الإسلام السياسي وضرورات التحول من الأصولية إلى المدنية
مجلة الكلمة - عدد 84
كتبه: محمد محفوظ
حرر في: 2014/10/24
التعليقات: 0 - القراءات: 3408

على المستوى الفكري و المعرفي لم تتوقف الدراسات و الأبحاث و المناقشات و الحوارات الفكرية و السياسية التي تناقش مسألة العلاقة بين الديني و المدني و بالعكس . إذ شكلت هذه المسألة هاجسا فكريا و معرفيا لدى العديد من المفكرين و المثقفين , كما شكلت هاجسا لدى أصحاب المشروعات الإسلامية ـ السياسية , لكونها تقدم إجابة أو إجابات وفق أدبياتها و أيدلوجيتها الحركية عن هذا السؤال المركزي و الحيوي في آن ..

مقدمة :

على المستوى الفكري و المعرفي لم تتوقف الدراسات و الأبحاث و المناقشات و الحوارات الفكرية و السياسية التي تناقش مسألة العلاقة بين الديني و المدني و بالعكس . إذ شكلت هذه المسألة هاجسا فكريا و معرفيا لدى العديد من المفكرين و المثقفين , كما شكلت هاجسا لدى أصحاب المشروعات الإسلامية ـ السياسية , لكونها تقدم إجابة أو إجابات  وفق أدبياتها و أيدلوجيتها الحركية عن هذا السؤال المركزي و الحيوي في آن .. 

و نحسب أن الوصول إلى توافقات فكرية عميقة حول هذه المسألة , يساهم في تفكيك الكثير من العقد الفكرية و الأيدلوجية و السياسية في الواقع الإسلامي المعاصر . لكون هذا الواقع يتطلع إلى الانعتاق من ربقة التخلف الحضاري , و يبني أوضاعه السياسية و الاجتماعية على أسس جديدة تمكنه من القبض الفعلي على أسباب تقدمه و تطوره الحضاري . 

و على ضوء تجارب العديد من المشروعات الأيدلوجية و الفكرية و السياسية التي بدأت في المشهد الإسلامي الحديث و المعاصر , نتمكن من القول : أنه ثمة صعوبات حقيقية و عميقة تحول دون أن تتحقق نهضة المسلمين بعيدا عن الحاضن الديني كما أنه في ذات الوقت ثمة قناعة عميقة لدى العديد من الجهات و الأطراف أن الكثير من التفسيرات و المشروعات الدينية ـ السياسية القائمة , غير قادرة على إنهاض الأمة و نيلها استقلالها المعنوي و المادي . لأن هذه المشروعات مليئة بالنواقص و الكوابح التي تحول دون إنهاض جميع أطراف الأمة , إما لاعتبارات متعلقة بطبيعة الخيارات المعرفية و الفكرية التي تتبناها هذه الجماعات , أو بفعل الرؤية الدينية القاصرة أو الجامدة التي تحول دون إحداث نهضة متكاملة و حقيقية في جسم الأمة .

لذلك ثمة شعور عميق لدى أغلب التوجهات الأيدلوجية و المشروعات السياسية القائمة و الفاعلة في المشهد الإسلامي المعاصر , على أنها وصلت إلى طريق مسدود , و ثمة إنسدادات ذاتية و موضوعية عديدة و متنوعة تمنع أن تكون هذه المشروعات بما فيها مشروعات الإسلام السياسي بوصفها الرافعة الحقيقية لواقع الأمة المعاصر صوب أهدافها الحضارية و قدرتها على معالجة الإشكاليات المعرفية و السياسية المزمنة التي تعاني منها بلدان العالم الإسلامي برمتها على مستويات متفاوتة و بأشكال مناسبة للحظة تطورها التاريخي و الاجتماعي .

و البحث الذي بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ هو محاولة فكرية ـ سياسية لتقديم معالجة لهذه الإشكالية التي يعاني منها الواقع الإسلامي المعاصر .

و قبل الدخول في جوهر الموضوع , من الضروري تفكيك و توضيح المصطلحات المستخدمة في العنوان الرئيسي للدراسة , و ذلك لكي تتضح الصورة .

الإسلام السياسي :

ندرك طبيعة التباين و الاختلاف تجاه مقولة الإسلام السياسي , فهو من المقولات المختلف عليها . فبعضهم يعتبر هذه المقولة مقولة قدحيه بحق الجماعات و التيارات الإسلامية , لأن هذه المقولة لا تعكس شمولية الإسلام , و أن أهم الجماعات الإسلامية اليوم , تمتلك مشروعا حضاريا , يتجاوز البعد السياسي و البعض الآخر يعتبر هذه المقولة توصيف دقيق لحال الجماعات السياسية ذات المرجعية الإسلامية , و إنها مقولة توصيفيه ـ محايدة , و ليست ذات حمولة سلبية .

أقول بعيدا عن هذا التباين و خلفياته الأيدلوجية و السياسية , فإننا نستخدم هذا المصطلح أو هذه المقولة و نقصد بها :

1ـ كل الجماعات و الفعاليات و المؤسسات الإسلامية  الفاعلة في الحقل السياسي , و تتبنى رؤية و مشروعا سياسي لذاتها و لوطنها و بيئتها الاجتماعية و السياسية ..

2ـ الخطابات السياسية التي تنطلق على مستوى مرجعيتها ومعاييرها من الدين الإسلامي . و تؤمن أن الإسلام ليس دينا منحصرا في زوايا المسجد و دور العبادة , و إنما هو أوسع من ذلك بكثير , حيث يقدم رؤية كونية و حضارية للوجود و الانسان .. و العمل السياسي على قاعدة المرجعية الإسلامية , هو أحد الأبعاد الأساسية للمشروع الحضاري الإسلامي .

3ـ للتفريق المعرفي و الاجتماعي الضروري بين غالبية المسلمين الذين يدينون بالدين الإسلامي و يتعبدون وفق هداه و تعاليمه , و بين الإسلاميين الذين يتبنون رؤية و مشروعا سياسيا انطلاقا من فهمهم لقيم الإسلام و تشريعاته المتعددة .. فليس كل المسلمين إسلاميين , و لكن كل الاسلاميين مسلمون .. و مقولة الإسلام السياسي لا تنطبق على عموم المسلمين , و إنما هي فقط تنطبق على الناشطين و الحركيين الإسلاميين من المسلمين ..

   الأصولية :

من المؤكد أن الكثير من عناصر الحمولة السلبية لمفهوم الأصولية , جاء إلينا من طبيعة التجربة الثقافية و السياسية الغربية , و نظرة و موقف و مضمون هذه التجربة لمفهوم الأصولية . فهو ( أي المفهوم ) في الرؤية الغربية يساوي الجمود و التوقف عند الأصول الضاربة بجذورها في التاريخ دون القدرة على مواكبة العصر و مكتسباته .

كما يساوي رفض الجديد وعدم القدرة على استيعابه و التعامل معه ..

و في الدائرة العربية هناك من استخدم هذا المفهوم وفق المعايير الغربية , و طبقه على كل الجماعات الدينية التي تعمل وفق المرجعية الإسلامية , و تتحرك سياسيا و اجتماعيا على قاعدة الالتزام بتشريعات الإسلام . و أحسب أن عملية الإسقاط المذكورة لم تكن دقيقة و مجانبة للصواب وفق المحددات و المعايير العلمية .

لأنه و ببساطة شديدة أغلب الجماعات الإسلامية ـ الحركية , و التي تنعت بالأصولية هي أبعد ما تكون من الانحباس في التاريخ و الماضي و أغلب كوادرها الرئيسة هي ذات تعليم أكاديمي و علمي متقدم , وتتطلع إلى قيادة بلدانها و مجتمعاتها انطلاقا من رؤيتها و مشروعها للسلطة و إدارة الشأن العام . و بصرف النظر عن طبيعة تقويمنا لأداء هذه الجماعات و موقفنا من رؤيتها و مشروعها العام , إلا أنها لا تنطبق عليها مقولة ( الأصولية ) وفق الرؤية و التجربة الغربية . مع أنها كمشروع و رؤية هي محاولة للعودة إلى الأصول للاستهداء و الاسترشاد بها و ليس الانكفاء حولها و رفض استيعاب حركة العصر و مكاسب الحضارة الحديثة .

