منذ الوهلة الأولى على الوسائل والخطط والمناهج القادرة على إيقاف حمى الإرهاب بالسيطرة عليه ومحاصرة تداعياتها الخطيرة.
 

إن صعوبة تعريف الإرهاب أمر يعاني منه رجل السياسة ورجل الفكر على السواء لما يبدو عليه من غموض فهو واقع معقد متعدد الأشكال يصعب تطويقه ويملك من الانتشار والأذى أكثر مما يمكن تصديقه،ولكن عندما يتناول الفكر الحاذق هذه الظاهرة فإنه يعتبرها ظاهرة غير عادية وغير لازمة لتطور المجتمعات فهي قهرية ضاغطة وأمر منفر غير مرغوب فيه فكأنها مرتبطة بعدوانية بربرية لا يمكن للعصرية أن تقضي عليها وآية ذلك أنها حالة من الحرب الكونية المدمرة التي تهدد الحياة الإنسانية وتزعزع السلم الأهلية وتعطل التساكن والتآنس بين الشعوب والحضارات والأديان.[2]
 

والحق أن الإرهاب لا يعد ظاهرة حديثة بل قد يكون أقدم رفيق عرفه البشر في غابر العصور إذ منذ أن صنع الإنسان الأول بعض الأسلحة للدفاع عن نفسه استعملها أيضا لإرهاب غيره وتخويفه وليفتك بأمثاله,لذلك كانت مشاهد التفجير والقتل مألوفة للأسف حتى أن كل وصف لها بات نافلا.
 

بيد أن اللافت للنظر اليوم أن من يرتكب الإرهاب من حيث كونه حالة صرفة أصبح لا وجود له وبات غير مرئي،فهو شبحي ومخفى إن لم نقل مجهري،فالإرهابي إنما هو هذه الدولة( الصهيونية/ الأمريكية) وتلك الشركة وذاك الشخص وتلك المجموعة وذلك الوضع وتلك الكتلة من القوى المتصارعة التي تستعمر ميدانا ما,إننا صرنا نتحدث اليوم عن عولمة الإرهاب وأرهبة العالم وانتهينا إلى حقيقة بديهية مفادها أن إمبراطوريات بأسرها تمارس الإرهاب وتتهم كل من يقاومها به بل باتت في قبضته الميكروفيزيائية.
 

إن كانت الصراعات والحروب والمجابهات تملأ التاريخ البشري وتجوبه طولا وعرضا فإن الإرهاب يسطع راهنا مثل لمحات البرق الخاطفة ويدوي صوته كالرعد المزلزل للآفاق فهو يظهر ويختفي ويبرز ليتوارى بشكل مفاجئ ومباغت وكأنه يحمل بين طياته الطابع الجديد على الدوام,فهو الحدث المطلق الذي يتيح لكل الأحداث التي لم تحدث من قبل أن تحدث,فهو الحدث الجلل الذي سيظل أبدا بصدد الحدوث دون أن يكتمل أبدا.
 

إن إرهاب القرن 21 يتخذ طابعا جديدا مفارقا فهو يضيف إلى القدرة على الظلم النزعة إلى الإذلال،ورجل الأخلاق الذي يتأمل في السلوك الإنساني لا يستطيع أن يذكره دون أن يستهجنه كما أن رجل السياسة يسعى إلى السيطرة عليه ويوظفه لمصلحته ويدرجه ضمن استراتجياته,انه ليس فقط إرهاب الأفراد والمجموعات والأحزاب والتنظيمات الباطنية المسلحة بل هو أيضا إرهاب المؤسسات والدول والشركات متعددة الجنسيات والأحلاف العسكرية الكبرى والمنظمات العالمية العتيدة وهو ليس موجها فقط للفتك بالأجساد ولتخريب العمران المادي بل يطال مداه النفوس ويخرب العمران الروحي.
 

بيد أن الاهتمام بالإرهاب قد ازداد إلى قدر كبير في الآونة الأخيرة وذلك لاعتبارات عقائدية ولقبليات ايديولوجية أو نتيجة ترسبات عدوانية لأصول حيوانية في النوع البشري تحث تأثير ظاهرة عولمة العنف والاستغلال والبؤس وتسارع نسق تبادل المعلومات وتطور وسائل الاتصال والإعلام.
 

على هذا النحو بدت مشكلة الإرهاب أكثر تعقيدا مما يظن البعض في بادئ الرأي بحيث لم تعد تكفي الإدانة الأخلاقية القاطعة وبيانات الشجب لإخماد ناره ومواجهته بل ان العزم على اقتلاعه من جذوره ومداهمته في حصونه الآمنة ومنابته النائمة لن يتم ولن يتحقق دون فهم حاذق وتدبر ثاقب.[3]
 

لهذا السبب يبدو اقتحام لجج بحر هذا الموضوع بالغ الدقة والتعقيد أمرا مقضيا واستجابة لنداء الوجود ولن يتحقق ذلك إلا بمعالجة الأسئلة التالية: ما هو الإرهاب ؟ما هو مصدره؟ ما هي مظاهره؟ وما هي العوامل التي تسببه؟هل الإرهاب بعيدا عنا أم على الأبواب ؟هل يمثل صفة عارضة أم خاصية ملازمة للسلوك الإنساني؟هل يشير فقط إلى انطلاق أعمى لقوى معادية أم تراه يغطي ميدانا أكثر اتساعا بكثير ويحفل بأوضاع هادئة في ظاهرها ولكنها حبلى بعنف كامن؟ هل لنشوئه آلية ما يمكن الكشف عنها وتصنيفها أم تراه ينفجر عادة وكأنه اندلاع للعنف غير متوقع ومثير للحيرة؟ هل الإرهاب رد فعل أساسي في الكائن البشري أم تراه نتيجة عدم توافق مع البنى الاجتماعية ومن الممكن تقويمه؟
 

لكن قبل كل شيء من هو الإرهابي؟ هل هو المهاجم المستولي على حقوق الآخرين أم المدافع عن حقه المرابط في أرضه؟ ما الفرق بين المقاومة والإرهاب؟ إلى أي مدى يمكن أن تتحول ممارسة شعب لحقه في المقاومة إلى إرهاب ؟ هل الإرهاب عنف فردي أم عنف جماعي ؟ هل هو تصرف فوضوي أم فعل منظم ؟ هل هو مادي أم رمزي ؟ من الذي يهدده الإرهاب أكثر الفرد أم الجماعة؟ المجتمع أم الدولة؟ ما هو الخطر الذي يتهدد الإنسان من جراءه؟ هل يمكن أن يضطلع بدور في التطور البشري ؟ أليس هو نتيجة استغلال المعرفة العلمية على الصعيد الصناعي والسياسي ؟
 

هل من حل للتناقض بين الضرورة التاريخية للإرهاب والضرورة العقلية التي تستوجب احترام القانون الأخلاقي والنزوع إلى السلم والعدل ؟ هل أن مقاومة العنف بالعنف تؤدي إلى تبرير كل أشكال العنف بما في ذلك الإرهاب ؟ هل أصبح السلم حلم يصعب تحقيقه أم أن تصورنا له في حاجة إلى المراجعة؟ ما هو تأثير المعرفة في حل الصراعات الإنسانية؟وإذا كانت المعرفة تسمح بإيجاد عقد جديد بين الإنسان والطبيعة فهل يمكنها أن تحقق السلم بين البشر؟ هل تكفي المعرفة والحكمة والتربية للسيطرة على الإرهاب والحد منه؟ أليس الإرهاب في جوهره نفيا لهذا الأساس القائم على الحكمة والعقل الذي تغرس فيه كل نزعة إنسانية جذورها ؟ ألا يعني انتصار الغريزة على العقل ورفضا للحوار؟ أليس هو في نهاية المطاف ترسيخا للدمار والخراب ؟
 

ما هي جذور الإرهاب الحيوية والنفسية والاجتماعية ؟ هل العدوانية غريزة فطر عليها الإنسان أم هي رد فعل مكتسب ؟ هل يمكن أن نعتبر العامل الاقتصادي سببا مركزيا للإرهاب؟ وهل يجب هنا التحدث عن الإرهاب التكنولوجي؟ وهل يعقل أن نصف تطور أشكال الحياة بكل ما تسببه من أنواع الإبادة بأنه عنف بنيوي طالما أن القتل ضروري لتوفير الغذاء ؟ كيف يواجه الاقتصاديون هذه المشكلة ؟ ثم كيف أصبح الإرهاب مؤسسة سياسية قائمة الذات لدى السلطات الاستبدادية؟ أين يكمن الإرهاب في العلاقات السياسية الدولية ؟ كيف يتحول شعار الإرهاب إلى سلطة في يد الجماعات المسيطرة تستعملها لتخويف مناوئيها ؟ هل من البديهي أن نعرف الإرهاب بأنه بالضرورة اندلاع لاعقلاني للعنف؟ 
 

ما الفرق بين النزاع والعنف والإرهاب ؟ ماهي الغاية التي يرمي إليها الإنسان إذ يخوض معركة لا يدري بعد تماما كل ما سوف تنتهي إليه؟هل يجوز أن يلجأ الناس إلى أقصى أشكال العنف من أجل الدفاع عن كرامتهم؟ ثم إلى أي مدى يمكن أن نعتبر العمل الثوري مقاومة للإرهاب المعولم ؟ هل يمكن التضحية ببعض الأشخاص الأبرياء من أجل الثورة والاكتفاء بوعدهم بالشهادة والجنة؟ لكن ألا يكون من الأجدى بناء هذه الجنة على الأرض في إطار المدينة الإنسانية عوض السير إليه مشيا على الجثث الآدمية ؟ 
 

إذا صغنا الإشكالية الناجمة عن هذه المعضلة بشكل جيد فإنها تطرح على النحو التالي: 
هل الإرهاب مجرد حادث طارئ على طريق التطور التاريخي للشعوب والحضارات أم هو رد فعل أحمق يجابه به الناس تناقضات المجتمع ومظالمه ؟هل هو أحد أقوى اندفاعات الغريزة أم تراه ينغرس بعمق في بنية الكائن البشري ذاته ؟ هل ينبغي لنا أن نحلم بذهابه من خلال زوال عوامل التوتر التي تسببه وبتحقيق الانسجام بين الإنسان ونفسه وبينه ومحيطه أم أنه واقعة لا راد لها ويتوجب على الإنسانية أن تستأنس به؟ لكن ألا يقتضي السلوك القويم أولوية الروح على المادة ويستوجب العقل المستقيم الانفتاح على الأغيار والانخراط في الكونية ببذل الجهد الخلاق للسلام والصداقة؟ 
 

كل هذه الأمور والتحديات هي التي تحرك فينا أولا التساؤل حول تداعيات الإرهاب ومعالمه الأساسية وتحفزنا للانطلاق في هذه المعالجة بدراسة ما يعيشه الناس في القرن 21 من نزاعات وحروب وذلك بتجميع المعطيات لمعرفة مواقعه كما هي في ذاتها دون أفكار مسبقة بالتركيز على الأطر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تسيطر عليها التقنية والتنظيم العقلاني الحسابي بغية إدراكها بتميز ووضوح وتحديد ملامح أساسية لها.
 

كما تدفعنا حركة الفكر في مستوى ثان إلى التساؤل حول العوامل والأسباب والخلفيات التي أدت إلى تبلور ظاهرة الإرهاب والعنف المدمر بهذا الشكل المعقد وبمثل هذا الحجم الهائل والمريع مسلطين على هذه المادة أنوار العلوم الإنسانية والفلسفة باحثين عن دور ايجابي لها في التطور البشري ومحددين المخاطر والانعكاسات السلبية المنجرة عنها والتي تهدد الحياة الإنسانية .
 

أما في مستوى ثالث فحري بنا أن نجد في البحث عن أساليب العلاج وطرق السيطرة على هذه الظاهرة المرضية باجتنابها على صعيد السلوك الشخصي واقتلاعها من جذورها على مستوى ردود الأفعال الجماعية والبحث عن السبل الكفيلة بمحاصرتها واستباق وقوعها. 
 

غني عن البيان أن ما هو في ميزان الفكر وما نراهن عليه عندما نضع هذه المعضلة قيد الدرس هو الكف عن صراع التأويلات حول هذه المفردة المحيرة للعقول والمدهشة للقلوب وإيجاد تعريف لها يميزها عن المقاومة بوصفها حق مشروع يلتجئ إليها كل مظلوم للدفاع عن نفسه.

- تداعيات الإرهاب وتجلياته
 

«هناك انتشار عالمي للإرهاب الذي بات شأن الظل الملازم لكل نظام هيمنة،مستعدا في كل مكان لأن يستيقظ كعميل مزدوج ،لم تعد هناك أية حدود فاصلة تسمح بمحاصرته فهو في قلب هذه الثقافة التي تحاربه»[4] 
 

ان أهمية دراسة الإرهاب دراسة مجهرية تشخيصية تنبع من كثافة تجليه في الواقع ومن اتساع مدلوله وتعدد أسبابه وضخامة المؤسسات التي تفرزه بشكل يجعلنا غير قادرين على الكشف عن حيثياته وأصوله بقراءة الأحداث قراءة خارجية وبالبقاء على مستوى الظاهر لذلك لابد من الكشف عن الإيديولوجيا التي تجعل من الوعي مسرحا للأوهام وتشوه الحقائق وتزيف القيم ولن يكون ذلك ممكنا إلا بالتحقيق والتدقيق والتمحيص. 
 

إن عالمنا المعاصر يقدم لنا صورة حية ومتنوعة الجوانب والدلالات التي تجسد ظاهرة الإرهاب بما هو تشدد عنيف وتجلي للقوة العمياء التي يمكن رصدها وتتبعها في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع. إن تحليل ظواهر الإرهاب أظهر تنوعه الشديد وطابعه المتعدد الأشكال الذي يصعب رده واختزاله إلى أنماط محددة وقد اتضحت ولا شك حالات من الإرهاب مختلفة على الصعيد الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي منها ما هو مكشوف (حروب,اعتداءات،قمع بوليسي، سيطرة اقتصادية) ومنها ما هو خفي مجهري (مراقبة الحياة الخاصة،دمج مفروض،تنميط قسري،تحكم بالفرد والسلوك).
 

أ/ الإرهاب الثقافي:
 

" علوم التقنية هي التي تشوش الفروق بين الحرب والإرهاب. وفي هذا الصدد, بالمقارنة بإمكانيات الدمار والخلل الفوضوي التي تنتظرنا في المستقبل وفي شبكات العالم الإلكترونية,فإن 11 سبتمبر ما يزال ينتمي الى مسرح العنف القديم الموجه الى صدام المخيلة.فقد يمكن القيام غدا بعمليات أشد سوء من هذه العمليات, والقيام بعمليات غير مرئية وصامتة وبعمليات أكثر سرعة ودون إراقة للدماء, وذلك عن طريق مهاجمة الشبكات الإلكترونية التي تعتمد عليها الحياة(الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية, الخ)لأي دولة من دول العالم...وسنقول إن ما يحدث الآن له أشد سوءا مما حدث من قبل,حيث تسللت النانوتكنولوجيا المختلفة إلى كل مكان,تلك التكنولوجيا غير المرئية والمنيعة والأشد وطأة من أي شيء مضى."[5]
 

تظهر الكثير من أشكال الإرهاب الرمزي المرهون بدرجة الوعي والثقافة مقابل هذا الوضع العنيف المفروض على إنسان اليوم فهناك أولا الإرهاب اللغوي الذي يكتمل بالتقوقع في عالم القول المغلق أين نشهد هيمنة اللغة المغلقة أو المستبدة التي تنسى كثافتها وقدرتها اللاّمحدودة على توليد المعاني وتختزل نفسها في ممارسة السلطة والرغبة,اذ من تكون له الكلمة الأخيرة يمتلك في نهاية المطاف الكلمة التي تأمر وتنظم وهي التي تحرض الناس على العمل والإنتاج والموافقة، وتستبد الكلمة وتتحول إلى عقيدة وتفقد الفكرة قيمتها لأن الكلمة لا تحيل إلا إلى السلوك أي كيفية الدعاية ولا يهم أن يبقى للكلمة رونقها وسحرها وتأثيرها الشاعري.
 

هكذا تتخذ اللغة طابعا استبداديا بل كاذبا وإرهابيا تضيق على الرأي العام وتخنق كل معارضة وتمنع أي سعي نحو الحرية,فاللغة ليست أداة للتفاهم والتواصل بين الذوات وليست وسيلة تعبير وإبلاغ بل "أصبحت أداة مراقبة وذلك في الوقت الذي تنقل فيه أخبارا فقط لا أوامر وفي الوقت الذي تدعو فيه الإنسان إلى ممارسة الاختيار لا الطاعة والحرية لا الخضوع".[6]
 

يظهر الإرهاب اللغوي في الانتماء إلى هوية ثقافية متقوقعة ورفض الانفتاح والاستفادة من الهويات الثقافية الأخرى،خصوصا وأن مفهوم الثقافة هو قيم وأهداف ورموز وهذه القيم تصبح ضاغطة عندما تتعرض للخطر,وهكذا فإن كل ثقافة تحدد لكل امرئ مجال انتمائه وساحة اتصالاته داخل مجتمعه وعندما يرفض إنسان ما ثقافة غيره فانه يؤكد أولا ثقافته ويحاول المحافظة على قيمه ويصون هويته الخاصة ولكن رفض الانتماء إلى ثقافة جماعة ما والعزوف عن التكلم بلغتها والابتعاد عن اعتماد نظامها المتعلق بالقيم والتواصل يعني في نهاية المطاف رفض لثقافتها وبالتالي التعبير عن أعظم مظاهر التشدد والإرهاب وهو الإرهاب الثقافي الذي يتبلور من خلال رضي الإنسان اليومي بثقافته السائدة للمحافظة على الذات حتى بالبقاء غريبا عن العالم الذي يعيش فيه. انه مشهد آخر للإرهاب يتجسد في عنف يتجلى بقوة في الخطاب وهو يعبر عن المراهقة الثورية والبداوة الممدنة.
 

إن الإرهاب اللغوي يبرز هنا في:
 

* صيغة الكلام إن...إما...أو 
*الدفاع المستميت عن فكرة ما والرفض القاطع لأية فكرة مخالفة. 
* مقاطعة المتكلم من موقف اللاّتكافئ ومحاولة تبكيته. 
* الاعتماد على الأحكام القطعية والكلام الآمر الفاشي دون تمحيص. 
 

كل هذه المواقف هي تورط جزئي أو كلي في شراك الإرهاب الفكري الذي يتمثل في اعتماد عصبية نقدية أو دغمائية منهجية دون دراية بشروط الإمكان ودون تعرف على المسلمات القبلية والفرضيات الصامتة التي ينطلق منها الفكر ما دام كل نقد لا يخلو من عنف لأنه يسعى إلى الكشف عن حقيقة معينة والتعبير عنها للآخرين أو سترها وتغييبها إذا كان إظهارها لا يفيد. لكن ألا يوجد تناقض بين اللغة والإرهاب ؟ أليس هناك تنافر بين الخطاب والعنف؟فهل نحن في طريقنا إلى إخضاع العالم بأسره للخطاب المغلق الفاشي والتكنوقراطي؟
 

إن الإرهاب اللغوي هو مزيج من القمع الذاتي الشخصي والقمع الموضوعي أين ترتدي الكلمات سحرا جديدا ولا يكون لها من معنى إلا إذا علمت فقط محتوى العبارات المستخدمة والدارجة،هذا المحتوى هو اجرائي ووظيفي وتقني. فعالم القول المغلق هو نمذجة للغة خطيرة هي لغة إدارة كلية الوجود أي لغة التواصل الوظيفي الموجه التي تفرض التوحيد القسري بين الإنسان والوظيفة وذلك بمعاكسة التاريخ وبممارسة العنف على القوى والملكات الإنسانية المقاومة للدمج والتوجيه الإجرائي الوظيفي.

إن عالم القول المغلق هو انعكاس للعالم التقني الذي يعبر عما ينمو ويتكاثر وعما يمكن صنعه. في هذا الإطار فإن اللغة باتت أداة من الدرجة الثانية للتنبؤ بعمليات البرمجة والتحكم بالأدوات الإجرائية الضرورية وأصبحت أفضل أدوات الرقابة ليس فقط كجهاز انتشار لتكنلجة الحياة فحسب بل أيضا كشكل الإتصالات المنقولة ونمط الإعلام المقدم والآراء التي تبدعها الدعاية التي تفرضها.  ولقد لا تكون هذه اللغة الآمرة الفوقية تفكيرا فلسفيا حول مصير الإنسان بل نوعا من السفسطة الجديدة تشرح أبعاد الكائن البشري من خلال شبكة من الصور والعلاقات والروابط والإندفاعات داخل نسق من الإجراءات والوظائف الدقيقة. من الواضح إذن أن هذا المجتمع يحمل في ذاته وفي بنيته الداخلية بذور النزاع والعنف وأن الإرهاب يكمن وراء عملية تكنلجة الوجود بكاملها. لكن ما المقصود بتكنلجة الحياة الإنسانية؟ أليست التقنية وسيلة ضرورية لصنع حياة مريحة؟
 

إن التقنية لم يعد لها نظام خاص ولم يعد ينظر إليها كأداة بل اجتاحت الحياة الاجتماعية برمتها،فمن الآن وصاعدا لم تعد البنى الاجتماعية هي التي تستعمل التقنيات لصالحها بل المجموعات التقنية هي التي أصبحت تشكل المؤسسات البشرية على صورتها وتسخرها لخدمتها بل تحددها وتنظمها.وآيتنا في ذلك أن العالم التكنولوجي لم يعد عالم القيمة والإنسان بل أضحى عالم عقلانية منطقية ورياضية حسابية إجرائية,في جوهره عالم القوة والعنف وفي سطحه عالم اللذة والاستهلاك والمردودية.
 

ان المجتمع بأسره قد تحول إلى مختبر وان التقنية تسبب الإرهاب التكنوقراطي وتفرض ذاتها على البشر كأنها طبيعة فوقية ضاغطة رغم أن البعض يعدها أمرا جيدا يوجه المجتمع نحو الصلاح ويغير حياة الناس نحو الأسهل.لكن أليست التقنية هي التنين الجديد الذي يسبب عدة شرور للإنسانية عندما تضع نفسها على ذمة أنانية البشر وتخدمها أكثر مما تستخدمها؟ ألا يحتوي الواقع التكنولوجي على عدة تناقضات حادة تتصف بسمة قمعية ومتفجرة في آن واحد وبقدرة على التضييع وتهدئة الناس وتخديرهم معا؟ فما المقصود بالإرهاب التكنولوجي؟
 

إن المغامرة التكنوقراطية هي أفيون الشعوب الناهضة،فهي صنم جديد مخادع يجتذب كل حياة لصالحه والإنسان يقف مذهولا لا يعود يعرف من هو وما هو وجوده الخاص لكونه عاجز عن تحديد مضمون الحياة وإسناد معنى لها.إنها مجرد شكل فارغ ملئ بالإمكانيات المفرغة من الحياة الحقيقية. إن الإنسان قد تحول إلى كل ما يتلقاه من الخارج إذ تجتاحه مجموعة من الصور الساحقة التي تتدفق من أجهزة وسائل الإعلام،هذا الإنسان يتكيف مع ما يجده من حتمية ولكن يخترقه تناقض لاواعي بين تفاؤله التكنولوجي الساذج بشأن سعادة دنيوية موعودة وتشاؤمه السياسي أو الثوري نتيجة تعاسة واقعية وبؤس يومي يعاني منه ويتحول شيئا فشيئا إلى موضوع تتحكم فيه التقنيات وهي تبدو له مفيدة ليحقق تكيفه مع العالم ولكنها تفرض عليه وصاية القوى المسيطرة التي تحكم عليه بأداء دور محدد فقط طبقا لوظيفة معينة.في هذه الظروف التي يخضع فيها الفرد للإرهاب وتتعرض فيه الحميمية للانتهاك فان الوضع المرسوم هو وضع متفجر يجد فيه المرء نفسه مضطرا من حيث لا يدري لأن يكون شيئا آخر غير ذاته.
 

ب/ الإرهاب السياسي :
 

" كانت الثورة الفرنسية كغيرها من الثورات العظيمة,في شكلها الإرهابي المتطرف على الأقل,مجرد انفجار للرغبة في الحصول على حرية ايجابية للحكم الذاتي الجماعي من قبل فئة كبيرة من الفرنسيين الذين شعروا بتحررهم كشعب,وان كانت النتيجة بالنسبة الى كثيرين منهم تقييدا صارما لحريات الفرد."[7]
 

قلما تتمتع وقائع بمثل ما يتمتع به الإرهاب الآن من التصاق محزن بالأحداث الحاصلة في هذا الزمان,فالنزاعات طويلة الأمد لم يتم فضها( الصراع العربي الصهيوني مثلا) والرقابة الخانقة أصبحت مضروبة على العقول والأفواه وحروب العصابات مستمرة ردا على غطرسة الأنظمة الشمولية والأوضاع متفجرة في عدة أصقاع من المعمورة والمآسي والكوارث التي يتعرض لها الإنس المستخلف في الأرض لا تحصى ولا تعد وفوق ذلك التهديدات التي تشكلها الأسلحة الذكية غير التقليدية على أمن الدول واستقرار الشعوب تفوق كل التصورات,الأمر الذي يؤذن بانهيار التوازن الهش القائم على الرعب وامكانية اندلاع الحروب الأهلية في كل مكان وملة, كل هذه الوقائع تتفق الى حد بعيد مع الصورة التي تتكون عفويا في ذهن الناس عن الإرهاب عندما كان معظمهم يعرضون عن هذه المشاهد الفضيعة وقد استبد بهم الخوف والهلع. 
 

ان أعمال الإرهاب آخذة بالإتساع هنا وهناك,فالوسائل التي تستخدم لقسر بعض الأفراد أو الجماعات على مستوى وجودهم أو حقوقهم تحت ستار المستلزمات التقنية أو الإجتماعية وتحت ستار الإقتصاد والربح والقانون أو حتى الأعراف والعادات والتقاليد في تصاعد مستمر،علاوة على ذلك إن المجازر والمذابح في تزايد وهي لا تكاد تحظى باهتمام أحد وآلاف الرجال يقفون دوما تحت السلاح على أهبة للقتال،ومنذ نشوب الحروب لم تتمكن البشرية من إحصاء خسائرها من الأرواح،ومنذ إندلاع موجة الإغتيالات السياسية والإنقلابات العسكرية لم يتم حصر المنتحرين السياسيين والأنظمة المتداعية، وحتى ما يسمونه مدن الأنوار والسلام والحرية فإنها لم تكن بمنآى عن تفجر الدم والعنف بل كانت لقمة سائغة في قبضة القوة المدمرة."إن الطابع الجديد للإرهاب يتمثل في قدرته الكثيفة على الظلم الخبيث والمغفل بحيث يقهر الكائن البشري في أعمق أعماقه تحت ستار ضرورات تقنية أو اجتماعية تبسط أمامه وكأنها محتمة بل ونافعة".
 

من جهة أخرى ثمة أشكالا للإرهاب أكثر غموضا تجد لها في النفوس البشرية تجانسا خفيا تتمثل في هذا الشغف بالقوة والمخاطرة والرغبة في الانتصار وحب السيطرة وإرادة الطغيان وهذا التعشق بالزعيم الرمز الذي يكون منطلق لعنف سريع الاندلاع,لذلك يمكن القول أنه ثمة طابع آخر للإرهاب خاص بالمجتمعات المتقدمة،إنه التناقض بين ظهور الإنسان العقلاني وردود الأفعال العنيفة التي تتفجر غضبا ودمارا, اذ كلما سعى العقل عبر التوقع والبرمجة والرقابة إلى السيطرة على الجماعات البشرية كلما تعددت أشكال الرفض والفوضى ونمت روح العصيان والتمرد والنقمة والغضب وكلما تنامت كل أشكال الرفض اللامعقولة لهذه العقلانية المزيفة وقع إهمال أبعادا عميقة في الكائن البشري والتي جعلت من سيطرة الإنسان على الطبيعة بوابة لسيطرته على الإنسان الآخر.
 

"ان عصر الإرهاب الاستبدادي للدولة العظمى لا يؤذن بوأد السلم العالمي فقط لكنه يهدد سلم الطبيعة كذلك ويكسر أخوتها الأزلية مع الجنس الإنساني ووطنه".من هنا فإن جرثومة الإرهاب تنشأ بين أحضان الدولة التسلطية الشمولية وتعشش في أوكار عصابات النهب والمافيا الاقتصادية وتكبر في كهوف المرابين الدامسة وبذلك هيأت الجو لنشوء العنف المرتقب على مسرح القسوة والعنف المضاد، فكل الطرق تؤدي إلى الإرهاب منها البيئة الداخلية والخارجية والطرف السلطوي المحلي والعالمي هو الذي يتحمل مسؤولية انتشار الإرهاب ومعالمه السياسية بصفة خاصة،فقد شهدت الكثير من الدول العديد من أحداث العنف السياسي الذي شاركت فيه الجيوش والجماهير التي عمدت إلى استخدام القوة والتهديد باستعمالها من أجل الحصول على بعض المكاسب الاقتصادية ومن أجل نشر العقائد المهترئة. 
 

إن الإرهاب قريبا كان أم بعيدا يتخد مظاهرا وأشكالا أخرى أيضا: زرع الجحيم في جبال يشتبه في ايوائها الثوار وهو ما يجعل آلاف من الأطفال يقضون ضحية الإعصار والجوع والمرض،كما تلقي طائرات عملاقة قنابل النابالم على المدن أدرجت ظلما ضمن محور الشر، من جهة أخرى تلجأ بعض الأنظمة الفاشلة إلى الضرب الوحشي للطلاب وقمع مظاهراتهم السلمية واستعمال قنابل الكلور المسيلة للدموع ضد حشود منتفضة من العمال رافضين الاستغلال والبؤس والاضطهاد مع مباركة النخب وتحت أعين الكتاب والمثقفين.
 

عنندئذ يبدو مجتمع النخبة مجتمعا لا يطاق لأنه مجتمع نخبة القمع والاستبداد والتسلط اذ تعمد الأقلية الضيقة إلى استعمال العنف المبرمج والإرهاب العصري للسيطرة على الأغلبية,اذ أن "الحل الوحيد المطروح لكل مشكلات المجتمع هو القمع:قمع الأغلبية للأكثرية كشرط لتكوين دولة حديثة قوية لانتزاعها الكتل والجماعات والقبائل والعشائر والقرى التي يتكون منها المجتمع العربي،وقمع الدولة الاقتصادي كشرط لإقامة اقتصاد حديث استهلاكي طفيلي قادر على إشباع حاجات الفئة المتغربة والمحتكرة لكل وسائل الحياة،وقمع ثقافي كشرط لتكوين ثقافة محلية لا تنفذ إليها التيارات والطفرات والثورات التي تهز الثقافة العالمية ووسيلة لعزل الجماعة ككل عن تاريخها وعما يجري في بقية أنحاء العالم".[8] لكن ما الذي يمهد لذلك؟ ماهي المرتكزات التي تستند إليها سلطة قمعية كهذه في تهميش الأكثرية لصالح الأقلية؟
 

إن الإرهاب متعدد وهو مخالف للرفق واللين ولكنه يجمع عدة مشتقات يتميز بها,فالعنف والعدوان والظلم والقتل والعبودية والإهانة والنفي والملاحقة والتعذيب حالات له.والإرهاب هنا يتنوع فقد نجد هنا إرهاب مؤسسة ضد جماعة أو جماعات أو فرد بعينه لأسباب سياسية معينة أو غيرها،أو إرهاب جماعة ضد أخرى أو دولة ضد أخرى أو مجموعة دول أو أمة ضد أخرى أو فرد ضد فرد آخر. وفي جميع هذه الحالات يكون الإرهاب مركزا على اذلال أو تركيع أو تحطيم طرف من قبل طرف آخر.اذ الإرهاب يكون هنا مقرونا بالملكية وبنزعة السيطرة والإحتفاظ بالسلطة ما دامت هي قائمة على العنف الموجه من خلال تمركز الملكية والدفاع عنها.
 

الإرهاب هو تجلي للقوة العمياء وللعنف التدميري الذي يشكل أحد أكبر المفاهيم المتداولة ويرتبط بالتناقض والصراع ويؤدي دور المحرك الأساسي للوجود الجيوسياسي للدول. ويرتبط الإرهاب في السياسة بالعنف ويقصد بالعنف السياسي الاستخدام الفعلي للقوة أو التهديد باستخدامها لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية لها دلالات وأبعاد اقتصادية بشكل يأخذ الأسلوب الفردي أو الجماعي ،السري أو العلني، المنظم أو غير المنظم والذي يؤدي إلى بروز الاستبداد.فماهي علاقة الإرهاب بالطغيان السياسي؟
 

"لا يمكن القول إن الإرهاب قد ولد قبل أربع سنوات فقط مع هجمة أصولية إسلامية مستحدثة على رموز الحضارة الأٌقوى في نيويورك وواشنطن. ذلك أن الإرهاب قديم قدم الطغيان المتجذر في تاريخ الإنسان, انه الوجه الآخر للطغيان, النابع منه أصلا ولكن قد يتحول بعضه ضد جبروته, ففي البدء كان الطغيان هو التعبير عن فيض القوة التي تفلت من رقابة صاحبها وأمست سيدة على إرادته. لكن في الوقت عينه قد ينقسم إرهاب الطغيان على نفسه ويبرز أمامه قسمه الآخر على شكل عنف, ليس هو من فيض قوة مفرطة, بل من شبه انعدام لنوع تلك القوة المحتكرة لجبروت الطغيان وحدها.انه عنف المستضعفين الذي لم يكن ليوجد ويظهر على شكل التمرد والثورة والعصيان إلا بسبب انفلات الطغيان واستفحال ممارساته المنكرة,وردا مستحيلا على فظاعته ولا يصير ردا ممكنا إلا بجعل موت (الإرهابي) سببا لموت جلاده في الوقت عينه. فالإرهاب هو صنو الطغيان وان كان يلعب دور عدوه الأخير الذي لن يسهل قهره بذات الأساليب التي يقهر بها أعدائه أو ضحاياه التقليديين من الشعوب والمجتمعات المغلوب على أمرها وهكذا يخرج الإرهاب الطغاة عن عاداتهم المألوفة, يضطرهم إلى إسقاط جميع أقنعة المدنية التي يتخفون وراءها. فإذا بالأنظمة الديمقراطية تتهاوى مظاهرها تباعا لتبرز تحتها أصولها الحقيقية منظمة كلها في مؤسسة واحدة للعنف الخالص.فإذا بدولة القانون تنجلي عن الدولة الأمنية والبوليسية الكامنة في جذورها الأولى."[9]
 

هكذا" فإن تاريخ الإنسان يبدو وكأنه يطابق تاريخ السلطة العنيفة.وفي أقصى حد ليست المؤسسة هي التي تشرع العنف بل هو العنف الذي ينشيء المؤسسة بإعادته توزيع القوة بين الدول والطبقات... وينتهي الأمر بالعنف الى أن يظهر وكأنه محرك التاريخ".[10] لكي نكتشف طابع الإرهاب الملازم لهذه الأشكال من السيطرة التي تمارسها السلطات السائدة لا بد من تحليل المجتمع الوظائفي الخاضع لحكم الفنيين الذي تتحكم به البنية التقنية والتأكد من أن استفحال نتائج الإرهاب يعود إلى السلطات الواسعة التي يمتلكها من يمارسونه.ان السيطرة الواقعية للبلدان القوية التي غالبا ما تجد تبريرا لها في شريعة الأقوى تشكل ارهابا على نطاق عالمي يفوق دون شك أشكال الإرهاب القاسية التي سببتها الحربان العالميتان الضاربتان (1914-1918/1939-1945).
 