و بالتالي فإن مقصودنا من مفهوم الأصولية في هذا السياق هو يتجه إلى :

فك الارتباط و المساوقة بين معنى الأصولية و مفاهيم الجمود و التعصب و العنف و الانغلاق . فليس كل الجماعات الإسلامية التي تنعت بالأصولية هي جماعات جامدة و متعصبة و منغلقة و تمارس العنف ببعديه المعنوي و المادي . ففي الواقع الاجتماعي و السياسي ثمة جماعات إسلامية عديدة يمكن وصفها بالأصولية إلا أنها لا تعيش الجمود أو الانغلاق .. و نحن نقصد بمصطلح الأصولية تلك الجماعات الفاعلة في الحقل السياسي انطلاقا من المرجعية الإسلامية إلا أنها متطورة في فهمها للإسلام و ذات رؤية وسطيةة في الدين و السياسة . و بالتالي نستثني من استخدامنا لمفهوم الأصولية تلك الجماعات الراديكالية و ذات المنهج العنفي و التكفيري .

و بالتالي فإن توصيف الأصولية في منظورنا , يتجه صوب كل الجماعات و الفعاليات و التيارات الدينية التي تنشط في الميدان السياسي و تمتلك رؤية سياسية و تتعاطى الشأن العام على قاعدة اكتشاف المفارقة بين المثال و الواقع , و توجه كل جهودها و إمكاناتها عبر وسائل التربية و الدعوة و التمكين الاجتماعي و السياسي لردم الهوة بين المثال و الواقع .

المدنية :

التفت الدكتور ( عبد الله العروي ) إلى أن التصورات الكلامية و الفقهية التي تناولت مفهوم الحرية تمحورت حول الموضوعات الأخلاقية و الوعظية في سياق علاقة الإنسان مع نفسه و خالقه و أخيه في الإنسانية . في حين تمحورت التصورات الغربية الحديثة في المسألة حول الفرد الاجتماعي , أي بوصفه مشاركا في مجتمع . فالفرق كما يقرر ( العروي ) بين حرية نفسانية ميتافيزيقية و حرية سياسية اجتماعية. (1)

انطلاقا و تأسيسا على هذه الملاحظة الواعية و الدقيقة ، ثمة حاجة عميقة لدى الجماعات السياسية الإسلامية للاهتمام بمسألة السياسة و الديمقراطية و حقوق الانسان ليس بوصفها قيما محمودة و مطلوبة فحسب , و إنما في بناء الأطر و المؤسسات و الحياة السياسية و الدستورية القادرة على ضمان وجود هذه القيم في الحياة العامة ..

فالقيم المدنية في أي بيئة اجتماعية , لا يمكن أن تتحقق بدون تطوير نظام التفكير و العطاء المعرفي في سياق الفرد بوصفه جزءا من مجتمع و دولة و يتأثر بهما سلبا و إيجابا .بحيث يتجه الخطاب الإسلامي صوب صياغة رؤى و توجيهات و تعليمات تستهدف معالجة مشاكل الدولة و المجتمع معا , بعيدا عن النزعة الوعظية التي لا تحلل الأمور , ولا تتعمق في عالم الأسباب و المسببات و إنما تكتفي ببيان ما ينبغي أن يكون , مع تغافل بيان الكيفية و سبل الإنجاز الفعلية .

لذلك فإن مقولة المدنية في سياق هذه الدراسة تعني :

1ـ إعطاء الأولوية للقيم العامة كالعدالة و الحرية و الديمقراطية و حقوق الانسان و سبل مأسستها و تبيئتها في الحياة الثقافية و السياسية للعرب و المسلمين ..

2ـ تبني خيار العمل الديمقراطي و المدني السلمي , و نبذ كل نزعات التعصب و العنف و الانغلاق الأيدلوجي و السياسي ..

3ـ خلق المسافة الضرورية لدى الجماعات السياسية الإسلامية بين الدعوي و مقتضياته و السياسي و متطلباته , و تطوير وسائل التدبير العقلاني و الحضاري لشؤون الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ..

4ـ رفض نزعات التوحش و ممارسة العنف العاري في العمل السياسي , و ممارسة السياسة بوصفها حقلا مدنيا متاحا للجميع أي لجميع المواطنين بصرف النظر عن الدين و المذهب و القومية و العرق . و إن التنافس و الصراع في هذا الحقل , تنافسا أو صراعا سلميا , مدنيا بعيدا عن مقولات الحق الإلهي و النرجسيات الأيدلوجية العديدة .

بحيث تكون جماعات الإسلام السياسي جماعات سياسية بمرجعية إسلامية إلا أنها لا تدعي امتلاك الحقيقية الدينية أو قادرة على سلب البعد الديني و الإسلامي من أي مكون من مكونات شعبها و مجتمعها .

أحسب أن هذه العناصر , هي مضمون و جوهر مقولة المدنية و ضرورة تحول جماعات الإسلام السياسي إليها ..

و الانتقال هنا بطبيعة الحال , ليس راديكاليا أو تكتيكيا , و إنما هو نتاج تحولات فكرية و ثقافية عميقة , تتجه بهذه الجماعات للانتقال من وصفها جماعة أيدلوجية مغلقة إلى جماعة مدنية , منفتحة و تسعى إلى استيعاب كل شرائح مجتمعها في مشروعها العام القائم على الإيمان العميق بالقانون و سيادته و بالتعددية و لوازمها و مقتضياتها و بالتداول السلمي للسلطة بوصفه جوهر العملية الديمقراطية .

 نقطة البداية:

الورقة تنطلق من قناعة فكرية وسياسية مفادها : أن زمن الأصولية من زاوية سياسية في نهاياته ، وإن الجماعات الإسلامية التي تبقى منحبسة في الإطار الأصولي ، سيخبو تأثيرها ويتراجع موقعها في المشهد السياسي والاجتماعي .. أما الجماعات التي تتجاوز معرفيا وسياسيا تلك الحقبة ، فإنها ستواصل تأثيرها ، وسيتعاظم موقعها السياسي .. والتكيف مع الزمن السياسي الجديد ، ليس رغبة مجردة من الفعل والتحول ، وإنما هي نقطة انطلاق صوب بناء الجماعة السياسية على أسس فكرية وسياسية جديدة .. وليس بطبيعة الحال كل الجماعات قادرة على ذلك .. ونعتقد أن الحركات الإسلامية التي يتمركز نشاطها وفعلها العام على سؤال الهوية ، فإنها ستبقى متشبثة بخياراتها وأولوياتها السابقة ، لكونها محافظة على المستويين الفكري والسياسي ..

والجماعات المحافظة هي آخر الجماعات قدرة على التحول والانتقال من مرحلة إلى أخرى. أما الحركات الإسلامية التي يتمركز نشاطها وفعلها العام على سؤال التقدم ودورها في انجازه على المستويين الاجتماعي والوطني ، فإن هذه الجماعات وبحكم بناءها الفكري وأولوياتها السياسية ، قادرة على اجتراح التحول والانتقال ، وستكون قادرة على إدارة صعوبات مرحلة الانتقال والتحول ..  وسيكون الحديث في محورين أساسيين وهما :

1- المسار التاريخي الذي عاشته جماعات الإسلام السياسي .. وهو مسار سنعمل على وصفه والتعريف به دون تحليله ..

2- محور ضرورات تحول جماعات الإسلام السياسي من الزمن الأصولي إلى الزمن المدني – الديمقراطي .. وفي هذا المحور سيتركز الحديث حول الرؤية الفكرية والسياسية التي تساهم في عملية التحول والانتقال ..

المسار التاريخي :

إن الظاهرة الإسلامية الحديثة والمعاصرة ، ليست لونا واحدا وتوجها واحدا ، وإنما ظاهرة متنوعة ومختلفة وذات أطياف متعددة وتشمل ( حركات وأحزاب وتنظيمات وفعاليات دينية دعوية وشخصيات عامة وأنشطة مجتمعية عديدة ) .. وهذه الورقة ستتحدث عن الجماعات الإسلامية التي تنشط في الحقل السياسي ، ويطلق عليها جماعات الإسلام السياسي ..

وفي تقديرنا أن جماعات الإسلام السياسي مرت بالمراحل التالية :

1- المرحلة الأولى: 

مرحلة الإحياء الإسلامي ، وهي مرحلة اتسمت بالبناء الفكري والصراعات الأيدلوجية مع الجماعات الأيدلوجية المنافسة , واستندت على خطاب دعوي , وعظي يقدم قيم الإسلام وتشريعاته بوصفها هي المنقذ والقادرة , على إخراج المسلمين جميعا من وهدة التخلف وربقة الانحطاط , والتبعية للنظريات والمشروعات الفكرية والثقافية الوافدة إلى المسلمين من وراء الحدود .

وفي هذه المرحلة تم تقديم الإسلام ، بوصفه مشروعا قادرا على إحياء الأمة وإيقاظها من غفلتها , وتم أيضا فيها صياغة كتابات وآراء فكرية ترتكز على : 

* إمكانية الإسلام الذاتية على تقديم رؤية متكاملة للحياة ..

* تحرير العقائد الإسلامية من الأوهام والخرافات وأشكال البدع والشرك ، وبناء تفسير نهضوي لمفاهيم الإسلام وقيمه ..

* العمل على إنهاء حالة الفصام بين الإسلام وعالم السياسة ، فكتبت الكثير من الكتب التي تستهدف إثبات أن في الإسلام سياسة.

* تقديم تفسير لطبيعة الأزمة المستفحلة في الأمة ، بوصفها نتاج طبيعي لحالة الابتعاد عن الإسلام ، وإن إنهاء هذه الأزمة لن يتأتى إلا بالعودة إلى الإسلام.

* شيوع ثقافة المقابسة والاقتباس وفق نسق قال الإسلام قبل ذلك.

* بناء قاعدة شعبية للمشروع الإسلامي المعاصر ..

2- المرحلة الثانية: المرحلة الأصولية :

لا شك أن انتصار الثورة في إيران ، وانخراط الكثير من الإسلاميين في مشروع الجهاد في أفغانستان ، وطبيعة التأثيرات التي تركتهما هذه التطورات , أدخل الإسلام السياسي في مرحلة جديدة على المستويين الفكري والسياسي .. ويمكن أن نطلق على هذه المرحلة مرحلة ( الإسلام الأصولي ) والذي تجاوز في أطروحاته بعض ثوابت مرحلة الإحياء ..  

وفي تقديرنا أن أهم سمات هذه المرحلة هي :

* دخول جماعات الإسلام السياسي بوصفها أحد اللاعبين الأساسيين على المستويين الوطني والإقليمي ..

* تقديم مشروع الإسلام السياسي بوصفه مشروعا سياسيا متكاملا وشاملا , وبدا في هذا السياق الاهتمام بفكرة الدولة ورؤية الإسلام لها .

* الانخراط في مشروع المواجهة والصدام بين الكثير من هذه الجماعات وأنظمة بعض الدول العربية والإسلامية ..

ونحن نرى لاعتبارات ومتغيرات فكرية وسياسية واجتماعية عديدة ، أن المنطقة كفضاء سياسي واجتماعي ،دخلت في مرحلة جديدة على أكثر من صعيد , وان هذه المرحلة تتطلب من كل الفاعلين في الحقل السياسي مراجعة خياراتها وتطوير مشروعها وخطابها السياسي بما ينسجم وطبيعة التحولات القائمة . كما إن جماعات عديدة من الإسلام السياسي دخلت عمليا في مرحلة جديدة من جراء تطورات ماسمي بالربيع العربي , وهذه التطورات تفرض عليها مقاربات جديدة لمشروعها ولطبيعة خياراتها الوطنية السياسية والاجتماعية . ومن جراء هذه التطورات الذاتية والموضوعية نستطيع القول: إن جماعات الإسلام السياسي دخلت في مرحلة جديدة وهذه المرحلة أنهت أو قاربت على الانتهاء من مرحلة الأصولية في تجربة الإسلام السياسي المعاصر .. بحيث نستطيع أن نتحدث عن المرحلة الثالثة في تحولات الإسلام السياسي وهي :

3- المرحلة الثالثة : ما بعد الأصولية :

وفي هذه المرحلة سنتحدث عن رأي وليس وصف ، حول ضرورة التحول من الأصولية إلى المدنية ..

في الزمن الأصولي سادت قيم الصحوة الإسلامية والتغيير الجذري والثورة الشاملة والشعارات الأيدلوجية ذات الطابع الثنائي التي لا تقبل بمنطقة وسطى أو تسويات سياسية واجتماعية .. أما في زمن المابعد أصولية ، فالقيم المتداولة هي قيم التجديد والإصلاح والشراكة وحقوق الإنسان والتعددية والمنطق التسووي البعيد عن نزعات الانتصار الكاسح أو الهزيمة المطلقة ..

وثمة مقدمات فكرية ضرورية لمشروع التحول المدني وهي كالتالي :

 1- الدولة و المجال الديني :

الدولة بوصفها قطب الرحى في المجال العام وإدارته ، لا تنتمي إلى المجال الديني ( حتى لو كان المتدينون هم الذين يسيرون شؤون الدولة ويقومون بإدارتها ) .. والذي يعتبر الدولة بوصفها مؤسسات معنية بإدارة المجال العام تنتمي إلى المجال الديني ، فهو يؤسس لاستبداد ديني وسياسي معا .. فالدولة بصرف النظر عن أيدلوجيتها ، هي نزاعة إلى ممارسة السلطة والهيمنة على الحياة والمجال العام ، وإذا كانت هذه النزعة مسوغة دينيا ، فإن النتيجة الفعلية هو تحالف الديني مع السياسي في ممارسة السلطة واحتكار المجال العام. فلا معنى أن تتحول الدولة كمؤسسات إلى دولة دينية تمارس أدوارها ووظائفها بغطاء ديني. فالدولة ينبغي أن تكون مدنية ، حتى لو كان القائمون عليها هم حزب إسلامي أو جماعة متدينة .. لأن الممارسات التدبيرية التي تقوم بها الدولة ، ممارسات تتجه إلى مصلحة الناس المسئولة عنهم ، بصرف النظر عن أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم .. فالأولوية في الدولة دائما لإعادة إنتاج وطنية – شعبية موحدة ، تعيد تشريع دساتيرها انطلاقا من عقود وعهود المواطنة وسلطة القانون والمجتمع المدني – التعددي كمبادئ ناظمة لدولة عمادها سياسة مدنية ، تمنع هيمنة الديني على شؤون البشر باسم السماء ..

فالمطلوب من موقع ديني على هذا الصعيد ( دولة مدنية ومجتمع مؤمن ) .. لأن ( التمييز بين الدين والسياسة في الدولة ضرورة ، وفي المجتمع جريمة ) لأنه يعد تدخلا في خيارات الناس الخاصة ..

فالباري عز وجل لا يعبد حق العبادة في بيئة استبدادية .. إذ أن توفر الحريات يساهم في انجاز مفهوم العبادة للخالق على أكمل وجه .. فعبادات الإنسان إلى الله  ، تتطلب مساحة حرية الاختيار والتفكير ، حتى يتسنى للإنسان ممارسة وظيفة العبادة بصورة مخلصة وبعيدا عن الاكراهات بمختلف أنواعها وأشكالها ..  

وإن نسبة الممارسة السياسية والسلطوية والقناعات الفكرية إلى الإسلام هي نسبة مجازية وليست حقيقية ، فليس كل ممارسة يقوم بها ( الإسلامي ) ، هي بالضرورة منسجمة والرأي والموقف الإسلامي – المعياري .. فهي آراء وأفكار وممارسات المسلمين ، ومقتضى الأمانة والصدقية عدم الادعاء بأن ما يقوم به الإنسان حتى ولو كان متدينا هو متناغما مع الإسلام كشريعة وقيم .. أقول هذا حتى لا يتحمل الإسلام وزر أخطاء وغلواء بعض التيارات والجماعات الإسلامية ..