من ناحية أخرى فإن أنواع كثيرة وضخمة من السيطرة تمارس بين الدول التي تؤلف قوى تجارية ومالية وأخرى ضعيفة ومتخلفة أو على الأقل سائرة في طريق التقدم والنمو ونتيجة لذلك أصبحت الأوضاع الدولية غير مستقرة وتنطوي على استعباد حقيقي بل إن هذا الوضع الدولي المزري والصارخ بالإرهاب الذي هو نظام الرق هو أبعد من أن يكون قد زال في أيامنا هذه بل انتقلنا من عبودية قديمة إلى عبودية جديدة أشد فتكا لأن قوتها التأديبية والانضباطية مزورة ومنمقة ولكنها أقل تسامح وإنصاف. إن تلك الرقابة الدولية المنبعثة في كل مكان تبلغ من الإرهاب الذروة بحيث تحكم الضمائر وتتدخل في الحياة الخاصة وتبرر النظام القائم وتسحق الفكر اللاّنمطي وتسيطر على حرية الشخص في الاختيار فيختار لا ما يريد بل ما أرادت له لعبة القوى الضاغطة أن يرغب فيه ويختاره. من هنا فإن المحققين العاملين في الاستخبارات وشركات التأمين يعرفون أحيانا عن تفاصيل الحياة الخاصة للملايين أكثر مما يعرفونه هم عن أنفسهم,فالعين الإلكترونية ذات فائدة أكيدة في البنوك والمغازات ولكنها تستخدم بصورة غير لائقة عندما تشدد الرقابة على الناس وتدرج كعنصر أساسي في أي تحقيق تفتيشي تكملها مجموع الأجهزة الخاصة بالإصغاء إلى المكالمات الهاتفية وتسجيلات أحاديث الناس بجميع أنواعها. إن البلدان الفقيرة التي استعمرتها البلدان الغنية بل نهبتها واستغلتها والتي تخنقها كماشة الاقتصاد الدولي والتقسيم العالمي للعمل وتضغط عليها آليات التجارة العالمية والشروط المجحفة للصندوق الدولي والبنك الدولي والتي تغير علتها من خلال تبادل لا متكافئ وتغيير غير عادل في سوق البورصات العالمية محكوما عليها إما بالموت جوعا أو الانقراض الحضاري والتفكك السياسي وإما بالرد حسب الطريقة الوحيدة المفتوحة أمامها أي بالمقاومة المسلحة والعنيفة ضد سياسة القوة عبر إستراتجية الحرب العادلة طويلة المدى ومن خلال استعمال ذكي للتقنية. 
 

ويتجلى هذا الفيروس الإرهابي في تسلط الأنظمة الإمبراطورية كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا على الدول الفقيرة والتدخل في شؤونها الداخلية باسم حقوق الإنسان تارة وباسم نقل الحضارة والتمدن والحرية طورا بينما حقيقة الأمور هي الفوز بمصالح مادية وتحقيق منافع اقتصادية.
 

هذا الوضع المتفجر ينشأ من جراء بنية علائقية غير متكافئة بين الشمال والجنوب والمركز والمحيط قامت على الأعراف والقوانين الدولية التي ترعاها الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحكمة الدولية وان هذه البنية الحقوقية مكنت من استيلاء حفنة من الدول على العالم بابتداع شبكة واسعة من السلطات تكرس من خلالها هيمنتها وتفوقها الحضاري على الآخرين،وقد تحولت هذه الشبكة الى أنظمة سياسية ظالمة ومستبدة وعنيفة ترفض التخلي عن عقيدتها الإمبريالية ولا تعترف بحق تواجد الأنظمة السياسية المختلفة والمغايرة لها.ان هذه الأنظمة السياسية تحاول في أكثر الأحيان البقاء في سدة الحكم وموقع الزعامة العالمية ولكي تبقى بنية فوقية سياسية للمعمورة تلجئ إلى حلول إرهابية سواء بتصفية الخصوم أو بالتخطيط للانقلابات العسكرية أو الانحراف نحو الحرب والاستعمار العسكري المباشر للدول كما حصل في العراق وأفغانستان والصومال. كما تؤجج شعارات مثل تحرير المرأة والفصل بين الدين والدولة واحترام حق الإثنيات والخصوصيات القومية والثقافية في المحافظة على بقاء مشاعر التوتر والنزاع وتوظف عادة هذه القضايا رغم شرعيتها للتدخل في شؤون الدول وانتهاك سيادتها الدولية الوطنية وتساهم بدرجة كبيرة في تفكيكها وتجزئتها إلى دويلات صغيرة لا قيمة سياسية لها على الصعيد الاستراتيجي.
 

اللافت للنظر أن الديمقراطية نفسها تحولت إلى شكل من أشكال الاستبداد وما اصطلح على تسميته بالإستبداد الديمقراطي أو المستبد العادل هو خير مثال على ذلك ويتجسد عندما تتحول اللعبة الديمقراطية إلى مجرد واجهة يتقاسم من خلالها الفاعلون الاجتماعيون وأصحاب النفوذ والجاه والمصالح والمناصب ويوهمون الشعب بالعدالة والمساواة والحرية وحقوق الإنسان ودولة القانون والمؤسسات ولكن كل هذا يظل مجرد شعارات جوفاء وحبر على ورق لأن واقع الممارسة يبين ذلك وما تكاثر السجون والجرائم إلا دليل على هذا النفاق والظلم.
 

ج/ الارهاب الاقتصادي :
 

" إن المجتمع الصناعي المعاصر يميل بحكم طريقة تنظيمية لقاعدته التكنولوجية إلى النزعة الكلية الاستبدادية. والنزعة الكلية الاستبدادية ليست مجرد تنميط سياسي إرهابي بل هي أيضا تنميط اقتصادي-تقني غير إرهابي يؤدي دوره عن طريق تحكمه بالحاجات باسم مصلحة عامة زائفة. ولا يمكن في مثل هذه الشروط قيام معارضة فعالة للنظام. فالنزعة الكلية الاستبدادية ليست مجرد شكل حكومي أو حزبي نوعي وإنما تنبثق بالأحرى عن نظام نوعي للإنتاج والتوزيع متوافق تمام التوافق مع تعدد الأحزاب والصحف ومع انفصال السلطات."[11]
 

ما تكشفه لنا العولمة الاقتصادية الظالمة أن كل مجتمع بات يمارس الإكراه والفرد لا يعود يعتبر نفسه ذاتنا واحدة إلا ضمن الكل كما أن مصادر السلطة انتقلت من حيز الكلام إلى حيز الاقتصاد، إذ أن الرجال الذين يديرون دواليب المجتمع الصناعي ويسيرون الشؤون الاقتصادية على الصعيد العالمي هم الذين يمسكون بزمام السلطة الفعلية ويملكون القدرة على التحرك بحرية تامة في المعمورة بأسرها. ففيما يتمثل الإرهاب الاقتصادي؟
 

يعرف المجتمع الصناعي نفسه بأنه مظهر اجتماعي للتطور الاقتصادي تكون فيه مصادر الحكم والسلطة لمن يملك وسائل الإنتاج بفرض الرقابة والتوجيه العقلانيين. إن استعباد الإنسان واستغلاله على الصعيد المادي لا يحتاج إلى التفسير فمنذ نظام الرق وظهور العبودية إلى نظام الأجرة في الرأسمالية المتوحشة وقع التعامل مع الإنسان كقوة من قوى الإنتاج أو بأسلوب أكثر سخافة عرض في السوق كسلعة تباع وتشترى تماما مثل أي بضاعة أخرى. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وطلب من العامل أن يبذل كل ما أوتي من جهد وطاقة لكي يحقق المزيد من الإنتاج والربح ولكن النتيجة كانت مخيبة للآمال" كلما ازداد العامل إنتاجا قل ما يتاح له الاستهلاك وكلما ازدادت القيمة التي ينتجها أصبح هو أقل قيمة.وكلما ازداد إنتاجه تجويدا أصبح هو أقل تهذيبا وأكثر تشويها وكلما ازداد المنتج حضارة ازدادت همجية العامل وكلما ازدادت قوة العمل أصبح العامل أكثر ضعفا وكلما أظهر العمل ذكاء انحدر العامل في الذكاء وأصبح عبدا للطبيعة".[12]
 

إن الإرهاب الاقتصادي يؤدي إلى اغتراب ثلاثي الأبعاد في طبيعة العمل ذاته وفي العامل وفي الثقافة الإنسانية جمعاء لأن أداء العمل يظهر في نفس الوقت كنفي للعامل وتشييء له ويظهر التشييء كضياع وعبودية للشيء ويظهر تخصص العامل كاغتراب بعبارة أخرى׃"يظهر أداء العمل نفيا للعامل إلى حد التضور جوعا ويظهر التشييئ ضياعا للشيئ الى حد حرمان العامل من أكثر الأشياء ضرورة ليس فقط للحياة بل أيضا للعمل ويصبح العمل في حد ذاته شيئا لا يمكن الحصول عليه إلا بأعظم الجهود...ويظهر تخصيص الأشياء كتغريب إلى حد أنه كلما ازدادت الأشياء التي ينتجها العامل قل ما يستطيع أن يمتلكه من الأشياء وكان وقوعه تحت سيطرة إنتاجه أكبر...إن العامل مرتبط بمنتج عمله وكأنه مرتبط بشيئ غريب عنه لأنه...كلما استهلك العامل نفسه في العمل ازداد عالم الأشياء التي ينتجها قوة في مواجهته هو نفسه وازداد فقرا في حياته الداخلية وقل انتماؤه إلى نفسه فلا تعود حياته تنتمي إلى نفسه بل إلى الشيئ وبذلك كلما عظم نشاطه قل ما يمتلك. إن ما يتجسد من عمله في المنتج لا يعود ملكه بعد ذلك وبذلك كلما كان هذا الإنتاج أعظم قل هو،ان اغتراب العامل لا يعني فقط أن عمله أصبح شيئا يكتسب وجودا خارجيا ولكنه يعني أنه موجود بشكل مستقل خارج عنه وغريب بالنسبة إليه وأنه يقف معارضا له كقوة مستقلة بذاتها...وبالتأكيد ينتج العمل الروائع للأغنياء لكنه ينتج الحرمان للعمال.انه ينتج القصور ولكنه ينتج الأكواخ للعمال.ينتج الجمال ولكنه ينتج البشاعة والتشويه للعمال.يستبدل بالعمل الآلة ولكنه يرمي ببعض العمال إلى نوع همجي من العمل ويحول الآخرين الى آلات.ينتج الذكاء ولكنه أيضا ينتج الغباء والدمامة للعمال..."[13] 
 

إن الغني عن البيان هنا هو أن الإرهاب ناتج عن سلطة الجماعات المسيطرة على رؤوس الأموال وهو في النهاية إكراها قمعيا ناجما عن القوانين الاقتصادية الجائرة يبرر بمبدأ الندرة وعدم التوازن بين العرض والطلب وبحدوث أزمات تضخم أو انكماش ويفسر ببعض الاعتقادات الفيزيوقراطية والليبرالية المضللة مثل فرضية اليد الخفية التي تعمل بطريقة غيبية على استقرار الأسعار والأجور ولكن في حقيقة الأمر إن الاقتصاد السياسي علم مشؤوم لأنه ينشأ من ضرورة الصراع من أجل البقاء فهو يعنى بالإنسان الساعي إلى انتزاع ما هو ضروري لبقائه ويستهدف ترويض الطبيعة وإخضاعها لحاجياته وهو كذلك يكشف عن بؤس الأوضاع وخطورة الإرهاب السياسي والرياء الديبلوماسي التي يعاني منها العالم اليوم في شؤونهم الخاصة. ينتج عن هذا الإرهاب الاقتصادي وعيا زائفا يستبد بالإنسان يتمظهر في الاستلاب والاغتراب المرتبط بانسحاق الفرد داخل الجماعة وبتكون فكر ذو بعد واحد عند إنسان ذي بعد واحد,يقول ماركوز في هذا الشأن:"إن الثقافة الصناعية المتقدمة أكثر ايديولوجية من الثقافة التي سبقتها لأن الإيديولوجيا تحتل مكانها اليوم في صيرورة الإنتاج بالذات...فالجهاز الإنتاجي والسلع والخدمات التي ينتجها تبيع أو تفرض النظام الاجتماعي من حيث أنه مجموع.إن وسائل النقل والاتصال الجماهيري وتسهيلات السكن والطعام والملبس والإنتاج المتعاظم لصناعة أوقات الفراغ والإعلام,إن هذا كله تترتب عليه مواقف وعادات مفروضة وردود فعل فكرية وانفعالية معينة تربط المستهلكين بالمنتجين ربطا مستحبا بهذا القدر أو ذاك ومن ثم تربطهم بالمجموع.إن المنتجات تكيف الناس مذهبيا وتشرطهم,وتصطنع وعيا زائفا عديم الإحساس بما فيه فيه من زيف."[14] إن العولمة في جانبها الاقتصادي وخصوصا حرية التجارة هي إرهابا تمارسه الدول الكبرى على الدول النامية ووبال على الشرائح محدودة الدخل واعتداء صارخ على سيادة الأوطان على أراضيها,وقد رأى جلال أمين أن حرية التجارة لها نقائص وأخطار مهمة وتضر بالفقراء ضررا شنيعا فيما يتعلق بإشباع الحاجات الضرورية كالغذاء والمسكن والصحة والعليم المتوازن.
 

وقد حدد ثلاثة نقائص للعولمة:
 

- حرية التجارة عندما تسند لكل دولة دور في الصناعة العالمية في إطار تقسيم العمل الدولي فأنها تكرس التخصص القائم بالفعل ولكنها قد تعطل أو تمنع الانتقال الى مستوى أعلى من التخصص.
 

- تحرير رؤوس الأموال يتعلق بالاقتصاد ويعظم المنافع المادية بينما الحياة الإنسانية هي أرحب من ذلك بكثير والرفاهة الإنسانية قد تتعالى على الحاجيات الجسدية.
 

- عدم التزام الدول الكبرى بتطبيق مبادئ العولمة وشعارات حرية التجارة العالمية إذا كان ذلك يتعارض مع مصالحها ويضر باقتصادياتها ويعرض أسواقها لخطر منافسة البضائع الأجنبية الأكثر جودة والأقل ثمنا.
 

"الإنسان ليس مجرد مستهلك حقير بل هو أيضا كائن اجتماعي,عضو في أسرة,ويشعر بالانتماء إلى أمة,وهو لا يحتاج فقط إلى سلع وخدمات مما يباع ويشترى,بل يحتاج أيضا إلى هواء نقي وغذاء غير ملوث,كما يحتاج إلى أن تكون له وظيفة أو عمل يحقق من ورائه ليس فقط دخلا ملائما,بل وأيضا ثقة بالنفس وشعورا بأن المجتمع في حاجة إليه. ومن ثم فالبطالة شيء فظيع حتى ولو أدت إلى ارتفاع كبير في معدل النمو."[15]

 

2 - - خلفيات الإرهاب و جذوره:
 

" منذ صار الإنساني هو المتن المرجعي الوحيد وحلت الإنسانية الماثلة لذاتها في المحل الشاغر لله الميت بات الإنساني سيدا مطلقا من دون شراكة غير أنه بات يفتقد الغاية النهائية. وإذ خلت له الساحة من كل عدو راح يولده من لدنه ويفرز كل ضروب الانتشار اللاإنساني."[16]
 

لا تدل كثرة الحديث عن الإرهاب من أدنى أشكاله إلى أقصاها على أن الأمر يتعلق بظاهرة صحية في السلوك الإنساني طرأت بعد أن لم تكن على خلاف ذلك ان الأمر ليس حادثا عابرا ومؤسفا من حوادث التاريخ وحسب بل هو يندرج في وضع مألوف من التوترات والمجابهات التي دأبت الشعوب على ممارستها والوقوع بين براثنها تحت تأثير أسباب وخلفيات شتى. فالعلاقات الإنسانية تقوم عادة على أرضية من الصراع والتناقضات وعلائق القوى والإرهاب يكمن فيها كتهديد دائم وهو ينفجر أحيانا كالبركان تحت ضغط نار داخلية لا يخمد لهيبها على الإطلاق.
 