فالإسلام أوسع من الإسلاميين وأثرى على الصعد كافة ، ولا مسوغ لخلق المطابقة بين الإسلام والإسلاميين .. لأن التيارات الإسلامية هي على المستوى النظري والمعرفي ، قارئة في مدونة الإسلام ، وهي كأي قارئ يمارس فعل تأويل النصوص ، والتأويل اجتهاد ، والاجتهاد رأي ، والرأي غير مقدس .. وغير المقدس هنا لا يعني أنه مدنس ، وإنما هو محل احترام وتقدير ، ولكنه ( أي الرأي ) ليس مطلقا وعابرا لكل زمان ومكان ..

 2ـ الدين و أنماط التدين :

على المستوى المجتمعي، ثمة خلط جوهري بين الدين بوصفه مجموعة من القيم و المبادئ المتعالية على الأزمنة و الأمكنة , و بين أنماط التدين وهي مجموع الجهود التي يبذلها الإنسان فردا و جماعة لتجسيد قيم الدين العليا .. فكل محاولة إنسانية لتجسيد قيم الدين أو الالتزام العملي بها , تتحول هذه المحاولة الإنسانية إلى نمط من أنماط التدين , قد يقترب هذا النمط من معايير الدين العليا و قد يبتعد . قد تكون أنماط التدين منسجمة و مقتضيات قيم الدين أو قد تكون متباعدة أو مفارقة . 

ولكون حظوظ الناس في الالتزام متفاوتة , كذلك هي أنماط التدين متفاوتة من فرد إلى آخر و من بيئة اجتماعية إلى أخرى . و بالتالي فإن أنماط التدين ليست خارج سياق التطور الإنساني . فطبيعة الظروف و الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية التي تعيشها البيئات الاجتماعية , ستنعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على أنماط تدينها و أشكال التزامها بقيم و مبادئ دينها(2) . 

 لذلك نستطيع القول أن الإنسان ( الفرد و الجماعة ) و ظروف هذا الإنسان الاقتصادية و الاجتماعية و أنماط علائقه العامة و نوعية الثقافة و منظومة القيم التي يحملها , هي من الناحية الواقعية التي تصنع أنماط تدين و التزام هذا الإنسان . فإذا كان الدين يساهم في صنع الإنسان , فإن الإنسان هو الذي يصنع نمط تدينه و التزامه الديني . لذلك نجد في الساحات الإسلامية و الاجتماعية المتنوعة أنماط تدين متنوعة و متعددة, وكلها تشكل حركة الدين في المجتمع . و لا يمكن أن نفصل بين قيم الدين و تاريخ المسلمين الذي هو نتاج جهد المسلمين الفردي و الجماعي في تنفيذ قيم الدين و الالتزام بهدي الإسلام و تشريعاته المختلفة . ولعل هذا ما يفسر لنا وجود أفهام متعددة و نماذج تاريخية متنوعة في إطار الإسلام الواحد .

وكل محاولة سلطوية أو دعوية - دينية لقسر الناس على فهم واحد أو معنى واحد للممارسة الاجتماعية , هي محاولة فاشلة و دونها خرط القتاد لأنه خلاف طبائع الأمور , كما أن هذه المحاولات تساهم في إفقار المجتمعات الإسلامية على المستويين التاريخي و المعرفي .

فالإنسان ليس كائنا سلبيا فيما يرتبط و علاقته بقيمه الكبرى و تشريعات دينه . فهو كائن إيجابي و يتفاعل مع تشريعات دينه , و طبيعة موقعه الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي تحدد شكل و طبيعة النمط الديني الذي يؤسسه الإنسان لبيئته أو لواقعه .

لأن أنماط التدين هي انعكاس مباشر لطبيعة الإنسان و طبيعة ظروفه و بيئته الاجتماعية . فإذا كان الدين متعاليا على ظروف الزمان و المكان , و ليس خاضعا لمقتضيات الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ، فإن أنماط التدين على العكس من ذلك تماما . إذا هي نتاج الظروف و البيئة. ولا يمكن أن تتشكل أنماط التدين بعيدا عن جهد الإنسان و مستوى وعيه و إدراكه لعناصر واقعه و راهنه .

و ثمة دائما مفارقة بين الدين و أنماط التدين . و هذه المفارقة تصل في بعض الأحيان أن تكون بعض حقائق و أنماط التدين هي مناقضة في جوهرها لمقتضيات الدين . و حينما تبرز المفارقة بين الدين و التدين , ثمة حاجة إنسانية و دينية ملحة للانخراط في مشروع الإصلاح الديني . و الذي هو في بعض جوانبه محاولة لردم الهوة و تجسير الفجوة بين الدين و أنماط التدين التي تعيشها المجتمعات الإسلامية . فالدين في كل مراحله هو طاقة توحيدية في الواقع الإنساني , ولكن بعض أنماط التدين السائدة هي طاقة انشقاقية - تجزيئية لواقع العرب و المسلمين .

ولعل هذه المفارقة هي التي توضح طبيعة تجربة الإصلاح و فعاليته في المجتمعات الدينية . بمعنى أن المجتمع الإنساني في المرحلة الأولى لتجسيد قيم الدين و تفاعله الإنساني مع مبادئه , تكون حركة المجتمع في خط مستقيم مع الدين و توجيهاته , ولكن بعد فترة من الزمن قد تقصر و قد تطول , تبدأ المفارقة بالبروز بين جهد الإنسان – المجتمع , و بين توجيهات الإسلام و معاييره الأخلاقية و المعنوية . و تبدأ هذه المفارقة بالأتساع , مما يفضي إلى نتيجة عملية و واقعية وهي أن توجيهات الدين في واد و حركة المجتمع في أغلبه في واد آخر . مما يؤسس لمناخ اجتماعي و ثقافي يفرض ضرورة الإصلاح و تجسير الفجوة و المفارقة التي تشكلت في التجربة العملية .

لذلك نجد أن كل التجارب الإصلاحية تستهدف بالدرجة الأولى خلق الانسجام و التناغم بين التاريخ و الرسالة , بين الشريعة و فهم الشريعة, بين الدين و التدين . و إن جوهر الجهد الذي يبذله الإصلاحيون هو خلق التماثل بين القيم و الواقع .

و إن جوهر المشكلة يتجسد في وجود مفارقة و ابتعاد بين الدين و بين التدين , و الإصلاح الديني يستهدف تجسير العلاقة و خلق التناغم بين حقائق الدين و معطيات التدين . و لعل هذا هو أحد أهم القوانين الجوهرية التي تتحكم في سياق أي حركة إصلاحية في الاجتماع الإسلامي المعاصر .

ولو تأملنا اليوم في طبيعة المشاكل الكبرى التي تعاني منها المجتمعات العربية و الإسلامية المعاصرة لوجدنا أن من ابرز هذه المشاكل , هو شيوع أنماط من التدين , تتبنى خيار العنف و الإرهاب , و تعمل عبر هذه الوسيلة لإنهاء المفارقة بين الدين و التدين . ولكن المحصلة العملية لذلك هو المزيد من الإخفاق و المآزق و التأزيم . فالعنف لا يجسر الفجوة , و إنما يعمقها , و الإرهاب هو سبيل تعميق المفارقة و ليس إنهاءها .

ولعل هذا من أهم المآزق التي تعانيها الساحة العربية و الإسلامية اليوم . فثمة جماعات و حركات عنفية و إرهابية , تحمل لواء الدين و ترفع شعاراته , إلا أن المحصلة العملية لجهدها و أفعالها الإرهابية و العنفية , هو المزيد من تشويه الإسلام و تعميق المفارقة و الفصام النكد بين الدين و أنماط التدين السائدة في الاجتماع الإسلامي المعاصر .

و يبدو أنه لا تجديد في العقل الإسلامي ولا إصلاح في الواقع الإسلامي , إلا بنقد و تفكيك أنماط التدين التي تنتج باستمرار ظواهر العنف و التكفير و الإرهاب في الواقع المعاصر .

لأن هذه الظواهر ليست رافعة للواقع الإسلامي , و إنما هي و متوالياتها و تأثيراتها المتعددة تزيد من الأزمات و المآزق , و تفضي إلى تدمير النسيج الاجتماعي للمسلمين , و تجعل جميع البلدان العربية و الإسلامية مكشوفة أمام الإرادات الإقليمية و الدولية التي تستهدف أمن و استقرار المسلمين في كل بلدانهم و أوطانهم .

و إن إحباطات الراهن الإسلامي , ينبغي أن لا تقود إلى تبني بناء مجموعات و تشكيلات أيدلوجية تتبنى خيار العنف و الإرهاب سبيلا لإنجاز رفعة و عزة المسلمين جميعا . لأن هذا الخيار يعزز من الاحباطاتت , ويساهم في تدمير ما تبقى من وحدة و تفاهم و ألفة بين المسلمين بمختلف مذاهبهم و مدارسهم .

فالوعي الديني الصحيح و الذي يرفض خيار العنف و الإرهاب مهما كانت الظروف و الصعاب , هو الذي يؤسس لوقائع و حقائق إسلامية جديدة , تحرر الواقع الإسلامي من ربقة الأفهام العنفية التي تقدم الإسلام بوصفه دينا للقتل و التفجير و الإرهاب .

ولعل من الأهمية في هذا السياق القول : أن نقد أنماط التدين ليس نقدا للدين , و إن الوقوف ضد بعض أشكال التدين , ليس وقوفا في مقابل الدين . و إن حرصنا على الدين ينبغي أن لا يقودنا إلى رفض عمليات النقد التي تتجه إلى أنماط التدين . لأننا نعتقد أن المستفيد الأول من عمليات النقد العلمي لبعض أنماط التدين هو الدين نفسه . لأن بعض أشكال التدين , تشكل عبئا حقيقيا على الدين و المجال الاجتماعي للدين.

و عليه فإن الضرورة المعرفية و الاجتماعية تقتضي التفريق الدائم بين الدين و أنماط التدين . و إن الكثير من البلاءات التي تواجه الواقع الإسلامي اليوم , هي نابعة من بعض أنماط التدين . و إن هذه البلاءات لا يمكن مواجهتها إلا بتفكيكها و نقدها من جذورها , حتى نتحرر من سجنها , و نتفاعل بوعي و حكمة مع قيم الدين الأساسية , التي هي قيم العدالة و المساواة و الحرية بعيدا عن إكراهات بعض أنماط التدين التي لا تقدم حلولا بل تضيف إلى مآزقنا مآزق جديدة .

3ـ بين السلطة و الدولة :

تتفق جميع التحليلات الاستراتيجية و السياسية أن ما جرى من تحولات سياسية في بعض البلدان العربية , هي تحولات طالت السلطة السياسية , بوصفها هي الجهاز المؤسسي و البيروقراطي المعني بتسيير شؤون الدولة و سياساتها الداخلية و الخارجية . و إن تفاقم إخفاق هذه السلطة في تلبية طموحات شعبها و تجاوز محنه السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية , هو الذي يوفر المناخ لتحرك الشعب بقواه المختلفة لإخراج السلطة من دائرة إدارة الشأن العام .

إلا أن هذه التحليلات تختلف مع بعضها البعض حول مسألة : هل القضاء على السلطة السياسية , يقود إلى القضاء على الدولة . أم أن الدولة بوصفها المؤسسة الثابتة و الضاربة بجذورها في عمق المجتمع , هي مؤسسة لا يمكن القضاء عليها بهذه السهولة أو بالطريقة التي جرت في دول الربيع العربي . و من الضروري في هذا السياق و من منظور علم الاجتماع السياسي , أن يتم التفريق بين مفهوم وحقيقة السلطة السياسية و مفهوم وحقيقة الدولة .

و إن من الأخطاء الشائعة على الصعيد العربي , التعامل مع هذين المفهومين بوصفهما حقيقة واحدة , بينما في المنظور العلمي و الواقعي يتم التفريق و التمييز بين السلطة و الدولة .

صحيح أن السلطة هي بعض الدولة , بمعنى أنها  ( أي سلطة ) هي الجهاز الإداري و التنفيذي للدولة إلا أن هذه المساحة الواسعة التي تحتلها السلطة إلا أنها لا تملأ كامل مفهوم الدولة . فالسلطات السياسية هي سلطات متحولة و متغيرة , إلا أن الدولة بوصفها مؤسسة متكاملة هي مستقرة و ثابتة و قادرة على التكيف مع سلطات سياسية مختلفة و متنوعة في خياراتها و أولوياتها .

السلطة مهمتها إدارة و تسيير الشأن اليومي للمواطنين , إلا أن الدولة هي المعنية بالسياسات الاستراتيجية و الخيارات الكبرى و قضايا الأمن القومي و صياغة اتجاهاتت السلطة سواء على الصعيد الداخلي أو الصعيد الخارجي .

ولعل من الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها النخب السياسية الجديدة في بعض بلدان الربيع العربي أنها اعتبرت حالها حين وصولها إلى السلطة إلى أنها قادرة على التحكم في مسار الدولة . إلا أنها في حقيقة الأمر اصطدمت مبكرا مع القوى الحقيقية التي تعبر عن الدولة , ولم تتمكن هذه النخب السياسية الجديدة من إنهاء تأثير قوى الدولة و تعبيراتها المركزية .

ولعل الكثير من صور الصراع السياسي و الشعبي و المؤسسي التي جرت في دول الربيع العربي بعد سقوط النظام السياسي , تعود في جذورها الأساسية و أسبابها البعيدة و الحيوية إلى السعي المتبادل من قبل قوى السلطة الجديدة و قوى الدولة الثابتة و المستقرة إلى التحكم في المسار السياسي العام .

ولكل طرف من هذه الأطراف حيثياته و مبرراته في سياق السعي للتحكم و ضبط المعادلات المستجدة وفق رؤية هذه القوى أو تلك . فالنخب السياسية الجديدة استندت في مشروع استحواذها على أنها صانعة التغيير السياسي الأخير , و هذا الإنجاز يؤهلها إلى التحكم في مسار السلطة و الدولة معا . أما القوى و المؤسسات الفعلية فكانت تعتقد أنه لولاها لما تمكنت هذه النخب من السيطرة على مقدرات السلطة السياسية . لأنها هي القوى التي حيدت المؤسسة العسكرية بكل أجهزتها , و هي التي منعت من الاستمرار في استخدام العنف العاري ضد الناس المتظاهرين , و إنها هي بحكم علاقاتها و تحالفاتها التي وفرت الغطاء الإقليمي و الدولي للحظة التغيير السياسي .

لذلك فإن هذه القوى تعتبر نفسها هي الشريك الأساسي الذي لا يمكن الاستغناء عنه , و إن أية محاولة جديدة للاستغناء ستفضي إلى الفوضى و انهيار مؤسسات السلطة و مؤسسات الدولة معا ..

و من منظور سياسي واقعي فإن جوهر الارتباط و بعض أشكال الفوضى والانفلاتش التي تعيشها بلدان الربيع العربي ، تعود إلى الاختلاف العميق الذي طرأ على المشهد السياسي و الاستراتيجي بين نخب السلطة السياسية الجديدة و نخب الدولة العميقة و الثابتة و المتحكمة في الكثير من مفاصل الحياة .

و إنه إذا تمكنت قوى السلطة الجديدة من التحكم في مسار الأحداث و التطورات , فهذا يعني على المستوى الواقعي سيادة الفوضى و بروز التناقضات السياسية و العميقة على المشهد السياسي و الاجتماعي .

أما إذا تمكنت قوى الدولة العميقة من إخراج النخب الجديدة من السلطة و التحكم مجددا بمفردها في مسار الأمور و التحولات , فهذا يعني على المستوى الواقعي إعادة إنتاج الاستبداد السياسي بقفازات جديدة و بخطاب سياسي جديد مقبول من قبل بعض فئات و شرائح الشعب . و لدى هذه الشرائح الاستعداد التام للانخراط المباشر في الوقوف دفاعا عن قوى الدولة العميقة و بالضد من نخب السلطة السياسية الجديدة .

و يبدو من طبيعة تحولات ما يسمى بالربيع العربي , أنه لا يمكن لأي قوة أن تحقق الانتصار الكاسح على القوة الأخرى.