إننا نسعى هنا إلى إدراك أصول الظاهرة وجذورها العميقة ونبتغي تسليط الضوء على الأسباب والدواعي التي جعلت هذا العصر يوصف بالإرهاب .
 

يمكن توزيع أسباب الإرهاب على النحو التالي:
 

- الاستبداد في المجال السياسي.
- الاستعمار في مجال العلاقات الدولية.
- الاستغلال في المجال الاقتصادي.
- الاغتراب في المجال الاجتماعي.
- التماثل في المجال الثقافي.
 

أ / التماثل في الهوهو:
 

"هنا كان مشكل الشر قد اختزل اختزالا شديدا في الشعور بالذنب من الداخل. إني أكثر انتباها الآن بشيئين. بادئ ذو بدء العنف- طابع الألم المحدث للآخرين. إذ يسعى الشعور بالذنب بالأحرى إلى تقريض نفسه بنفسه بتوبيخ الضمير. عندئذ تتضخم إمبراطورية العنف. العنف في العالم ليس فقط فيزيائي- القتل, الإجرام- ثمة أيضا عنف في اللغة وفي الطريقة التي يكتب بها التاريخ. ثمة أيضا ذاك الجانب الجبار الذي كنت قد لمحت إليه بمعنى تمجيد الذات Autoglorification.الطابع التكميلي هو عنف المعاناة." [17]
 

تلعب البيئة الفكرية دورا حاسما في تفريخ الإرهاب والتحريض على العنف غير المشروع خاصة إذا كان المنطق السائد اقصائي دغمائي والعقل المستخدم أداتي وبالتالي تضيق الآفاق ويتعثر الفهم ويتحول إلى سوء تفاهم كبير يضيق على التأويل ويضرب سياج دغمائي على رحابة التفسير عندما يتم تحويل التراث إلى ميراث والدين إلى كهانة والعقل إلى نص ومن المعلوم أن الميراث الذي يقدم لجماهير الأمة بوصفه تراثا هو الذي يسمح بممارسة كل الإجراءات القمعية المشرعة وكأنها تكتسب مصداقيتها من الماضي ومن التراث الذي لا يجوز الطعن فيه عند هذه الجماهير نفسها أي انه من خلال ذات الجماهير وفي مخزونها النفسي ووعيها التراثي يجري القمع أو تتم ممارسة الإرهاب،هكذا يختزل التراث ويتجلى الميراث دعامة للسلطة القامعة أو العنيفة ويصبح كل شيء معقولا .
 

"إنها الامة-الميراث، إنها جماهير الأمس التي تكرر تنفيذ برنامج الأمس وغده الذي صار أمسا كذلك وخرج إلى فضاء الهامش من كل تاريخ ، وهنا نرى كيف أن كل الجماهير تبدد الأمة والأمة تقمع الجماعة والبرنامج يشل المشروع والميراث فوق الأكتاف ينهك الهامات ويدلها ويركعها ويحولها جثة تحت سنابك الفاتحين الجدد وهم الدين يستحضرون تراثا ولا يحملون ميراثا على أكتافهم".[18]
 

هكذا يظهر الحلال والحرام في مجتمع قمعي كصفتين تجدهما السلطة أمرين مناسبين لها فالحرام ما تراه معاديا لها والحلال هو ما يحافظ على مصالحها ويضمن استمراريتها وفي جو مثل هذا مشحون بالتعصب والإقصاء والتخوين تنعدم كل محاولة للخلق والإبداع ولا يولد أي فكر جديد لأنه يصير"الفكر الحرام في المجتمع الحرام في دماغه وخلايا جسده ورؤية عينيه لا يعرف كيف يتعامل مع ذاته باعتباره حلال نفسه،باعتباره مباحا لدماغه ويديه وأقلامه وأوراقه".[19] 
 

كيف أثر القمع والاضطهاد على حالة الفكر في حضارة اقرأ زمن العولمة ؟

 

1/- فكرنا ليس فكرا منسقا متجانسا موحدا بل هو فكر متنوع الاتجاهات متعدد المشارب ومختلف المناهج يتميز بضبابية الرؤية وانسداد الآفاق, أهدافه منقسمة ومصالحه مضروبة وأجوبته قطعية وأسئلته معلقة وهو يعكس حالة الفوضى والتشرذم والانبتات التي يعاني منها.

 

2/- لم يستطع الفكر عندنا إلى حد الآن أن ينتج نظرية فلسفية أصيلة ومتكاملة أي نظاما مفاهيميا مبتكرا يتمتع بقدر من التماسك والاستقرار الدلالي ويمكن استخدامه في تحليل الواقع والإجابة على تطلعات الأمة وانتظارات الجماهير وتحديات المرحلة.

 

3/ - فشل فكرنا فشلا ذريعا في تحقيق هدفه وهو النهضة ولم يقم بإصلاح العقل ولا بتطهير اللغة بل ظل منفعلا تائها بين التقليد للغرب واستنساخ التراث وبين التراث والحداثة في زمن دخلنا فيه مابعد الحداثة والعولمة. " انه خطاب من أجل النهضة ومع ذلك فانه قد فشل في أن يقدم للنهضة المنشودة النظرية التي يمكن أن نهتدي بها لوضعها موضع التحقيق".[20]

 

4/ - يشتغل على نصوص مقدسة وينطلق من فرضيات قبلية يعتقد أنها لا تناقش ويهمل الواقع المعاش, فليس هناك علاقة مباشرة بين الفكر السياسي والمعطيات المباشرة للواقع الأمر الذي أدى إلى قصور هذا الفكر عن تحليل الواقع وتعثره في تقديم الحلول المناسبة لمواجهة المشكلات الضاغطة مما أبقاه يعيد إنتاج نفسه في حلقة مفرغة فهو لا يزال يكرر الاهتمام بنفس القضايا ويجتر نفس الأدبيات ويحوم رغم بعض التغييرات الشكلية الطبقية حول نفس الحلول القديمة وبالتالي فهو لا يشير إلى واقع متحقق بل ينشد واقعا مثاليا مأمولا مما يحوله الى خطاب حول ممكنات ولا يمكن إدراجه ضمن علم المستقبليات.

 

5/ - سيادة النزعة التوفيقية التلفيقية الغائمة والتي أدت إلى أن تحول الفكر إلى بيئة صراعية تناحرية بما أنه بذل مجهودات كبيرة للتوفيق بين المتناقضات( الشرق/الغرب)عناصر أصيلة من جهة وأخرى وافدة ودخيلة من جهة أخرى دون بيئة حقيقية ودون تأصيل فعلي.

 

6/ السقوط في الاستهلاك والعرض للفكر الغربي والاكتفاء بترجمة النظريات الأجنبية من لغتها الأصلية إلى لغة الضاد وتحول المفكرين إلى وكلاء تجاريين للنزعات الفكرية الأجنبية(الوضعية, الماركسية, الوجودية, الشخصانية) .
7/ احتواء السلطة السياسية للعلماء والمثقفين ومحاولة النخب الحاكمة استخدامهم وتوظيفهم لمصلحتها لإحكام سيطرتها على المجتمع والمحافظة على ما هو سائد بشراء الضمائر وإرهاب العزائم.

 

8/ أصولية وسلفية بنية الفكر وانتشار الدغمائية الفكرية بتكرار مقولات التماثل والهوية والتطابق من أجل التوحيد وتحقيق الإجماع والوقوع في الكليانية والشمولية .

 

إن الإرهاب الحقيقي هو ذلك الذي يكمن في نموذج المعرفة الذي نعتمده في فهمنا لمقام الإنسان في العالم ولطبيعة العلاقات الأصلية بين الناس. أن خطر انفجار الإرهاب لا يكمن فقط في تنامي القدرات التكنولوجية بل وأيضا في أهداف ومصالح سياسات الحقيقة التي تسلكها مختلف البلدان وتكرسها وتبلورها منظومتها التعليمية. فنموذج المعرفة الذي تفرضه سياسة السيطرة هو المحافظة على الثبات وتحقيق الديمومة والتوازن بإبراز الذات وإقصاء الآخر لكونه يجسد الشر المطلق ويرمز إلى الشيطان الأكبر.ألم يقل مونتاني في غابر الأزمان: "إن المعرفة هي التي لا تفتأ تميت فلاحا بل وشعوبا بأسرها تماما مثلما تميت فيلسوفا".[21]
 

إن اختيار نماذج المعرفة ليس بريئا فهو يحدد مفهومنا للعمل والسياسة, فالنظرة التي تقوم على منطق الهوية أي على الثنائيات المتنافرة تؤدي إلى إقصاء البعد الأخلاقي من الصراعات الإنسانية وتتحدث عن العدو الثقافي وكأنه عدوا طبيعيا إن لم نقل عدو الله نفسه ويؤدي ذلك إلى التنظير إلى الحرب وجعلها وسيلة للقضاء على الآخر وتطهير الأرض من دنسه، كما أن التناقض الحاد بين النحن والهم لا يمكن حسمه إلا بالإبادة للجماعة والتطهير العرقي والذي يجد سند له ودعم من الثقافة السائدة. زد على ذلك أن الخطاب نفسه هو موضوع الرغبة وليس فقط ما يظهر أو يخفي سلطة معينة بل هو ما نصارع من أجله فهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها وليس فقط ما يترجم الصراعات وأنظمة السيطرة .ان التاريخ ما فتئ يعلمنا أن واقعنا القديم والحديث وحتى المعاصر هو في جوهره صراع من أجل امتلاك الخطاب قصد إضفاء صفة الشرعية على هذا الحاكم أو ذاك وممارساته. 
 

"إذا كان تاريخ الشعوب التي لديها تاريخ هو تاريخ الصراع القبلي فان تاريخ الشعوب التي ليس لديها تاريخ والتي تتحدد في إطار إشكالية الداخل والخارج هو على الأقل تاريخ الصراع ضد الدولة "، وبعبارة أدق هو تاريخ الصراع ضد احتكار الفئات المهيمنة لسلطان الكلمات. فإذا كان لا وجود لمجتمع دون سلطة سياسية تنظمه حتى وان كان في بعض الأحيان في شكل أنظمة قرابة وأشكال حكم تقليدية فان هذه السلطة السياسية قد لا تكون بالضرورة سلطة قسرية وعنيفة بل سلمية ومتسامحة تقوم على الكلام والولاء والطاعة وليس على السيف والقهر والعنف.فحيازة السلطة يقترن بالحيازة للحكام والزعيم السياسي هو سيد الكلام ولا يحوز على أي نفوذ أو على أي سلطة لإعطاء الأوامر وكل ما يملكه هو قدرته على الإقناع والإبهار, لكن الأهم من كل ذلك كيف تحولت البيئة السياسية المتعفنة الى أهم وكر فرخت فيه جرثومة الإرهاب ؟
 

ما يجدر ملاحظته أن العلاقة الاجتماعية في الخطاب السياسي السلطوي بين المخاطب والمخاطب وبين الراعي والرعية وبين السلطة والشعب وبين القائد والقطيع تأخذ شكلا لغويا نحويا بلاغيا أي صيغة الأمر المطلق الذي لا راد لحكمه فإما الطاعة الفورية أو الموت الفوري, فالطاعة هي الهدف والخضوع فضيلة كما هو غاية لأنه خطاب يمضي في اتجاه واحد ولا يقبل التبادل ويتميز بالغموض، فعلاقة الحاكم بالمحكومين تشبه إلى حد كبير علاقة الراعي بغنمه إذ يتحول الحاكم السياسي إلى راع للبشر والرعوية تنفي الحاجة إلى دستور سياسي وقوانين وأجهزة ومؤسسات، فالراعي مفوض بناء على نص مقدس بقيادة القطيع إلى بر الأمان أي المرعى حيث العشب وفي مقابل ذلك يطلب من القطيع الطاعة والتسليم: انفخ فيجتمعوا والويل لمن يتجاهل فالعصا طويلة تطال الجميع.إن واقع الإرهاب في ظاهره شيء متداول ومعروف ولكن في باطنه يتضمن على أشكال مجهرية من المنع تلحق به وتكشف باكرا عن ارتباطه باللغة وبالرغبة وبالسلطة. فالخطاب هو السلاح والمعرفة قوة ونفوذ وسيطرة وهي إما مجال للاحتكار وإما فضاء للتواصل والتبادل.إن القوة الجميلة هي التي توازن بين الضعف والعنف وان الشخص الذي يمتلك الخطاب يمتلك السلطة كذلك وهذا ما يفعله السياسي عندما يلجأ إلى الفصاحة والبيان والبلاغة لممارسة الهيمنة وتجييش الجماهير وكسب التأييد. أليست " البلاغة مرآة تعكس رغبة ايديولوجية ما في السلطة تخلق خطابا أنويا وذا مرجع ذاتي ولا يفرض هذا الخطاب عن طريق النقاش المفتوح وإنما عن طريق تقنيات الخوف والترهيب والتضليل"؟
 

ب/: الإستبداد/ الاستعمار:
 

"المستعمر(بالكسرة) شر مطلق. إن ظهور المستعمر (بالكسرة) كان معناه لدى المستعمر (بالفتحة) موت المجتمع الأصلي وفناء الثقافة القديمة وتجمد الحياة في الأفراد في آن معا..."[22]
 

ان السياسة لسان حال المجتمع ولكنها أحد تجليات صراعاته الطبقية ومن هنا يكون الإرهاب موسوم بختم المؤسسة السياسية الاستبدادية التي تشرعه لضمان وجودها.على هذا النحو يتميز الخطاب السياسي السلطوي الذي يفرخ الإرهاب بالضحالة والإبهام والغموض فهو غير مباشر وغير صريح والسر من وراء ذلك أن الغموض هو من أقوى أسلحة السلطة أما الوضوح فانه يخلق التبادل بين المخاطب والمخاطب وهو ما لا تريده السلطة. هناك صفتان تطبعان هذا الخطاب التسلطي هما التعميم (فهو خطاب فضفاض) والابتعاد عن الواقع (لأنه شكلاني أجوف وفارغ من أي محتوى حقيقي) . فالعلاقة بين المخاطب والمخاطب في السياسة التسلطية هي علاقة أمر ونهي والجواب المقبول الوحيد هو الامتثال الطوعي والقبول الصامت، وكل خطاب سلطوي يميل إلى خلق هذه الصيغة اللغوية ذات الطبيعة الأمرية القطيعة فهو خطاب لا يهدف إلى إقناعنا بل إخضاعنا وإذا لم نخضع فنحن عصاة متمردون. وهكذا فان السلطة السياسية القمعية مؤسسة على السكوت لا على الحوار وتنحدر من الأعلى إلى الأسفل ولا تسمح بأي حركة احتجاجية في الاتجاه المعاكس . 
 

يتصف الخطاب السلطوي بكونه خطابا نهائيا وشاملا ويكشف عن طبيعة ذات المرجع الذاتي ويتميز بالتعقد والصعوبة حيث لا تمتلك حدود تأويله سوى صفوة قليلة (الراعي وبطانته) حتى تفرضه على الأكثرية من القطيع والحشود من الدهماء وتجبرهم على القبول به والامتثال لأوامره ونواهيه. إن فساد المؤسسة السلطوية يتجسد في أن البرجوازية الوطنية الضعيفة والمهلهلة اقتصاديا والتابعة للدول المستعمرة تفتق ذهنها عن اختراع كبير وهو نظام الحزب الواحد وكان ذلك من مزالق السفور القومي والذي انتهى بسقوط حضاري وإفلاس حقيقي للبرجوازية الوطنية ولجيشها القومي في العالم الثالث في مرحلة ما بعد الاستعمار.إن نظام الحزب الواحد هو الوريث الشرعي لتعفن السلطات الاستعمارية وهو يعكس تأزم واقعنا العربي ومزالقنا القومية لأنه الشكل الحديث للديكتاتورية البرجوازية التي لا تتقنع ولا تتزين ولا يزعها وازع ولا يروعها حياء. ومازلنا إلى الآن نعيش غياب التعددية السياسية ونشهد سيطرة الحزب الواحد ومهما قيل عن تواجد الأحزاب الأخرى فان حضورها لم يتعدى البعد النخبوي وتلعب وظيفة تجميلية أكثر منها ثورية ." وتنحصر مهمة الحزب في أمرين الأول يمثل حاجزا للحيلولة بين الشعب والقيادة ويمنع أي ديمقراطية مباشرة،الثاني ينقل التعليمات والأوامر من القيادة إلى الشعب وليس العكس".
 

على هذا النحو يتحول الحزب الى هيكل عظمي لا يفيد إلا في تجميد الشعب والى وسيلة تسلق طبقي ونجاح لبعض المنافقين والمرتزقة وعندها يكلف الحزبيون بمراقبة الجماهير ليكونوا سند رجال المخابرات وأجهزة الأمن والشرطة وتتحول الدائرة السياسية للحزب أو لجنته المركزية إلى خلية متابعة لمراقبة الشعب لا لكي تتأكد من مشاركتها في إدارة شؤونه العامة بل لتذكره بأنها تنتظر منها التأييد والامتثال والإجماع الوطني, وهنا يتصرف عادة قادة الحزب تصرف جنود برتبة عالية ويصبح الزعيم رائد العزة القومية مجرد رئيس عام لشركة من المنتفعين ممن أصبحت لديهم الحزبية أقصر الطرق لتحقيق غايات أنانية ضيقة.
 