لأن التحولات السياسية التي جرت في هذه البلدان , ليست تحولات نهائية , و إنما هي في بعض جوانبها شكل من أشكال التسوية , بحيث ترفع قوى الدولة يدها عن السلطة السياسية القديمة مما يوفر الأرضية بشكل سريع إلى انهياراها و هذا ما حدث في مصر و تونس و اليمن . وفي المقابل فإن النخب السياسية الجديدة تلتزم بالحفاظ على المؤسسات الاستراتيجية للدولة , و كذلك خيارات الدولة السياسية و الاستراتيجية . لذلك فإن ما جرى ليس انتصارا كاسحا لأحد الأطراف , و إنما هي تسوية سياسية بين بعض قوى الشعب التي تحركت ضد السلطة السياسية القديمة و طالبت بسقوطها و بين مؤسسات الدولة العميقة التي لم تقف ضد مشروع خروج النخبة السياسية القديمة من السلطة .

و بالتالي فإنه ثمة شراكة في مشروع التحول السياسي , هذه الشراكة هي التي تحول دون تفرد أي طرف من الأطراف بالمعادلة الجديدة . و النفق الجديد الذي دخلته بعض هذه البلدان هو الصدام المباشر  وفض الشراكة أو تبديل بعض أطرافها , مما أدخل الأوضاع السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في امتحان جديد , قد يكلف هذه الدولة أمنها و استقرارها السياسي و الاجتماعي خلال المرحلة الراهنة .

وعلى ضوء هذه الثنائية العربية العميقة بين السلطة و الدولة , لا يمكن أن ينجز مشروع الديمقراطية في العالم العربي دفعة واحدة , و إنما هو بحاجة إلى جهد مكثف و مؤسسي و على مدى زمني حتى تتمكن دول العالم العربي من إنجاز مشروع الدمقرطة و المشاركة الشعبية المؤسسية في إدارة الشأن العام .

و من يبحث عن إنجاز مشروع الديمقراطية دفعة واحدة و في ظل هذه الظروف , فإنه على المستوى العملي سيحصد وقائع مناقضة للديمقراطية و ستدخل تعبيرات المجتمعات العربية في أتون الصراعات و الصدامات التي تزيد من تعويق مشروع الديمقراطية في المنطقة العربية .

و عليه فإن التحولات  الإصلاحية السياسية في المنطقة العربية , هي من أسلم الخيارات للمنطقة العربية , التي تعيد صياغة  شرعية السلطة السياسية على أسس جديدة , و في ذات الوقت تنفس حالة الاحتقان الأمني السياسي التي تشهدها بعض بلدان المنطقة العربية . فالإصلاح السياسي المؤسسي و التدريجي والحيوي هو الذي يجنب دول العالم العربي الكثير من المآزق و التحديات .

4ـ فك الارتباط :

على المستوى العربي والإسلامي ، من الضروري فك الارتباط بين العلمانية والاستبداد أو الدين والاستبداد ، لأن هذا الربط خلق كوارث سياسية واجتماعية ، كما أن تجربة الإسلام السياسي خلقت مظاهر تدين عديدة ضد الدين .. فالاستبداد مرفوض سواء بغطاء علماني أو جلباب ديني ..

ونحن نعتقد أن أسهل طريقة لتعميم نموذج العلمانية المتوحشة ، هو في إضعاف القدرة المدنية للدين .. فالتعاليم الإسلامية لها تأثير على حقول الحياة ، وهذا التأثير بطبعه مدنيا ، أي أن نفوذ التعاليم الدينية ، لا يلغي البعد المدني للمؤسسات والهياكل الإدارية والاجتماعية .. وإن العمل على اجتثاث كل قيم الدين سواء الفردية أو الاجتماعية ، هو الذي يفضي إلى سيادة النزعة العلمانية المتوحشة في المجال الإسلامي وهي بالضرورة نزعة ستمارس القهر والاستبداد لتعميم أيدلوجيتها .. 

لذلك فنحن في هذا السياق الثقافي والمعرفي ، نفرق بين المدني والعلماني ، ونعتبر أن تجفيف المنابع المدنية من الدين ، هو الذي يمكن النزعات العلمانية – الالغائية من التحكم في المسارات الاجتماعية والسياسية ..

بينما تظهير القيم المدنية للدين ، هو الذي يبقي قيم الدين في الحياة العامة ،حتى لو كان النظام السياسي في جوهره معاد للدين وقيمه ..

وعلى المستوى الغربي برزت الدولة العلمانية لتحرير المجتمع من سيطرة الكنيسة ، والحيلولة دون تحكم رجال الدين بالقرار السياسي أو استخدام الدولة لفرض تفسير ديني ضيق على أفراد المجتمع ، أو فرض دين ما على مجتمع متعدد الأديان ..

ولم يؤد ظهور العلمانية في الغرب إلى محاربة المؤسسة الكنسية أو الدينية ، بل أدى إلى حمايتها من تسلط الدولة الحديثة ذات الصلاحيات الاجتماعية الواسعة والحيلولة دون استصدار قوانين تحد من حرية الأديان ..

وفي تقديرنا أن المسار العلماني الذي تأسس في الغرب ، لا يستهدف تقليص دور ووظيفة الدين ، وإنما إضعاف وتفكيك ظاهرة التسلط والاستبداد التي مورست باسم الدين .. وبون شاسع بين مقولة إخراج الدين من الحياة العامة ، ومقولة تفكيك ظاهرة الاستبداد والتسلط الديني ..

ولكون مجتمعات ما قبل الحداثة السياسية ، تتسم بحالة مزمنة من الصراع الديني والطائفي والتدابر السياسي العنيف بحكم عجزها عن تلمس طرق الوفاق وتوليف المصالح المتضاربة ، فإن مجتمعات الحداثة السياسية ( وهي من الأطوار التي ننشد الوصول إليها ) تتسم بقدرة على السيطرة على معضلة الانقسام الديني والطائفي والسياسي استنادا إلى مبدأ حيادية الدولة ، ثم باعتماد آليات وفاقية بين الأفراد والمجموعات بصورة عقلانية خارج حلقة المنازعات الدينية والمذهبية ..

وفي هذا السياق من المهم بالنسبة إلى جماعات الإسلام السياسي إلى تصويب علاقتها مع النشاط الدعوي بوصفه يحاكي ما ينبغي أن يكون ، وبين النشاط السياسي بوصفه يعنى بإدارة اللحظة الراهنة وفق المعطيات القائمة . وتوضح العديد من التجارب إن الخلط والتداخل المفتوح بين الدعوي والسياسي , يفضي إلى خلق التباسات عديدة , سواء داخل القاعدة الاجتماعية للجماعات الإسلامية وبالذات فيما يتعلق والأداء ، وبعض المواقف السياسية , كما انه يخلق التباسات عند الجماعات السياسية المنافسة , التي لازالت تتأرجح في التعامل مع الجماعات الإسلامية . لذلك فان الفصل الموضوعي بين الدعوي والسياسي , يعد ضرورة عملانية ,لتوفير كل أسباب النجاح للعملين معا . بحيث يتشكل لكل جماعة أو إطار آليات عمل منسجمة وطبيعة الأهداف المتوخاة منه .وبهذه الآلية يتم حماية العمل الدعوي _ التبليغي من أية أعباء سياسية أو ميدانية , كما انه يوجه الطاقات والكفاءات صوب العمل الرئيسي الذي تقوم به . ووفق هذه الآلية يتم فض الاشتباك بين الدعوي والسياسي في الإطار السياسي الواحد .

5- الإسلام السياسي بين خيارين :

 تعتبر قمة شرم الشيخ المنعقدة في آذار عام 1996 م و التي شاركت فيها أمريكا و الدول الغربية و إسرائيل و بعض الدول العربية , هي اللحظة التأسيسية التي اجتمعت فيها الإرادات الدولية و الإقليمية لمحاربة ما سمي آنذاك ( الإرهاب ) و هو الاسم المستعار للقوى الأصولية المختلفة . ولعل الإشكالية الحقيقية المترتبة على هذا المؤتمر و غيره من المؤتمرات هو تغليبه للرؤية الأمنية , و البحث عن حلول أمنية لظاهرة اجتماعية ـ سياسية معقدة و تتداخل فيها الكثير من العوامل و الأسباب . لذلك كانت النتائج المترتبة على هذه الاجتماعات و الالتزاماتت الأمنية المتبادلة , هو المزيد من سفك الدم و إدخال المنطقة في أتون التوتر الدائم و خلق المناخ الاجتماعي و السياسي المشجع بطريقة غير مباشرة لمشروع الأصوليات الإسلامية المتطرفة و العنفية في آن . ( و لقد تغلب منطق التجريم بشكل قاهر على منطق التقويم و التحليل . و منذ الحادي عشر من أيلول و هم يكررون على مسامعنا أن الديمقراطيات و سائر المدافعين عن الحرية و التسامح سيواجهون الخطر الإرهابي للإسلام السياسي الأصولي ) (3).

و لاشك أن الرؤية السياسية ـ الأمنية , التي استندت إليها القوى الدولية و أكثرية الأنظمة السياسية في المجالين العربي و الإسلامي , في طريقة التعامل مع ظاهرة الإسلام السياسي , ساهمت في دفع بعض الجماعات دفعا نحو تبني خيار العنف و المواجهة المفتوحة مع الأنظمة السياسية و المجتمعات العربية معا . و رفض هذه الجماعات إلى النموذج الغربي , لا يعود إلى ديمقراطية هذا النموذج كما تروج بعض الأقلام الغربية , و إنما لشعور هذه الجماعات الراديكالية العميق أن الدول الغربية هي الداعم الأمني و السياسي الأول لأنظمة الاحتكار و الاستبداد التي تواجهها هذه الجماعات . فالرفض يعود في تقديرنا إلى الخيارات السياسية الغربية في المنطقة , التي تتجه دائما صوب دعم الأنظمة و الحكومات , حتى لو كانت هذه الأنظمة هي صانعة العنف الأول في دولها . و هذا يعود إلى الطبيعة البرغماتية للسياسات الغربية في المنطقة . فهي سياسات تبحث عن مصالحها بعين واحدة ، لذلك هي المساند الأول لأنظمة الاستبداد في المنطقة ، و لاشك أن دعم الاستبداد المفتوح هو الذي يقود إلى رفض هذه النموذج لثقافة و ازدواجية المعايير لديه فهو ينادي بالديمقراطية , و لكنه هو المحارب الأول لكل المحاولات الديمقراطية في المنطقة دفاعا عن مصالحها و رؤيتها الاستراتيجية للمنطقة . 

و هذا ليس تبريرا لظاهرة العنف الأصولي , و إنما للقول : أن هذه الظاهرة هي وليدة عوامل و أسباب عديدة و مركبة منها الأداء الغربي و التحالفات الغربية في المنطقة . و نحن هنا لسنا في صدد بيان موقف قيمي من ظاهرة العنف الأصولي , و إنما في سياق تفسير هذه الظاهرة في تحولات المنطقة السياسية و الأمنية و الثقافية . 

وإن بنية المجتمعات العربية و الإسلامية , لا يمكن أن تستغني عن الدين و قيمه في حياتها المختلفة . و لكن في ذات الوقت الذي نقر بأنه لا يمكن الاستغناء عن الدين و مبادئه في حياة العرب و المسلمين , في ذات الوقت نرى أن حضور الجماعات الإسلامية في الدولة انطلاقا من مشروعها الأيدلوجي و السياسي , أبان عن انقسامات عميقة في واقع الاجتماع العربي و الإسلامي . لأن الجماعات الأيدلوجية بصرف النظر عن طبيعة و جوهر هذه الأيدلوجيا , هي نزاعة إلى استخدام مقدرات الدولة و السلطة لتعميم أيدلوجيتها و إدخال الآخرين المختلفين و المغايرين فيها .

و لكون هذه الجماعات وصلت إلى السلطة , فإنها استخدمت كل مقدرات الدولة و السلطة لتعميم أيدلوجيتها . و هذا بطبيعة الحال يقتضي الاندفاع باتجاه الهيمنة على كل المواقع و المناصب السيادية و السياسية , حتى يتسنى لها تنفيذ أجندتها الأيدلوجية , و من جهة أخرى حتى لا يتمكن الخصوم من العودة إلى الدولة و السيطرة عليها مجددا .

و هذه الاستراتيجية ستفرض على الجماعات الإسلامية تقديم أهل الثقة على أهل الكفاءة في تحمل المسؤوليات الوطنية الكبرى , مما يفضي إلى ارتكاب أخطاء و خطايا تزيد من اللاثقة بين مجموع القوى و المكونات السياسية و هذا بدوره يفضي إلى المزيد من تشبث أهل السلطة الجديدة بسلطتهم في ظل واقع سياسي و اجتماعي و اقتصادي , يتطلب معالجات و حلول سريعة , لا تمتلك هذه الجماعات القدرة على إنجاز هذه الحلول . فتكون النتيجة الطبيعية نخبة أيدلوجية ـ سياسية جديدة , تتمحور حول السلطة و تسعى إلى إدارتها , دون امتلاك كل مراكز القوى في هذه المؤسسة . و مجتمع بكل فئاته ينتظر حلول سحرية و سريعة لإخراجه من أزماته الأمنية و المعيشية و التنموية و السياسية و الاقتصادية , و قوى سياسية شريكة للنخبة السياسية السائدة حديثا في مرحلة النضال السلبي , إلا أنها مستبعدة من شؤون الحكم و السلطة الجديدة .

و مع كل هذه القوى , ثمة قوى أخرى تنتمي إلى مؤسسات الدولة العميقة , تعمل بخبرتها و دهائها و ارتباطاتها و تحالفها الداخلية و الخارجية ,  لإيقاف عجلة التغيير و الإصلاح . في ظل هذه الأوضاع المتداخلة و المتشابكة في كل شيء , تأتي خطايا الجماعات الأيدلوجية الحاكمة حديثا دون امتلاك كل أدوات الحكم الفعلي , لكي توفر الغطاء أو المناسبة للعمل على إعادة و إنتاج الأنظمة الشمولية ـ الاستبدادية بأسماء جديدة و مسوغات لها ما يؤيدها في الواقع الشعبي , من جراء اندفاع الأمور صوب إما خيار الفوضى و الآمال المحطمة و الخلافات السياسية و الأيدلوجية التي لا تنتهي بين أطراف القوى السياسية الجديدة ,  أو خيار الأمن و إخراج الدولة و مؤسساتها من الفوضى التي بدأت تبرز في كل هياكلها و مؤسساتها . ولا ريب أن تقديم الأمن على الحرية , يفضي على المستوى العملي إلى عودة النخب السياسية و الأمنية السابقة لسدة الحكم بزخم شعبي لاقى الويلات من الفوضى و آثارها المختلفة .

من هنا فإننا نرى و على ضوء متغيرات بعض ساحات الربيع العربي العمل على  إخراج النخب السياسية الجديدة بوسائل غير ديمقراطية بفعل نزعة الاستحواذ و الخطايا الكبرى التي ارتكبتها النخبة السياسية الجديدة , أن هذه المتغيرات أنهت إلى حد بعيد إمكانية وصول جماعات إسلامية ـ أيدلوجية إلى السلطة في العالم العربي مجددا .

وعلى ضوء كل ما ذكر أعلاه ، نستطيع القول : أن المجال العربي وتحولاته الكبرى اليوم ، أدخلته في مرحلة جديدة ، وإن هذه المرحلة تتطلب تحولات فكرية وسياسية عميقة في جسم وثقافة الفاعلين في الحقل السياسي .. ومن ضمن هؤلاء جماعات الإسلام السياسي ، إذ إنها معنية بضرورة التحول والانتقال من الأصولية إلى المدنية ، وهذا يتطلب منها الآتي:

1- إنها بحاجة أن تقدم نفسها بوصفها جماعة سياسية ، تنشط في الحقل السياسي ، وتتعاطى مع شؤونه المختلفة على قاعدة برنامجها السياسي .. وهذا يقتضي منها خلق مسافة حقيقية بينها كجماعة سياسية وبين النشاط الدعوي – التبليغي .. لأن عملية الخلط تفضي إلى التباسات في طبيعة التكوين الثقافي والسياسي الداخلي وأولوياتها لدى الجماعات الإسلامية ، وطبيعة الأدوار والوظائف التي تقوم بها على المستويين الاجتماعي والسياسي ..