ان تجربة الحزب الذي يمتلك الحقيقة كلها والتي لا ينطق بها إلا زعيمه الأوحد في المناسبات الخاصة والأعياد والذي يدعم بنايتها على قاعدة الجيش والولاء لدوائر المخابرات الأجنبية والسفارات الغربية قد مهدت إلى مجيء العسكر إلى الحكم وجعلت الوضع على حافة الانهيار وعلى أهبة الانفجار لقد قادت في النهاية إلى الاحتكار لمصادر المال والثروة والسلطة من قبل فئة قليلة على حساب الأغلبية الساحقة وقد أدى ذلك إلى اندلاع أعمال العنف والإرهاب وإلغاء المكاسب الديمقراطية وتعطيل الدساتير وانتهاك قدسية القوانين والأدهى والأمر أن نموذج الحزب الواحد وقع تعميمه على الكل وأصبح مثالا يحتذى به بالنسبة للأنظمة الشمولية الناشئة.كل ذلك أدى إلى تهميش الأغلبية الساحقة من الجماهير واحتجازها في حزام من الفقر والجوع العريض وانتهى إلى زحزحة تامة للطبقة الوسطى من مواقفها وبروز تفاوت صارخ بين طرفين الأول أقلية حاكمة متغربة وتابعة ومندمجة أكثر في سوق الاستهلاك ومراهنة على كل شيء حتى بيع الوطن وذلك بجعله مزبلة للنفايات الغربية وكذلك الاستعانة بالجيوش الأجنبية لحماية مصالحها ولرعاية امتيازات الامبريالية في المنطقة .
 

الطرف الثاني هو بقاء أكثرية مطلقة مهمشة ومقموعة ومفروض عليها ستار حديدي تعيش داخله على حال من الهلع والقلق والبؤس ولكنها مهيأة للعنف بشتى صوره من الجريمة الى النهب مرورا بالغش والتحيل . ويمكن أن نسمي هذه الأغلبية بالبروليتاريا الرثة أو الدهماء لأنها تشمل مجموع العاطلين عن العمل أو الذين يعملون بأجور زهيدة لا تكفي لسد رمق العيش بل انه لا يحق لهم حتى الانضواء كأعضاء في نقابات خصوصا وأنهم فئة هلامية لا انتماء محدد لها وهي تتصرف بلا أوامر من أية قيادات وبالتالي فهي وقود الإرهاب المقبل.إن السلوك العنيف المدمر يعبر عن حقيقة المرحلة بدقة فهناك السلطة السياسية التي تحتكر لنفسها الخطاب وحق تفسيره وتعيد إنتاجه وتنظيمه وتحكم مراقبتها على القوى المتصارعة وتحد من سلطاتها ومخاطرها وتفرض سياجا من الصمت حول الرقاب وتزرع نوع من الرقابة الذاتية داخل النفوس وهناك الجماهير الشعبية التي ملت الشعارات الجوفاء والانتظار ويئست من القعود والتي تتلمس طريقها لكي تناضل من أجل إسماع صوتها المبحوح ركضا وراء رغيف الخبز ومن أجل استعادة الأرض والعرض والكرامة المستباحة على يد أعداء الأمة وحواريهم. ويأتي الوضع المحتقن من أن الدولة القطرية تعيش أزمة خانقة تنذرها في بعض الأحيان بالمزيد من التفتت والاختفاء من الخريطة السياسية القائمة وذلك لأنها لا تجسم في سلطتها وممارستها الحالية المصالح المشروعة للتكوينات الاجتماعية الرئيسية في أقطارها،علاوة على أن الفجوة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي في ازدياد وحتى ما يسمى بالمعارضة فإنها تستعلى بالأجنبي ومستعدة للتفويت في الوطن من أجل الوصول للحكم،كما أنها أخفقت في بناء مشروع حضاري بديل يتضمن سبل للتنمية العادلة والمستقلة وفشلت في تحقيق شروط النهضة السياسية الديمقراطية فهي قد بقيت بعيدة عن الأضواء أي معارضة نخبوية عميلة ومرتبطة بالدوائر الأجنبية وعملائها في المنطقة.
 

لعل أقل ما يقال في طغيان ظاهرة الإرهاب وكثرة الخوض فيها في مجتمعنا المعاصر أمران: *الأول يتمثل في أن إبراز الظاهرة هو مجرد أثر ثانوي من آثار الثورة المعلوماتية في مجال الاتصال والإبداع التلفزي والسينمائي ترعرع في المجتمع الأمريكي كأحد الفنون المعبرة عن السلوك الإنساني.
 

* الثاني يكمن في الإرهاب ليس سوى آلية دفاع لكل من يحاول المحافظة على نفسه أمام ظلم هذه العولمة الاختراقية والامبراطوريات الظالمة بتدخل مباشر من لاعبيها الفعليين أو بتوسط عملائها وأذنابها الذين جمعوا إلى طغيان المستعمر الأجنبي طغيان المستبد الداخلي .
 

ما يحصل بين الفئات ذات النمو المتباين في المجتمع المتقدم الواحد هو أشد تعقيدا من الذي يحدث في المجتمع المتخلف لأن هذا الأخير خال من الوعي المصاحب بحكم حجاب الايديولوجيا التي تلهي الناس عن الظلم والقهر وتزين لهم المشهد وتبرر لهم الوضع. إن أصحاب السيادة في البلدان النامية ينفون الوحدة البشرية بحجة الخصوصية فيقابلون بين الأمم لحاجتهم إلى مساندة سادة العالم المتقدم قصد تحويل الأنظار عن جرائمهم وطغيانهم وكونهم أعداء للذات البشرية .
 

هكذا نجد نفس الأمر في المعسكرين: الأضعف يلجأ إلى آلية دفاع بدائية تقابلها آلية دفاع أنجع يستعملها الأقوى. وكلتا الآليتين إرهابية وهي عملة ذات وجهين,مما يجعل العنف ليس حكرا على أحد الطرفين بل هو إرهاب مادي بارد عند الأقوى يفعل في الواقع بتحويل الذوات البشرية إلى موضوعات وآلات مسخرة يقابله عنف مادي حار لا يستطيع أن يكون فاعلا إلا في المخيال بغية المقاومة والصمود والاستماتة. ويصاحب إرهاب القوى البارد إرهاب رمزي حار يفعل في المخيال بإقصاء الذوات الصامدة واتهامها الى حد حصرها في بعدها الحيواني فيقابله عنف رمزي عند الضعيف يفعل في الواقع بتخليص الذوات من الغبن أو التقهقر الذي ردت إليه .
 

هذا يعني أن المعركة لها مجالين: مادي ورمزي كلاهما عنيف بصورة حارة وباردة. كما يلتقي في المعركة خصمان قويان يستعملهما للسيطرة والاستغلال المشروطين بقتل الذات الإنسانية وتحويلها إلى أداة فاقدة لكل غاية ذاتية وضعف يستعملهما للتحرر من السيطرة والاستغلال تحررا لا بد فيه من إحياء الذات الإنسانية وتحويلها إلى غاية في حد ذاتها. فالرغبة في الانتصار هي الهدف من اللجوء إلى العنف على الصعيد السياسي الدولي وإذا كان العنف ضروريا لمواجهة العنف فان العنف المشروع هو وحده الذي يحقق الأهداف النبيلة بينما يؤدي العنف عير المشروع إلى الدمار ولكن من أين لنا بالمرجعية التي تميز بين المشروع وغير المشروع ؟
 

إن العنف في المجال السياسي وسيلة وليس غاية في حد ذاته وهو يرتبط بتأسيس الدول والمحافظة على سلامة الأوطان بحمايتها من أي اعتداء وبعبارة أخرى يحضر العنف عندما يكون القانون غائبا ولكن عندما تسن القوانين فإن دائرة العنف تنحسر. بينما الإرهاب لا يكمن في استعمال القوة فحسب بل يعود أساسا إلى الاستعمال غير المشروع والمفرط والمبالغ فيه لها . وإذا خضنا في أسبابه نجد أن التحالف الذي ظهر مؤخرا بين الصناعة والعلم والاستراتيجيا هو الذي أدى إلى نظام سياسي عالمي جديد يهدد الحياة البشرية على الأرض لأنه يمحق الوجدان ويكتسح الساحة ويسيطر على المسطح ويحدث نكبة كينونية كبرى. انه بقدر ما تنمو الإمكانيات العلمية وتزداد الاختراعات الصناعية وتتطور الأجهزة التقنية بقدر ما ينمو الإرهاب وتتقلص الوسائل المتاحة للحد منه أو التغلب عليه.
 

علاوة على ذلك إذا بحثنا في الجذور العميقة للاجتماع البشري عن لحمة عميقة بين المقدس والدنيوي وبين الدين والسياسة نجد أن الفهم الضيق للمقدس والتوظيف البراغماتي النفعي الانتهازي السلطوي والرجعي للدين يمكن أن يكون أحد الطرق المؤدية إلى ممارسة الإرهاب،اذ في البدء كان الدين هو الذي يوفر التماسك للجماعة البشرية أما في الحاضر فان الايديولوجيا السياسية قد عوضته وورثت وظيفته وهي ايديولوجيا تعبر عن نفسها في خطاب مغلق له صفة الشمولية وتدعي امتلاك الحقيقة المطلقة.آية ذلك أن لا شيء يشبه الفكر الديني الذي يسيطر بقدرته العجيبة على امتلاك الكلام على العباد ويوجههم مثلما يريد إلى ما يرغب فيه.أما السياسي فانه يمتلك القدرة على تحريك جميع الناس ويتحكم فيهم بواسطة استحواذه على الكلمة ويسخر القول وسلطان اللغة وفتنتها،طالما أن " السياسة في سيرورتها الأكثر ايغالا في الزمن هي القدرة على تجديد سلوك الآخرين والتحكم به".[23]
 

إن الخطاب السياسي هو خطاب إيديولوجي بامتياز لأن هدف السياسي هو التحكم بسلوك الطرف الآخر والسيطرة على المخاطب وتوجيهه لتحقيق مجموعة من الأغراض المحددة سلفا وبذلك يتحول إلى معيار للحكم ولا يعود التاريخ سوى سلسلة من الجرائم البشعة التي لا تبررها أخلاق ولامنطق. على هذا النحو يتوقف الغرب الاستعماري عن أن يكون الينبوع الشمسي المقدس للخير ويتحول الخطاب الايديولوجي إلى راية للحرب وإرهاب العسكر خصوصا وان العنف والقمع يسكنان بنيته العميقة. 
 

تتميز البيئة السياسية المفرخة للإرهاب بالمظاهر المزرية التالية:
 

- ثمة أزمة اليوم في حضارة إقرأ زمن العولمة تتمثل في أن القديم يظل يواصل موته وتراجع تأثيراته في حين الجديد لم يتوصل بعد إلى الولادة.
 

- بروز المركزية في السلطة والإدارة فقد أدت مركزية الدولة إلى بروز الأسر الحاكمة كأنها مؤسسات سياسية تملك الدولة.
 

- تؤدي أساليب الانغلاق العام إلى إعاقة التنمية بتخدير الناس ودفعهم الى الاكتفاء باقتسام المنافع الآتية من النفاق الحكومي المتولد من الريع النفطي والريع الحال محله في الدول غير النفطية.
 

- غياب التناوب الديمقراطي للسلطة السياسية في المجتمع وعدم امكانية تداول الحكم سلميا وفقدان المعارضة لأي أمل في الوصول إلى السلطة وقبولها لتوظيف النظام السياسي لها من أجل الحفاظ على بقائه لفقدانها المصداقية لدى الجماهير ولمرضها المستديم وقصورها الحراري الوظيفي.
 

- يعاني المجتمع صراعا في جميع الاتجاهات بين ماهو مطلق وشامل وبين ماهو موضعي محدود وماهو كلي كوني فمن جهة نجد قوة تسعى نحو التوحيد والتوفيق والانسجام في الشكل والمضمون ومن جهة أخرى تعاكسها قوة متأصلة تحاول أن تحافظ على ما هو ذاتي وخاص من هويتها.
 

- عدم قدرة الأنظمة السياسية على مواكبة التحولات الاجتماعية العالمية واستيعاب القوى الاجتماعية والسياسة الجديدة وصعوبة تشريكها وإدماجها في آليات الاقتصاد.ولذلك فان الفجوة بين الأمل والواقع تؤدي إلى الإحباط وزيادة الشحنات العدوانية لدى الأفراد فيصبحون مهيئين للتمرد والعصيان كما أن اختلال العدالة التوزيعية يحول الإحباط إلى سلوك عدواني وان الحرمان النسبي والإحساس بالظلم يولدان غضبا وسخطا ورفضا النظام القائم ولو بالعنف.
 

- كما تميزت البيئة السياسية الدولية بانهيار المعسكر الاشتراكي والايديولوجيا الماركسية في تطبيقاتها السياسية وتشكل نظام عالمي جديد ذا قطب واحد مع تعاظم دور الكيان الصهيوني في المنطقة بعد أن كشرت الامبريالية عن أنيابها عندما حرصت سياساتها على تحجيم القوة العربية مما أدى إلى انهيار العمق الاستراتيجي للشرق وانتهاك حرمة عاصمة الخلافة بغداد، وقد تجلى هذا الانتهاك في الصدام الحضاري المستمر بين الشرق والغرب وقد أدى التفوق الغربي المتصاعد إلى خلق إحساس بالعجز لدى الشباب العربي الأمر الذي نتج عنه تعاظم الشعور بالإحباط واليأس تجاه المستقبل.
 

- توجد علاقة سببية من تلك الانفجاريات العنيفة والعديد من الأوضاع المزرية التي تعيشها المجتمعات الفقيرة والطبقات المعدومة وبالخصوص اندلاع حروب عديدة متتالية ومتناسلة من بعضها البعض مما جعلت السلام والأمان مجرد حلم وحتى ان اعتمدنا على هيئة سياسية لحل النزاعات ورفضنا منطق إقصاء الآخر وأقررنا له بالحق في الاختلاف فان القوانين التي تعتمد عليها هذه الهيئة تعبر في الغالب عن علاقات القوة وستكون وسيلة للسيطرة على المهزومين تجنبا للانتقام منهم طالما أن الحرب هي امتداد للسياسة بطرق أخرى. وما يسمى بالحرب الوقائية المحدودة والنظيفة ليس سوى تكريسا لمنطق ثنائي يجعل من القوة وسيلة لتحقيق مصالح السياسة وليس فقط مسرحا تتجلى على ركحه العظمة تمهيدا لتحقيق الانتصار النهائي.
 

ج/ الاستغلال/ التهميش: 
 

"إن المشروع الصناعي الكبير ينطوي في جوهره على بنية استبدادية"[24]
 

الظروف الاقتصادية المتأزمة وما نتج عنها من تداعيات اجتماعية سلبية قد أوجدت البيئة المناسبة لنمو ردود الأفعال العنيفة وظهور أشكال من العنف التصفوي فالإرهاب هو نتاج الاستغلال الاقتصادي الذي نعيش فيه ويرجع إلى بروز النزعة الفردية وإيثار المصلحة الشخصية واللهث المتواصل وراء تحقيق أقصى الأرباح والتراكم السريع للثروة, وهذا ما يؤدي بالفئات المهمشة إلى اليأس والخوف من المستقبل نتيجة الإحساس بالإحباط لعجز الدولة عن التنمية والتطور وتعثر محاولات التحديث واللحاق بالغرب وتخلصها من عبء التزاماتها الحقوقية تجاه القوى الاجتماعية.
يمكن أن نذكر من مظاهر بؤس البيئة الاقتصادية ما يلي :
 

* يعيش الاقتصاد الوطني أزمة خانقة تتمثل في بروز فجوة غذائية ناتجة عن صعوبة استيراد المنتجات والآلات الزراعية لارتفاع ثمن التكلفة وضعف قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية وتفشي البطالة الهيكلية الناتجة عن ارتفاع معدلات النمو السكاني والتوسع في النظام التعليمي مقابل ضعف المقدرة الاستيعابية للقطاعات الحديثة في التشغيل الناجمة عن خيارات تقنية وذلك نتيجة تعميق تبعية الاقتصاد الوطني للنظام الرأسمالي العالمي بفتح الحدود أمام البضائع الأجنبية وتشجيع الاستثمار غير المحلي ورفع الأداءات الجمركية والضريبية عليها فضلا على اعتماد معظم الأقطار على النفط والخدمات المرتبطة به كمصدر أساسي للدخل وقد أدى ذلك إلى تغلغل الشركات متعددة الجنسيات في بنية الاقتصاد الأهلي وتحطيم أشكال الإنتاج الأصلية وهجرة الأموال والأدمغة إلى الخارج بحثا عن فرص آمنة للاستثمار.
 

* تفاقم مشكلة المديونية الخارجية الأمر الذي أدى إلى إعادة جدولتها والخضوع لبعض الشروط التعسفية المخلة بالسيادة والكرامة وانتشار الأنشطة الطفيلية في الاقتصاد المحلي كالسمسرة وشركات المناولة والتوكيلات التجارية الصرفية الأمر الذي أوجد قطاعا ماليا غير رسمي إلى جانب البنوك الرسمية والمؤسسات المالية الأخرى وما هو خطير هو صعوبة التحكم في نشاطاتها وضبطها وتوجيهها نحو تحقيق التنمية والنمو للاقتصاد الوطني. 
 

* الملكية الخاصة هي أصل الداء وسبب البلاء والسبب الأول لتنامي الإرهاب والكراهية لأنها تقوم على الاحتواء ودمج الآخرين وهم هنا الأكثرية إلى المؤسسة القائمة أو تهميشهم دون رحمة أو شفقة وهذا ما يعمق الفجوة بين الواقع الضاغط وفسحة الأمل ويزيد العدوانية ويولد السخط والغضب لدى الأفراد فيصبحون بالتالي مهيئين للبحث عن بديل. 
 

إذا كانت الصناعة تتضمن بنية استبدادية فهذا يرتبط بمقتضيات الشركة الصناعية ويعود لمنطق الرأسمالية الأناني المتوحش لأن مسؤولية هذه الصناعة الموجهة هي المحافظة على توازن هش بين المصالح المتضاربة للجمهور الذي يستهلك منتوجاتها وجيش العمال الذي تستخدمه والذي لا تدور دواليب الإنتاج إلا بعرقه وكدحه وأرباب العمل من أصحاب رؤوس الأموال الذين بفضلهم تعمل و تنمو لكن ميدان التشريع الاقتصادي وقانون العمل هما في الواقع ميدان صراع شرس حول قائمة المصالح التي يتعين عليهم تحقيق التوازن بينها.إن معظم المشروعات الكبرى تخضع لمنطق الرأسمالية وان السلطة يحتكرها أصحاب رؤوس الأموال والقرارات هي بيد الجمعية العامة للمساهمين،كما أن أرباب العمل لا يلينون عندما يتعلق الأمر بسلطتهم داخل المشروع. إن التحليل الاقتصادي يقع على مفترق طرق بين الطبيعة والتقنية والمجتمع فهو يرى أن الإرهاب يظهر قبل كل شيء تحت مظهر الإكراه والاستغلال والاحتكار ذاك الذي ينجم عن الندرة والملكية الخاصة والقوانين الاقتصادية الجائرة. انه في الغالب يخضع للعبة الجماعات المسيطرة التي تستغل لصالحها قوى الطبيعة والتقنية وهي تختبئ عادة وراء اكراهات اقتصادية توصف بالمحتمة. لقد اعتقد علماء الاقتصاد مرارا أن هذه القوانين الاقتصادية علاقة ضرورية تنبع من طبيعة الأشياء وقدموها على أنها أمر لا مفر منها، فهي تفرض نفسها بكل ما تملك الطبيعة من قوة محتمة وضرورية حتى بدأ الاستغلال وكأنه من صلب هذه القوانين المسماة بالطبيعة وقد فرض على إرادة البشر وعلى كل حال ما كان الكلام ليدور حول الإرهاب بل بالأحرى حول القدر والضرورة. 
 

"إننا لنواجه هنا واحدا من أكثر مظاهر المجتمع الصناعي المتقدم مدعاة للأسف: الطابع العقلاني للاعقلانية.فهذه الحضارة منتجة,ناجعة,قادرة على زيادة الرفاه وتعميمه على إضفاء صفة الحاجة على ماهو زائد عن الحاجة وعلى تحويل الهدم إلى بناء.وبمقدار ما تحول الحضارة القائمة عالم الشيء إلى بعد للجسم والروح الإنسانيين,يصبح مفهوم الاستلاب بالذات إشكاليا.فالناس يتعرفون على أنفسهم في بضائعهم ويجدون جوهر روحهم في سياراتهم وجهازهم التلفزيوني الدقيق الاستقبال, وفي بيتهم الأنيق وأدوات طبخهم الحديثة.ان الآلية التي تربط الفرد بمجتمعه قد تبدلت هي نفسها, والرقابة الاجتماعية تحتل مكانها في قلب الحاجات الجديدة التي ولدتها.إن الأشكال السائدة من الرقابة الاجتماعية هي أشكال تكنولوجية بمعنى جديد ومما لا ريب فيه أن البنية التقنية وفعالية جهاز التدمير والإنتاج قد ساهمتا,في المرحلة الحديثة الراهنة,في إخضاع السكان لتقسيم العمل الحالي.ثم إن بعض الأشكال الظاهرة من الإكراه قد واكبت دوما هذا الاندماج,ومن قبيل ذلك فقدان مورد الرزق وتنظيم العدالة والشرطة والقوات المسلحة وهي ما تزال تواكبه.ولكن الرقابات التقنية غدت اليوم تعبيرا عن ذات العقل الذي أصبح خادما لكل الجماعات ولكل المصالح الاجتماعية,بحيث إن كل تناقض يبدو لاعقلانيا وكل معارضة مستحيلة."[25]
 

لقد بدأ وجه الإرهاب الحقيقي يلوح في الأفق مع إدراك ظواهر الاستغلال الطبقي والتهميش والسيطرة التي تمارسها الجماعات صاحبة الامتيازات, فهو يكمن في التعسف وفي الظلم الموصوف وفي الاستغلال الصارخ، لقد تحول الإنسان إلى بضاعة تباع أعضاءه بالمزاد العلني مثل أي سلعة. إن الإرهاب ناجم عن تجاوز المظاهر الخاصة للاستهلاك الحد الأقصى وبعبارة أخرى فان الملكية الخاصة اللاّمحدودة هي أصل اندلاع فيروس الإرهاب." لا تظهر الملكية الخاصة مطلقا على مسرح التاريخ وكأنها نتيجة للسرقة والعنف بل العكس هو الصحيح "[26] أي أن السرقة والإرهاب هي من نتائج إطلاق العنان لقلة من السكان حتى يسيطروا على معظم موارد ووسائل الإنتاج . 
 

لقد اعتبر علماء الاقتصاد الليبرالي قانون العرض والطلب آلية محتومة تحدد العنصر البشري والعمل والأجر وفسروا الظواهر الاقتصادية بالاعتماد على فرضية اليد الخفية كأنها عناية إلهية ائتمنت على ضمان توازن الولادات مع الوفيات وفرص العمل مع عدد الأيادي العاملة وعلى تصحيح مستوى الأجور بالمقارنة مع معدل الأنفاق خاصة وأن هناك تفاوت بين نمو السكان ونمو وسائل العيش.هكذا " ان إنسانا يولد في عالم غير شاغر لا يجد له في وليمة الطبيعة الكبرى مكانا خاصا به فتأمره الطبيعة بالرحيل وإلا تلجأ إلى أن تضع تهديدها موضع التنفيذ". لكن ألا ينبغي أن نعرج على التعريف الأمريكي للإرهاب عسى أن نجد فيه شيء من التوضيحات أو من المغالطات؟
في هذا السياق تعرف الحكومة الأمريكية النشاط الإرهابي كما يلي:" إن مصطلح النشاط الإرهابي يعني أي نشاط غير قانوني يقع تحت طائلة القانون ساري المفعول في المكان الذي يرتكب فيه.وذلك إذ تضمن الآتي:

 

1- اختطاف أو تخريب أية وسيلة للمواصلات(منها الطائرات,أو المركبات,أو السيارات) ...

 

2- احتجاج أو اعتقال أو التهديد بقتل أو بإصابة أو الاستمرار في احتجاز فرد آخر من أجل إرغام طرف ثالث (بما في ذلك الهيئات الحكومية) على القيام بفعل معين أو على الامتناع عن القيام بفعل معين ووضع ذلك كشرط واضح أو ضمني للإفراج عن هذا الفرد المحتجز أو المعتقل.

 

3- الاعتداء العنيف على شخص متمتع بحماية دولية أو على حرية هذا الشخص.

 

4- الاغتيال.

 

5-أ- استعمال أية مواد بيولوجية أو كيميائية أو أي سلاح أو آلة نووية.

 

5-ب- استعمال المفرقعات أو الأسلحة النارية(إلا للكسب المالي الشخصي البحت) بالنية المباشرة أو غير المباشرة في تعريض سلامة فرد واحد أو عدة أفراد للخطر أو بنية تعريض الممتلكات لتلف بالغ.

 

6- التهديد أو المحاولة أو التآمر للقيام بأي من المذكور أعلاه."[27]

 

يمكن نقد هذا التعريف الأمريكي الذي ورد في نشرة New United States Code Congréssional and Administrative والمنشور في عام 1984عن دار West Bibliching من عدة جهات:
 

- الحكومة الأمريكية اهتمت على المستوى القانوني يتعريف النشاط الإرهابي وليس الإرهاب.
- مفهوم النشاط الإرهابي حسب التصور الأمريكي يعتريه الارتباك ولم يخرج عن إطار النسبية بحيث لو ارتكب في الولايات المتحدة لأصبح غير قانوني في إطار قوانين الولايات المتحدة أو دولة أخرى.
 

- التعريف الأمريكي هو تعريف فضفاض غير صارم لكونه يطبق على أنواع الجرائم والاغتيالات بما في ذلك استعمال السلاح النووي.
- إذا اعتمدنا هذا التحديد القانوني الأمريكي كباراديغم لن يتسنى لنا التفريق بين الجريمة غير الإرهابية والجريمة الإرهابية وبين الإرهاب القومي والإرهاب الدولي وبين الفعل العسكري الحربي والفعل السياسي المدني وبين فعل الحرب وفعل الإرهاب.
 

- وقوع التعريف في تناقض فهو من جهة يستثني السرقة تحت إكراه السلاح والسطو على البنوك أو الانضمام إلى العصابات من الإرهاب ومن جهة أخرى كان قد رأى إرهابا كل عمل يعرض الممتلكات العمومية أو التابعة للأفراد لضرر بالغ, فهل هذا يعني أنه يعتبر السرقة وسيلة للكسب المالي الشخصي البحت.
 

- يعاني النص القانون من ثغرة فادحة حول الوضعية القانونية للقائمين بالأعمال الإرهابية خاصة الأسرى منهم هل هم أسرى حرب يحكمون وفق المواثيق الدولية حول الحروب أم أسرى مدنيين وجناة ينبغي مقاضاتهم وفق قوانين الدول التي سببوا لها ضررا بالغا؟
 

يترتب عن ذلك أن الولايات المتحدة التي تنتشر في أرضها الجريمة المنظمة بشكل كبير وتمول بعض الحركات الانفصالية وألقت أسلحة محرمة دولية وخاصة القنبلة النووية في هوريشيما وناغاساكي وشاركت في تدبير عدة انقلابات على أنظمة حكم وتدخلت بشكل سافر في سيادة وشؤون العديد من الشعوب والدول فانه يمكن أن نصنفها حسب تعريفها هي للإرهاب ضمن محور الشر لكونها تمارس إرهاب الدولة العظمى مع إلزامية التمييز بين الشعب الأمريكي البريء من كل التهم والنظام السياسي الأمريكي ومن لف لفه وهو نظام مدان إلى الحد الأقصى للكلمة.
 

إذا كانت هذه هي التداعيات والأسباب التي أحاطت بظاهرة الإرهاب فهل يمكن للبشرية أن تحلم بعالم لا إرهاب فيه؟


3- سبل معالجة الإرهاب [28] ׃
 

كيف يمكن أن نواجه الإرهاب مواجهة ديمقراطية؟ ما العمل إن كان الإرهاب نفسه بضاعة ديمقراطية وكانت الديمقراطية أحد الأسباب المؤدية إلى زرع الإرهاب في العالم؟
 

ن الفكر البشري قد اهتدى في هذا العصر بشكل متأخر إلى المنهج الذي يتيح له تقصي أصول هذه الظاهرة وان الضمير الجماعي وفق أخيرا إلى فرص تجعله يتحسس هذه المشكلة ويبحث لها عن حلول ولذلك لا بد من تسليط الضوء على ميكروفيزياء الإرهاب بالالتزام بمزيد من الواقعية في تكون القيم الإنسانية والإسهام في توجيه أهل الفكر إلى اتخاذ موقف حازم منها مع الاعتراف بصعوبة السيطرة عليها بصورة كاملة وبتعثر كل المحاولات التي سعت لإزالتها جذريا .
 

لكن الخروج من حالة الحرب المروعة والوضع المتفجر وايقاف ضربات الإرهاب الموجعة ضرورة تقتضيها الطبيعة البشرية ذاتها،فالعقل يفرض علينا أخلاقيا أن ننشد السلم والأمن والتعايش لكونها شروط لتحقيق التطور الكامل للاستعدادات الإنسانية أو هي وسائل لإعادة التوازن المفقود بين الروح والجسد وبين الفكر والمادة وبين الأخلاق والسياسة وذلك بإخضاع التاريخ البشري للطبيعة الإنسية وتفادي وضعهم بشكل معكوس.
 

إن تجاوز الإرهاب مرتبط إلى حد كبير بإيجاد تدابير كفيلة بأن تجتثه من جذوره كالحد من مظاهر التسلط والكف عن التوسع الاستعماري والعزوف عن التبشير بعولمة ظالمة واختراقية وإنهاء مهزلة بلدان مركز وبلدان محيط واحترام الخصوصيات القومية والثقافات المغايرة وتفتيت المركزية الإثنية وتطبيق سياسة دولية عادلة وتحقيق تطور متكافئ بين الدول والشعوب والثقافات وإنصاف جميع الأديان والإيمان بتضامن الأفراد وحسن تعايشهم ضمن منظور ايكولوجي ايتيقي. 
 

قد يكون العنف المتمثل في الحرب ضروريا للدفاع عن النفس والمحافظة على الأوطان ولتقدم حركة التاريخ بل لمقاومة العنف غير المشروع ذاته لأن الحق دون القوة ضائع. لكن أمام هذه الضرورة التاريخية للعنف يبدو أن على الفيلسوف أن يتعالى على الإرهاب ويدين العنف مهما كان شكله بأن يحتمي بصدقية الفكر الحر وعدالة الفكرة الشاملة لأنه عندما نقول نعم للفلسفة نرتضي بحياة العقل ونرفض العنف، فالفلسفة ضد العنف واختيارها للخطاب هو اختيار لللاّعنف ومناهضة للإرهاب،كما أن إرادة التفلسف تبدأ بالاعتراف بالحقيقة والحوار وتتسامى فوق مستوى الواقع وتقيم في عالم القيم الخالصة .
 

بيد أن الإنسان هو هذا الكائن المحير الذي تتعايش فيه أنبل التطلعات وأحسن الشهوات وتتجاذبه غريزتي الحياة والموت،فهذا المزيج من الرفعة والدناءة هو الذي يكون أساس الوجود وينبوع الحياة وعلى هذه القاعدة ينبغي عليه أن يحب الحياة والإبداع ويتحتم على فكره أن يرتفع عن اهتماماته الخاصة ويعمل على مواجهة الإرهاب بكل الوسائل والشروع في بناء عالم أكثر تفهم وأخوة وتآنس.إذ لا توجد معرفة بشرية يمكن أن تؤدي إلى تبرير الإرهاب بأي شكل لأن التعارض بين المعرفة والإرهاب هو تعارض مطلق بحيث إذا حضر طرف فإنه يلغي على الفور حضور الطرف الآخر.فأمام العنف لا يملك الفيلسوف من حيلة سوى الخطاب. فليست غاية المعرفة السلطان ولا توجد علاقة ضرورية بينها وبين غريزة الموت. إن الإرهاب الذي تعاني منه البشرية على طول تاريخها ليس إلا ناجما عن محدودية معرفتها بالوسائل التي تمكنها من التغلب عليه. لكن التحرر من الإرهاب يقتضي إدراك الحدود التي تفصل بين المعرفة والمصلحة وإيجاد علاقة ضرورية بين التعليم والتربية وتأسيس مشروع فلسفي يمكننا من عقلنة الواقع ولكن كذلك من إدراك حدود هذه العقلنة.  لقد الحوار في إطار ايتيقا النقاش الديمقراطية الاندماجية والفعل التواصلي في الفضاء العمومي هو ضروري لتجاوز العنف لأن عدم القدرة على الحوار وعدم جعل العلاقة التعادلية المنفتحة هي منطلق المعرفة والعمل والاعتماد على منطق ثنائي إقصائي من شأنه أن يجعل من المنافس أو المعارض عدوا مطلقا.الحوار شرط إمكان قيام سلم دائم بالنسبة للدول والشعوب وقد يمنع القيام الحرب والدمار وذلك لخضوع الخيار العسكري إلى الخيار العقلاني وحكمة المنطق. 
 

ينبغي أن تقوم الإستراتيجيا العسكرية على اختيارات عقلانية وعلى مراقبة عقلانية للاستعمال العنيف باستقلال تام عن الأهواء وعن التقييمات المختلفة. ولكن وراء هذه الإستراتيجيا يكمن نموذج للمعرفة يقوم على البحث عن الثبات والثبات قيمة أخلاقية تعني المحافظة على التعايش والدفاع عن السلم.والسلم ليس له معنى استراتيجي فحسب بل له معنى أخلاقي كذلك,فهو لا ينفصل عن تحقيق العدل الذي يعني وجود توازن في القوى والحد من الاستعمال اللاّمشروع لها. إذا كان السلم في حد ذاته قيمة أولية بالقياس إلى العدل فان العدل يقتضي إضافة الحاجة إلى الحوار إلى توازن القوى ليتحول إلى إنصاف بربط السياسة بالتربية وإدراك حدود استعمال القوة. ان تعثر الحوار واعتماد منطق الإقصاء وعدم جعل العلاقة منطلق المعرفة والعمل من شأنها أن تجعل من السلم ممارسة للحرب ولكن بوسائل أخرى، فالسلم ليس استسلاما ولكنه ليس توقفا للأنشطة الحربية بل يمكن أن يكون إعدادا لها بطريقة أشمل. فالحرب التي تريد أن تقضي على العدو قضاءا مبرما والتي تجعل من العدو خصما مطلقا لا يمكن أن تؤدي إلى السلم. 
 