وهذا مع شروط أخرى ، هو الذي يقود الجماعات الإسلامية إلى التحول من جماعات أيدلوجية مغلقة إلى جماعات ديمقراطية – تعددية ، تستوعب منجزات العصر الحديث ، وتتواصل بحيوية مع شركائها في المشهد السياسي على قاعدة البرنامج السياسي الذي ينشد العدل والحرية والإنصاف للوطن كله من أقصاه إلى أقصاه ..

2- تطوير مستوى الاستعداد والقابلية الفكرية والسياسية لنظام الشراكة وبناء التحالفات مع القوى السياسية الفاعلة في المشهد السياسي .. ونعتقد أن التخفيف من الأيدلوجيا لصالح البرنامج السياسي في بعديه المرحلي والاستراتيجي ، سيؤدي إلى توسيع مساحة التلاقي والتفاهم مع قوى سياسية عديدة على قاعدة البرنامج السياسي وأولويات النضال السياسي ..

3- من الضروري في هذا السياق التفريق بين مفهوم الالتزام السياسي بقضايا الوطن والمجتمع ، وبين الخضوع لانقساماته وتشظياته .. إذ لا يمكن التحول المدني على نحو حقيقي إلا بتعالي الجماعات السياسية عن انقسامات المجتمع الأفقية والعمودية ..

فهي أي الجماعات السياسية على المستويين الثقافي والسياسي ، ليست تعبيرا عن انقسامات المجتمع الداخلية ، بل رافعة سياسية ومجتمعية لإخراج المجتمع من انشقاقه الداخلي ، وذلك عبر تبني مشروع وطني ، يتجاوز الانقسامات التاريخية ، ويعمل على إيجاد مقاربات ومعالجات جديدة لهذه الانقسامات على قاعدة الوطن والمواطنة الجامعة..

4- إن التحول صوب المدنية والديمقراطية والتعددية ، ليس تكتيكا سياسيا ، يستهدف تحقيق أغراض سياسية مرحلية ، وإنما هو تحول فكري عميق يعيد تفسير قيم الدين على قاعدة التراث العقلاني – الإسلامي ، والتواصل والتفاعل مع الأفكار الإنسانية الكبرى ، والنقد العميق للتجارب السياسية والفكرية السابقة ، وإعادة الاعتبار لكل العطاءات والمحاولات الفكرية التي سعت من أجل التجديد والإصلاح في المجالين العربي والإسلامي ، وتظهير الفهم المقاصدي للإسلام ، والتعامل مع قناعات الذات والآخر بوصفها قناعات غير نهائية ونسبية وخاضعة لظروف زمانها ومكانها ..

أحسب أن هذه الرؤية أو الخريطة الفكرية – السياسية ، تساهم في عملية الانتقال والتحول من الأصولية إلى المدنية ..

وأدعو جميع الفعاليات الدينية والثقافية والسياسية إلى إثارة النقاش الجاد وإطلاق الحوارات العميقة التي تستهدف إثراء المناخ الاجتماعي والثقافي للمساهمة في بناء حركة إسلامية – ديمقراطية ، تعددية ، تشاركية ، لأنها أحد الشروط الأساسية للقبض على مستقبل المنطقة العربية والإسلامية  فكريا وسياسيا بعيدا عن أنظمة الاستبداد السياسي وغلواء وعنف بعض جماعات الإسلام السياسي ومؤامرات قوى الهيمنة الأجنبية ..

      ----------------------------------------------

الهوامش :

1ـ عبد الله العروي , مفهوم الحرية , ص 17 , المركز الثقافي العربي , الطبعة الخامسة , بيروت , الدار البيضاء 1993م.

2ـ للاستزادة يمكن العودة الى كتاب عزمي بشارة , الدين والعلمانية في سياق تاريخي , الجزء الاول , المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات , الطبعة الاولى , بيروت 2013م.

3ـ فرانسوا بورغا , الاسلام السياسي في زمن القاعدة , ترجمة سحر سعيد , ص14, شركة قدس للنشر والتوزيع , الطبعة الاولى , بيروت 2006م.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


محمد محفوظ

الاسم: الشيخ الأستاذ محمد جاسم المحفوظ.

مكان وتاريخ الميلاد: ولد بسيهات عام 1966م


النشأة والدراسة:
-تلقى تعليمه الأولي في مدارس سيهات
- التحق بحوزة القائم ودرس فيها ودرس لمدة أربعة عشرعاما


المهنة والعمل:
كاتب، مدير تحرير مجلة "الكلمة" مدير مركز آفاق.


الأعمال والنشاطات:
- ساهم في إدارة مجلة "البصائر".
- شارك في تأسيس مجلة "الكلمة" وهي مجلة فصلية تعنى بالقضايا الفكرية والثقافية.
- شارك في العديد من المؤتمرات الفكريةوالثقافية.
- كتب مقالات ثقافية واجتماعية وفكرية في جريدة اليوم السعودية.
- له كتابات كثيرة ومتنوعة خاصة في المجال الفكري
-له حضور بارز في الندوات والمنتديات الثقافية والأدبية في المنطقة
- يكتب مقالا أسبوعيا في جريدة الرياض .


المؤلفات والإصدارات:
1- الإسلام مشروع المستقبل ، دار النخيل ، بيروت .

2- نظرات في الفكر السياسي الإسلامي ، دار الصفوة ، بيروت .
3- الإسلام ، الغرب وحوار المستقبل ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
4- الأهل والدولة بيان من أجل السلم المجتمعي ، دار الصفوة ، بيروت .
5- الفكر الإسلامي المعاصر ورهانات المستقبل ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
6- الأمة والدولة من القطيعة إلى المصالحة لبناء المستقبل ، المركز الثقافي العربي، بيروت .
7- الحضور والمثاقفة - المثقف العربي وتحديات العولمة ، المركز الثقافي العربي، بيروت .
8- العولمة وتحولات العالم – إشكالية التنمية في زمن العولمة وصراع الثقافات ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
9- الواقع العربي وتحديات المرحلة الراهنة ، دار الإشراق الثقافي ، بيروت .
10- العرب ومتغيرات العراق ، دار الانتشار العربي ، بيروت .
11- الإسلام ورهانات الديمقراطية – من أجل إعادة الفاعلية للحياة السياسية والمدنية ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
12- الإصلاح السياسي والوحدة الوطنية – كيف نبني وطنا للعيش المشترك ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
13- الحوار والوحدة الوطنية في المملكة العربية السعودية ، دار الساقي ، بيروت .
14- الآخر وحقوق المواطنة ، مركز الراية للتنمية الفكرية ، دمشق .
15- شغب على الصمت ، مركز الراية للتنمية الفكرية ، دمشق .
16- ظاهرة العنف في العالم العربي – قراءة ثقافية ، كتاب الرياض ، عدد 144 .
17- أوليات في فقه السنن في القرآن الحكيم ، مركز الراية للتنمية الفكرية، دمشق .
18- التسامح وقضايا العيش المشترك ، مركز أفاق للتدريب والدراسات ، القطيف 2007م.
19- سؤال الثقافة في المملكة العربية السعودية. دار أطياف
20- العرب ورهانات المستقبل الوطنية. جرديدة الرياض
21- الحوار المذهبي في المملكة العربية السعودية . دار أطياف
22- الإصلاح في العالم العربي. دار العربية للعلوم.
23- المواطنة والوحدة الوطنية في المملكة العربية السعودية. نادي حائل الأدبي.
24- ضد الطائفية. المركز الثقافي العربي.
25- الأسلام والتجربة المدنية مقاربة أولية. كراس صغير
26- الحوار أولا ودائما . كراس صغير
27- ملامح حقوق الإنسان في التشريع الإسلامي. كراس صغير
28- حرية التعبير في التشريع الإسلامي . كراس صغير

2016/06/22 | مقالات | القراءات:6401 التعليقات:0
2016/06/12 | مقالات | القراءات:6418 التعليقات:0
2016/05/12 | مقالات | القراءات:6317 التعليقات:0
2016/04/12 | مقالات | القراءات:7266 التعليقات:0
2016/03/23 | مقالات | القراءات:7401 التعليقات:0


ارسل لصديق