هكذا يتضح أن الإرهاب هو نتاج لظروف البيئة الداخلية والخارجية وهو أكبر الأمراض التي تعاني منها الحياة السياسية الدولية ويمكن تفادي ظهوره على مسرح الأحداث والتخلص منه ومعالجته معالجة حازمة بالقيام بالاستراتيجيات التالية : 
 

* العزوف عن استخدام العنف المضاد المتمثل في عنف الدولة لمواجهة أحداث العنف السياسي لأن هذا الأسلوب أثبت فشله وزاد من تغذية الكراهية بين الدولة والشعب وعمق الهوة بين القمة والقاعدة وأخر مشاريع التنمية والتطوير لذلك ينصح باعتماد أسلوب الحوار والمجادلة والإدماج والتشريك الفعلي في اتخاذ القرار والشورى الشعبية عن طريق الاستفتاء النزيه.
 

* الأخذ بأسلوب التعددية السياسية والفكرية والالتزام بالتداول السلمي للسلطة واعتماد نظام الانتخاب وليس التعيين أو التوريث أوالوصية كقاعدة للمشاركة في تسيير شؤون المجتمع مع احترام قيم الجدارة والكفاءة في تحمل المسؤوليات وذلك بأن تحاول الأنظمة تقوية شرعيتها من خلال عمل وحدوي ونبذ النزاعات الانفصالية والقطرية والطائفية والمذهبية التي تؤدي إلى التناحر.
 

* تفكيك بعض الأفكار السياسية الشائعة والتخلي عنها نهائيا مثل :
 

- التمركز على الذات وحب الهيمنة .
 

- عدم الاعتراف بحق الاختلاف في الرأي وتصوير الآخر على أنه رمز للشر وتصوير الذات كتجسيد للخير .
 

- اعتبار الإنسان قاصر وفاقد الأهلية السياسية يحتاج الى أوصياء لممارسة شؤونه الدنيوية. 
 

- نقد فكرة المستبد العادل و الكف عن اعتبارها أحسن الأفكار التي بلغها العقل السياسي العربي لحل مشاكله بينما هي في الواقع فكرة يستخدمها الحاكم لتبرير ممارساتهم القمعية .
 

* الفصل بين السلطة السياسية والمؤسسة السياسية وتطوير وظائف المؤسسات السياسية الأخرى غير الحزبية ومنحها مزيدا من الاستقلالية وتقوية أجهزة المراقبة والمحاسبة لطريقة سير هذه المؤسسات بالاعتماد على منظومة من الايتقيات المهنية المحدثة وتقوية سلطة الإعلام والصحافة.
 

* ضرورة التخلي عن السلفية الفكرية والأصولية الأيديولوجية ونبد البراغماتية والواقعية المقيتة ويتوبيات الجنات الموعودة لكونها عقيدة تغذي الصراع والتقاتل بالتقليل من أهمية المؤثرات الخارجية في الحياة السياسية الداخلية والتركيز على الدور المركزي الذي تلعبه المؤثرات الداخلية والتشجع على صناعة القرار من خلال إرادة وطنية.
* تركيز بديل حضاري يستمد مشروعيته من قدرته على تجسيد مصالح الجماهير الشعبية لا بالقول والادعاء بل بالفعل والعزيمة والعمل الصالح الذي تضعه هذه الجماهير بيدها كرد فعل طبيعي على التحديات التي تواجهها وتمس وجودها القومي وكيانها الثقافي.إن صوت الناس هو الذي ينبغي أن يعلو وبكل قوة وان صوت السلطة يجب أن يركن إلى السكوت ويخرس لأنه قاد الجميع إلى الهلاك.
 

* إحداث تلاؤم بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية بالانتقال من مراتبية اجتماعية مبنية على خبرات متوارثة إلى القدرة على النجاح والمبادرة بإدخال ما أمكن من العقلانية في تنظيم المشاريع وفي العلاقات القائمة بينها وبين أجهزة الدولة ثم في كل شبكة الخدمات الوظيفية للمجتمع الصناعي. 
 

* إعادة صياغة النظرية السياسية انطلاقا من مفاهيم مستمدة من العالم التكنولوجي والبيولوجي مرتبطة بالنموذج الديناميكي للدولة – الخدمة والذي يرتكز على النظام المفتوح ذاتي التنظيم والدفع الذاتي والذي يؤمن بمبادلة السلطات تحت ستار الديمقراطية ويعمل على تحقيق الصحة والتعليم والغذاء للسكان.
 

* ضرورة أن يعرف الإنسان كيف يبني عنفا ناجعا ضد القوى المسيطرة في النظام يكون مشحونا بالمعنى وخاليا من كل قسوة تجاه الضحايا والأبرياء لأن النظام يعلق أهمية رئيسية على الحيلولة دون قيام أي تساؤل حول قيمته الخاصة ومعناه الحقيقي ويسعى إلى إبطال مفعول كل اتهام يوجه ضده ويهدف من وراء تبني بعض أساليب اللاّعنف إلى إغلاق كل منفذ والى حجر الناس داخل عنفه الرمزي الخفي .
 

* ضرورة أن تتظافر إرادة سياسية ورقابة اقتصادية وتنظيمات اجتماعية ودولية لكي تستخدم في التصدي للقوى التقنية وسلطاتها ولذلك يجب مواجهة أنظمة الاستعباد القائمة بوسائل مدروسة تتخذ شكل مشروع جماعي والعمل على تدمير مجتمع القمع الذي نعيش فيه بوسائل غير هدامة وغير عنيفة كفيلة بإنشاء مجتمع لا قمعي وذلك بتحرير الرغبة وبإقرار مبدأ اللذة كدليل للضمير وتعريف العقل مجددا بعبارة الحب وببناء عقلانية جديدة للإشباع يلتقي فيها العقل بالسعادة .
 

* تفادي نظم التربية التي تساعد الإنسان على تكييف مظاهر العدوانية ، إن للتربية دورا حاسما في حل هذه النزاعات,فالأسرة هي أول من يفرض الكثير من التضحيات وأول من يمارس باستمرار سلطة ضبط للنزاعات العدوانية والاندفاعات الجارفة.
* ان كان وضع الجماعة لا يسهل ظهور مواقف مبنية على التفهم العفوي بل على خلاف ذلك مواقف عدوانية تخضع لقيادة مطلقة فإنه لحل هذه النزعة الجماعية نحو العدوانية لا بد من استبدال الصراع من أجل النفوذ وإرادة الهيمنة بقواعد سلمية لفرض الذات مثل الرهان واللعب والمنافسة.انه يمكن وضع هذه العدوانية الجماعية في خدمة الحياة عوض وضعها في خدمة الموت ويتم ذلك من خلال ضبط هذه القوى المتميزة تحويلا وتصعيدا وذلك بتوجيه قسم منها ضد العالم الخارجي دون الوقوع في السادية (التلذذ بتعذيب الآخر) والقسم الآخر ضد نفسه مع تجنب المازوشية (التلذذ بتعذيب الذات).

 

* إن ما يجب الانصراف إليه هو تغيير النظام الثقافي تغييرا جذريا وتفكيك الثقافة الآثمة التي تحاصرنا بإفساح المجال أمام الطبقة الناشئة لتعبر عن القيم التي تحملها,كما ينبغي أن تفسح الثقافة الرسمية المجال للثقافة الشعبية في نظامها الهيكلي.وينبغي أن يكون النقد الأساسي موجها ضد الثقافة السائدة وأن يدور بالأساس حول المجتمع الاستهلاكي والثقافة الاستعراضية التي تعيد إنتاج الوضع السائد, وذلك بتحديد الأهداف الإنسانية للفعل البشري.
 

* إذا كان الوضع الإنساني يبدو قائما في جوهره على النزاع في جميع أبعاده فينبغي أن لا نترك المجال لهذا النزاع إلى أن يتحول إلى عنف إرهابي بل نعمل على إيجاد وسائط ناجعة تحول دون تدهور النزاع وتقتصر على مواجهة واعية وحرة يمارسها الخصوم في حوار ينتهي إلى تسوية وتراضى جميع الأطراف, وأن نسعي إلى بناء نقد ايجابي وإرادة إنسانية حقيقية ومشروع سياسي جديد يخدم بدوره الإنسان لأن الإنسان لا يسعه أن ينمو إلا في كنف مجتمع يسعى بدوره وراء تحقيق مشروع شامل. ولذلك فان مهمة السلطة السياسية,لا سيما في أيامنا هذه، تقوم على مساعدة الجماعة للتعبير عن المشروع الشامل الذي تعد به وفي السعي وراء تحقيقه . 
 

* إن اجتثاث الإرهاب يمر عبر التقليل من الضغوط الاجتماعية والسياسية والأطماع الاستعمارية التوسعية والاستيطانية حتى لا تثار حركات التمرد أو الاعتراض, فتاريخ البشر يحدثنا عن تحركات عديدة أشعلها تفاقم البؤس الجسدي والظلم الاجتماعي والتدخل الأجنبي مثل الأوضاع التي تمس الإنسان في كرامته وتعتدي على مقدساته وشرفه والتي هي أكثر انفجارية وخاصة عندما يتعلق الأمر بالأحوال الشخصية." إن المعارك الحديثة والمعاصرة،ضد الاستعمار ومختلف أشكال الامبريالية وضد السيطرة الاقتصادية أو السياسية وضد العنصرية وجميع ضروب التمييز تستمد هي أيضا ديناميتها من المطالبة بكرامة الأفراد والجماعات وان المس من كرامة الإنسان, ما إن يحتل الوعي,حتى يصنف على أنه أحد أكثر أوضاع العنف إيلاما لإحساس الإنسان."[29] من هنا لابد من تمكين الشعوب من حرية تقرير مصيرها وإعطائها الاستقلال واحترام سيادتها الكاملة على أراضيها والكف عن التدخل السافر في شؤونها الداخلية والاعتراف بحق وخصوصية ثقافتها.
 

* ينبغي إعادة تعريف السياسة لتصبح ناتجة عن حصيلة العلاقات القائمة بين من يمارسون السلطة ومن يطيعونها ولتكن السلطة قائمة على الإقناع وليس على الإكراه.هذا لا يعني أن الإقناع وحده يكفي إلا أنه جوهري,فالضغط للأسف ضروري ولكنه قد يؤدي إلى الاستبداد لهذا يمكن أن ننظر إلى المقاومة السلمية الثقافية التي يبديها شعب بأسره على أنها في الغالب سلاح حاسم لإيقاف عجلة العنف الأعمى.لذلك لابد من إعادة بناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على الديمقراطية وتعمل على تحديد السلطات ولا تفرض سيطرة سياسية على المجتمع المدني لأن " السلطة السياسية لا تمارس حيال أشياء لا حياة فيها بل حيال بشر يجب أولا وقبل كل شيء إقناعهم". 
 

* ضرورة التمييز بين النزاع المستحسن والعنف المستهجن وبين العنف النافع والإرهاب المدمر وبين الإرهاب المدان والمقاومة المشروعة,"فالعنف هو ضغط جسدي أو معنوي ذو طابع فردي أو جماعي ينزله الإنسان بالإنسان"[30].أما الإرهاب فهو عمل مدبر ضد الغير وهو نتاج صرف لإيديولوجيا تنشر عبر وسائل الإعلام وسط الشباب همها الوحيد بث الرعب والتخويف وتحرض على القتل.وعمليات الإرهاب هي أنماط العمل العنيف الذي يجد في القمع نفسه فرصة إضافية يبرر بها وجوده.
 

* المطلوب اليوم بالمعنى الدقيق للكلمة التفكير بحرية حتى تنشأ ثقافة فلسفية جديدة تعيد تأصيل العلاقة العتيقة بين النظرية والممارسة وذلك قصد تحرير النظرية من الممارسات المخجلة والمشوهة وتحرير الممارسة من النظريات المسقطة ومعوقات المذهبية حتى لايقع تضليل الممارسة والهيمنة عليها من طرف النظرية وحتى لا يقع تمييع النظرية وجعلها تنقلب على نفسها.
 

خاتمة:
 

" الفيلسوف هو من يحاول تحليل العلاقات بين التقاليد الفلسفية وأجهزة النظام التشريعي السياسي التي ما تزال سائدة وتبدو في طور التحول وذلك من أجل استخلاص النتائج العملية والفعلية لمثل هذه العلاقات. فالفيلسوف هو من يبحث عن نسق جديد للمعايير وهذا من أجل أن يميز بين الفهم والتبرير. فبإمكان المرء أن يصف وأن يفهم وأن يفسر هذه أو تلك من المسببات التي تؤدي إلى الحرب أو إلى الإرهاب دون تبريرها أبدا بل ومع إدانتها ومع محاولة اكتشاف نسق آخر من المسببات..."[31]
 

تريد كل الخطابات المثيرة للشفقة أن تمحو ظاهرة الإرهاب بيد أنه لا أحد بإمكانه أن يحلم بتدمير أية قوة صارت على هذه الدرجة من الهيمنة،فأسباب الإرهاب لم تتناقص بل تفاقمت وانفجارات العنف تولدت على نطاق أوسع.وأمام رؤية هذه القوة العظمى وهي تدمر نفسها بنفسها وتنتحر على نحو رائع يحس بؤساء العالم بابتهاج خارق وسعادة لا توصف.فعندما يكون الوضع محتكرا على هذا النحو من قبل الآلة التكنولوجية والتي يخدمها فكر ذي بعد واحد فان الطريق الوحيد المتاح للآخرين هو التحويل الإرهابي لوضعم الإنساني. 
 

إن إمبراطوريات العولمة هي التي أوجدت الشروط الذاتية والموضوعية لتفجر الإرهاب وهي ما تلبث أن تسقط في مصيدته بشكل ميكروفيزيائي بشكل لم ولن يتسنى لها أن تتخلص من شباكه إلا بالقضاء على أسبابه, فالإرهاب هو إجراء معاكس عنيف ينحط إلى مجرد فعل تعسفي وهلوسة قتالية لعدد من المتشددين وكأنه هذيان مضاد للخوف الجماعي يسعى لطرد الشر الناجم عن تعاظم حساسية الكراهية والحقد إزاء كل نظام كلياني. علاوة على أن المعركة هي إرهاب ضد إرهاب والنتيجة هي معروفة سلفا أي انهيار رمزي لنظام عالمي جديد بأكمله لأن الطاقة التي يغذيها الإرهاب لا يمكن لأي قوة دولية أن تضعفها.لقد أصبحت الحرب على الإرهاب حربا عالمية تقوم في كل مكان وتلازم كل نظام يتميز بالسيطرة والهيمنة وهي ليست صدمة حضارات ولا صراع أديان بل عولمة مندحرة بشكل مستمر في صراعها مع نفسها،وهي لا تستهدف تغيير العالم وتحسين أوضاعه بل تسقط في متاهة تجذير حالته المأساوية بواسطة الاستماتة والتضحية.
 

تهدف إمبراطوريات العولمة إلى تحقيق النظام العالمي بالقوة وينتهي بها الأمر إلى ارتداد القوة بالمستوى ذاته من العنف عليها. فالإرهاب هو التيار الصاعق لهذا الارتداد المنفجر وهو كالفيروس في كل مكان لأنه لاأخلاقي يرد على عولمة لاأخلاقية ولا يستطيع أي أحد أن يفعل أي شيء أمامه فهو قد تمكن من تأمين توازن الرعب واللعب على أرض التحدي الرمزي علاوة على أن انتصار أحدهما لا يؤدي إلى انمحاء الآخر بل على العكس تماما يشعل لهيبه أكثر ويزيد من حماسة ناره.
 

يضع الإرهاب الموت في الرهان بطريقة هجومية فعالة يعد أن حدس هشاشة الخصم الهائلة وضعف نظام وصل إلى حالة شبه الكمال،لقد نجح في أن يجعل من الموت سلاحا مطلقا ضد نظام حياة يعيش على استبعاد الموت.إن النظام العالمي أضحى في مصيدة الدائرة المفرغة من التبادل المستحيل للموت.فالإمبراطورية تقوم على عدد صفر من الموت وعلى فرضية الحرب المحدودة والنظيفة والعادلة بينما الفقراء يتمنون الموت بنفس القدر الذي يتمنى به الأغنياء الحياة وكل وسائل الترهيب لا تستطيع الصمود أمام عدو جعل من موته سلاح هجوم مضاد.هكذا يعلن الأغنياء الحزن على موتاهم في حين يجعل الفقراء من موتهم فرحا وعرسا ورهانا شديد الوضوح في معركتهم من أجل الكرامة والاعتراف. علينا أن ننتبه إلى أن إرهابا جديدا قد ولد،شكل جديد من الفعل الذي يمارس اللعبة ويستحوذ على قواعدها لكي يتمكن من التشويش عليها، يراهن على الموت الذي لا يجد ردا ممكنا ويستحوذ على كافة أسلحة القوة المهيمنة.الموت الرمزي هو سلاح حاسم في معركة غير متكافئة القوى،والموت الطوعي ليس تضحية غير مجدية بل سلاحا رمزيا بامتياز لأنه يضاعف الطاقة المدمرة إلى ما لا نهاية،وهكذا فان القوة الرمزية تتغلب على القوة الحقيقية وإرهاب الفقراء يتحدى إرهاب الأغنياء ويتفوق عليه وإستراتيجية حب الموت تتفوق على إستراتيجية عدد صفر من الموتى. أن الإرهاب البيولوجي والحرب الجرثومية والحل النهائي والصاعقة النووية هي من نمط التحدي الذي يجسد الإبادة التامة وينتمي إلى منطق التدمير المحض والذي يهدف الى القضاء على الآخر بإذلاله وجعله يترنح في عقر داره.
 

والأدهى والأمر أن كل أشكال العنف والتشويش الأخرى وكل وسائل الاتصال المعلوم تلعب أدوارا عديدة لصالح الإرهاب وتخدمه,بحيث أن الأنترنات اليوم تبدو وكأنها كتابة رقمية آلية للإرهاب.ان مشهد الإرهاب يؤلف جزءا من إرهاب المشهد وكأن قدر وسائل الإعلام أن تكرس الفعل القمعي والافتتان اللاأخلاقي به .كما يجسد المشهد الإرهابي مسرح القسوة في أبهى مظاهرها ويجعل من المجزرة المذهلة والخارقة نواة عنفي افتراضي حقيقي.قد يكون أننا نعيش شبح الإرهاب نتيجة لغياب التقاطع المحترم بين الذوات وبين الأمم ولكن لعل هذا الاستهتار بالحياة ليس إلا نتيجة لوغوس متمركز على نفسه أو متجذر في الإنسانية انطلاقا من مركزيته وارتباطه باللاهوت الديني المغلق,هذا اللوغوس هو من مفرخي نظريات التأويل الأحادية التي لا تقوم بأي انزياحات عن النصوص الأصلية. إن الحرب والإرهاب والحبس والإقصاء والتعذيب وكل أشكال الإعدام البشري ممارسات ناتجة عن عدم دخول الفكر في النقد العلمي التاريخي وفي مساءلة الحق العالمي،وان الاستبداد خاصية إرهابية لدعاة النص المتعالي على واقع البشر والتاريخ،فالجدار العازل في فلسطين ضربا للأمثال هو منع للتعامل الشعري مع الوجود وامتناع عن التأويل السردي للهوية الإنسانية، لذلك نذهب إلى أن مفهوم الاستقلالية والسيادة لا يعني استبداد الفرد الغربي بل استئناف رحلة التقهقر نحو المصير المحتوم.إن الحقل الممكن المفتوح الآن خلف حقل الإرهاب المتصاعد هو حقل التأويل اللاّمتناهي وهو لذلك استشراف لطرق بديلة في الحياة وإمكانيات رحبة في الوجود. قد يكون أيضا أننا نحتاج إلى التأويل كافتراض للمختلف والعزم على الوجود بغير تحفظ وعلى الاحترام بما هو معاودة للمختلف وعندما نخوض مسالة التأويل فإننا نقتحم دائرة جديدة وندخل إلى مساحة ايكولوجية فكرية تسمح بالحياة للجميع وفي تلك اللحظة لا يهمنا فيها صدقية الفكر بقدرما يهمنا قداسة الحياة بالنسبة للجميع.
 

يمكن أن نستخلص من هذا التشخيص الرهانات والأفكار الأساسية التالية׃
 

- إن الإرهاب ينغرس في أعماق الطبيعة الإنسانية نفسها وفي الهيكل البنيوي للدولة الشمولية حيث يوجد في حالة كمون في شكل غريزة عدوانية.
 

- إن ثقافة مجتمع معين عندما تتعرض إلى التهديد تمارس ضغطا ما قد يقبل به الفرد كأمر طبيعي ولكنه قد يتحول إلى إرهاب فيحدث لديه ردود أفعال عنيفة.
 

- إن الفترات الانتقالات والمنعطفات التاريخية التي تشهدها الحضارات وتمر بها الثقافات يتخللها ظواهر غليان وانصهار واضطراب وقد يكون العنف الإرهابي هو أكثر تجلياتها حدة.
 

- إن المجتمعات الصناعية المتقدمة تبدو مشحونة بقدرة فريدة على إحداث العنف وإنتاج الإرهاب والجريمة المنظمة وذلك لما أدى إليه تقدم التكنولوجيا والتنافس الاقتصادي من تحولات سريعة أجهزت على بنى التوازنات القديمة.
 

- العنف هو جملة من الضغوط التي تحل بالإنسان ولكن لا بد من فصل فعل العنف عن سائر أشكال الضغط والإكراه لأنه يطلق على القوة التي تهاجم مباشرة شخص الآخرين وخيراتهم (أفراد أو جماعات) بقصد السيطرة عليهم بواسطة الموت والتدمير والإخضاع.
 

على هذا النحو يمكن أن نعرفه بأنه تطاول على الإنسان وعلى حقه الذي لا يمس في الوجود وفي الحرية لا ينسجم مع طبيعة الإنسان العاقلة التي تفضل الكلام والحوار والتوصل. 
 

- ضرورة التمييز بين العنف والإرهاب وبين الإرهاب الأعمى والمقاومة الشريفة وبين النزاعات المقبولة الخالية من العنف والنزاعات المدمرة التي تؤدي إلى تكون بؤر متفجرة وأوضاع ملتهبة يعشش فيها الإرهاب وينمو مثل الاستعمار والحرب الأهلية البغيضة والعدوان والاستيطان والتمييز العنصري المذهبي والعرقي والثقافي .
 

- لا يشكل الإرهاب ظاهرة استثنائية وعارضة بل يدخل في صلب وجودنا الفردي والاجتماعي,تتنوع أشكاله المفرطة والعنيفة وتبلغ حدا يصبح معه من العبث الحلم بامكانية القضاء عليه. 
 

- تعدد المواقف حيال الإرهاب دليل على أننا نواجه معضلة كبرى وأزمة خانقة وكأن الإنسانية تخوض اليوم معركة جماعية من أجل السيطرة على الكون وعلى الصيرورة الاجتماعية،وأشكال هذه المعركة تختلف باختلاف التصورات. إن الإرهاب هو واحد من المحرمات الكبرى التي يصعب التأمل فيها بشيء من المسافة النقدية والمعقولية لأنه لا يمكن تعريفه بعناصر موضوعية ولأنه لا يقوم أي عنف إلا بقدر ما تقوم ذات بشرية في مصدره.
 

- لا يمكن أن نبرر الإرهاب بأي شكل من التسويغات ولكن من المسموح أخلاقيا وقانونيا التشريع لحق لكل إنسان مظلوم أو شعب مقهور في المقاومة، لأن تبرير الإرهاب بواسطة غايته الثورية سوف يجد نفسه مسخرا لخدمة ايديولوجيات عنصرية وشمولية.
 

- ثمة إجماع على الخلفية اللامعقولة للإرهاب وضرورة كونية تقوم بإدانته وشجبه،فالعنف المدمر ليس موقد التاريخ بل هو العدو الألد والشر الجذري الذي يهدد الحياة الكريمة ولذلك يجب مقاومته بكل الوسائل المتاحة.لكن أين هي الدولة العادلة والإنسان الراشد والثقافة المنفتحة والتربية الخلاقة التي تمنع من اندلاع موجات الإرهاب مجددا؟
 


مراجع البحث:
 

المؤلفات:

 

L’Herne Ricœur cahier dirigé par Myriam revault et Francois Azouvi Paris2004
- ايزايا برلين حدود الحرية ترجمة جمانا طالب دار الساقي بيروت الطبعة الأولى1992.
- بول ريكور التاريخ والحقيقة ، نشر سوي طبعة ثانية باريس 1955 . 
- برهان غليون / مجتمع النخبة/ بيروت معهد الانماء العربي 1986 .
- رولان بارت/ الدرجة صفر من الكتابة نشرسوي باريس 1953 .
- كارل ماركس/ بيان الحزب الشيوعي ورد ضمن كتاب من الحداثة الى العولمة,سلسلة عالم المعرفة بتاريخ11/2004 عدد 309.
- انجلز /مناهضة دورنج/ منشورات كوست مجلد 2. 
- فرانز فانون/ معذبو الأرض/ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي/ دار الآداب بيروت الطبعة الأولي 2004. 
- مطاع صفدي/ استراتيجية التسمية في نظام الانظمة المعرفية/مركز الانماء القومي بيروت1982 . 
- محمد عابد الجابري/ الخطاب العربي المعاصر / دار الطليعة 1982 بيروت . 
- المجتمع والعنف/ ترجمة الياس زحلاوي/ ط 3 مجد بيروت 1993.
- هربارت ماركوز الانسان ذو البعد الواحد ترجمة جورج طرابيشي دار الآداب بيروت الطبعة الثالثة1988.
- جاك دريدا ماذا حدث في حدث 11سبتمبر ترجمة صفاء فتحي دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى2006.
- جان بودريار- جاك دريدا- اد فوليامي- أمبرتو ايكو - ذهنية الإرهاب إعداد وترجمة بسام حجار المركز الثقافي العربي الدار البيضاء/ بيروت الطبعة الأولى 2003.
- جلال أمين عولمة القهر دار الشروق الطبعة الثانية القاهرة 2005 .

المجلات:


- مجلة الفكر العربي المعاصر عدد 120/121 ص /32/ 
- مجلة الفكر العربي المعاصر عدد 74/75 ربيع 1990 ص726 
- مجلة الفكر العربي عدد 57 ماي 1989 ص217
- مجلة بيت الحكمة عدد 5 سنة 2 افريل 1987 المغرب
- المجلة الاقتصادية 1958 تشرين الثاني باريس فرنسا. 
- صحيفة القدس العربي السنة17 العدد 5069بتاريخ12-09- 2005.
- مجلة متاهة مقابلة مع بول ريكور - أجرت المقابلة ايفانكا راينوفا -الجزء 2 شتاء 2000


الهوامش

[1] فرانز فانون معذبو الأرض ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي دار الفارابي بيروت الطبعة الأولى 2004 ص275
 

[2] " وقد كتب حتى الآن 140000 مقالا عن الموضوع، ومازال الغرب لم يفهم الإرهاب. وأنفقت ملايين الدولارات علي البحوث ومازال الموضوع مستمرا. لا تخلو جامعة أو مركز بحث خاصة في أمريكا وأوروبا عن مشروع حول الإرهاب. ومع الجامعات ومراكز الأبحاث تدخل الأحلاف العسكرية القديمة مثل حلف شمال الأطلنطي، والمخابرات العامة، ووزارات الدفاع والخارجية ومجالس الأمن القومي وهيئات أركان الحرب والكنائس والأحزاب والاتحادات والنقابات.وقد عقد في مقاطعة توسكانيا بإيطاليا في منتصف الشهر الماضي ندوة دولية عن العوامل النفسية والاجتماعية في تكوين الإرهاب. والقصد كالعادة تجميع المعلومات، وتحليل العوامل، ورصد الإحصائيات، وعمل الرسوم البيانية، والاعتماد علي النماذج الرياضية من أجل فهم ظاهرة الإرهاب." حسن حنفي مقال: الإرهاب...الإرهاب جريدة الزمان العدد 2233 التاريخ 08/10/2005

[3] " وتوزعت الأوراق علي أربعة محاور علي أربعة أيام. الأول كيفية دراسة الجذور النفسية والاجتماعية للإرهاب. والثاني البواعث الفردية والجماعية للانخراط في العنف السياسي. والثالث العوامل الاجتماعية والثقافية والدينية والأعمال الاستشهادية التي يطلق عليها لفظ القنابل الانتحارية. والرابع الخطوات العملية لدي علماء النفس والاجتماع للإقلال من خطر الإرهاب.والغريب أن كل البحوث المقدمة تبدأ من الأحكام المسبقة المعروفة المكررة آلاف المرات، ربط الإرهاب بالإسلام وبالفلسطينيين وبالعراقيين وبالأفغان وليس بالمسيحية ولا بالنزاع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا الشمالية، ولا بالصراع في بلاد الباسك علي حدود فرنسا وأسبانيا، ولا بالهندوكية وإسالة الدماء في سريلانكا، ولا بالجريمة المنظمة في الولايات المتحدة الأمريكية من اليمين كما تم في تفجير مبني الحكومة الاتحادية في أوكلاهوما، ولا باضطهاد المسلمين الأتراك في ألمانيا خاصة، وسوء معاملة العرب والمسلمين في كل أنحاء أوروبا." حسن حنفي مقال: الإرهاب...الإرهاب جريدة الزمان العدد 2233 التاريخ 08/10/2005.

 

[4]  جان بودريار- روح الإرهاب - مجلة الفكر العربي المعاصر عدد 120-121-ص8
 

[5] جاك دريدا ماذا حدث في حدث 11سبتمبر ترجمة صفاء فتحي دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى2006ص59

 

[6]  رولان بارت الدرجة الصفر من الكتابة نشر سوي باريس 1953 ص127
 

[7] ايزايا برلين حدود الحرية ترجمة جمانا طالب دار الساقي بيروت الطبعة الأولى1992ص65
 

[8] برهان غليون- مجتمع النخبة- معهد الإنماء العربي بيروت 1986ص304 
 

[9] مطاع صفدي مقال: حول نهاية لعصر الطغيان و توأمة الإرهاب صحيفة القدس العربي ص19 السنة17 العدد 5069بتاريخ12-09- 2005 
 

[10] بول ريكور التاريخ و الحقيقة نشر سوي باريس1955طبعة ثانية ص242 
 

[11] هربارت ماركوز الانسان ذو البعد الواحد ترجمة جورج طرابيشي دار الآداب بيروت لطبعة الثالثة1988ص39
 

[12] كارل ماركس بيان الحزب الشيوعي ورد ضمن كتاب من الحداثة الى العولمة سلسلة عالم المعرفة بتاريخ11/2004 ص59عدد 309

 

[13]  كارل ماركس نفس المرجع ص-59-58

 

[14]  هربارت ماركوز الانسان ذو البعد الواحد ترجمة جورج طرابيشي دار الآداب بيروت لطبعة الثالثة1988ص47/48 
 

[15] جلال أمين عولمة القهر دار الشروق الطبعة الثانية القاهرة 2005ص73
 

[16] جان بودريار ذهنية الإرهاب فصل عنف العولمة المركز الثقافي العربي الدار البيضاء /بيروت الطبعة الأولى2004ص125
 

[17]  مقابلة مع بول ريكور - أجرت المقابلة ايفانكا راينوفا في مجلة متاهة الجزء 2 شتاء 2000
 

[18] مطاع صفدي - إستراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية مركز الإنماء القومي ص250 بيروت 1986 
 

[19] مطاع صفدي مقال أصل الاستبداد مجلة الفكر العربي المعاصر ص7 ربيع 1990عدد74/75
 

[20] محمد عابد الجابري - الخطاب العربي المعاصر - ص33/34 دار الطليعة بيروت 1982
 

[21] موريس مرلوبونتي قراءات أمية تونس ص101.
 

[22] فرانز فانون معذبو الأرض ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي دار الفارابي بيروت الطبعة الأولى 2004 ص91
 

[23] ميشال فوكو المفرد والجمع :نحو نقد العقل السياسي ترجمة عبد الله قطيش مجلة الفكر العربي ص217-218 عدد57ماي -1989
 

[24] ريمون أرون - ملاحظة حول السلطة الاقتصادية في المجلة الاقتصادية تشرين الثاني 1958 
 

[25] هربارت ماركوز الانسان ذو البعد الواحد ترجمة جورج طرابيشي دار الآداب بيروت لطبعة الثالثة1988ص45
 

[26] فريدريك انجلز - مناهضة دير ينج - منشورات كوست مجلد 2 ص32
 

[27] ورد ذكره في كتاب جاك دريدا ماذا حدث في حدث 11سبتمبر ترجمة صفاء فتحي دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى2006ص61/62
 

[28]« Démocraties et terrorisme entretiennent une étrange relation : même quand il prétend vouloir détruire la société démocratique, le terrorisme en effet ne prospère qu’en son sein tant il a besoin d’une opinion publique et de médias libres. C’est la raison pour laquelle,même s’il se rencontre dans des régimes totalitaires ou dans des sociétés traditionnelles, il se développe principalement dans des sociétés démocratiques qu’il attaque par ce qu’elles ont de plus fragile,à savoir leur ouverture, leur sensibilité propre, leurs peurs spécifiques. Les terrorisme impressionne particulièrement un homme démocratique qui a oublié le privilège qu’il a de vivre en paix et qui est tenté de ne se consacrer qu’a la poursuite de son bonheur privé. infoment dés lors répondre démocratiquement au défi que lance le terrorisme ? » Antoine Garapon, infoment lutter démocratiquement contre le terrorisme ? in L’Herne Ricœur Paris2004 p 338
 

[29] المجتمع و العنف ترجمة الياس زحلاوي نشر مجد بيروت الطبعة الثالثة 1993ص140
 

[30] المجتمع و العنف ترجمة الياس زحلاوي نشر مجد بيروت الطبعة الثالثة 1993ص148/149
 

[31] جاك دريدا ماذا حدث في حدث 11سبتمبر ترجمة صفاء فتحي دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى2006ص66/67
 

 

 







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق