(التحولات الاجتماعية في المملكة) في حوار مع الدكتور اللويمي
صحيفة القبس الكويتية
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2014/11/17
التعليقات: 0 - القراءات: 2998

ان التحولات التي افرزتها الطفرة النفطية في المملكة هي من سنخ التحولات المعقدة و المركبة التي أحالت البنية الفكرية الاجتماعية و الثقافية للانسان السعودي الي واقع جديد في تركيبه و تعقيده و تنوعه.

التحولات الاجتماعية التي تشهدها المملكة منذ بداية الطفرة النفطية وحتى الآن.. هل تراها ايجابية في عمومها؟.

التحولات الاجتماعية هي سنة الحياة و تأخذ اشكالا مختلفة في المحتوى و المظهر. فالمجتمع يتبدل في سلوكه و اخلاقياته و اعرافه في حركته في الحياة بشكل هاديء. و قد تأتي التحولات الاجتماعية بشكل معقد و مركب و يرجع بالدرجة الاساس للتحول الشامل و الكامل للحياة الاقتصادية و مواردها التي تؤدي إلى إفراز انماط جديدة و اشكال مستجدة في الحياة الاجتماعية تؤدي الى انقلاب كامل في قيم المجتمع و اعرافه و ثقافته الاجتماعية. ولكن التحولات لا تعني بأي شكل من الاشكال تحول نحو الافضل بل قد يكون نكوصا و تراجعا. 

ان التحولات التي افرزتها الطفرة النفطية في المملكة هي من سنخ التحولات المعقدة و المركبة التي أحالت البنية الفكرية الاجتماعية و الثقافية للانسان السعودي الي واقع جديد في تركيبه و تعقيده و تنوعه. ان هذه التحولات التي  اتسمت بالكثير من الوجوه الايجابية المهمة كما جاء في خضم انتاجها و تخلقها بالسلبيات التي طبعت جوانب لا يمكن اغفالها من الحياة في المملكة اليوم. اما علي الجانب الايجابي، فالنفط هبة الله العظمى التي وهبها لهذه الارض ففتح علي الدولة الحديثة النشأة و الجديدة التشكل، المملكة العربية السعودية، ثروة لا تنضب و فرص هائلة أثرت بشكل بنيوي علي شكل و هيئة و انماط الدولة والمجتمع لولاه لما شهدت هذه الارض هذا التحول الهائل و الانقلاب الحضاري و المدني المذهل. لعبت ثروة البترول دورا مهما في تسارع بناء الدولة السعودية من خلال جانبين مهمين، الاول بناء الدولة في مؤسساتها و تشكيلاتها الحديثة لتنتج دولة قطرية ذات سيادة و اعتبار دولي كبير من خلال جهاز حكومي مركزي معقد و متنوع و تشكيلات واسعة. و الثاني حركة تنمية مضطردة و واسعة و شاملة لإحالة مجتمع بدوي و ريفي متشرذم و مفكك إلى ما يعرف اليوم بالتعريف السياسي الحديث "الشعب".

 أما على الجانب الاول فالدولة السعودية بما در عليها   البترول من ثروة هائلة تمكنت من ثبيت اركانها ببناء دولة مركزية قوية استطاعت ان تلم شمل الاطراف المتباعدة من المملكة الحديثة النشأة تحت مظلة من اجهزة ادارية و امنية و اقتصادية تأسست بفضل الميزانيات التي تغذت و تزودت من هذه الثروة البترولية. أن هذا التأسيس و التشكل للدولة هو الذي احال مفهوم الوحدة إلى حقيقة مدنية سياسية واقعية بفضل ما امتلكت الدولة من حضور و هيمنة. ان الوحدة الجغرافية السياسية للمملكة اخذت حركة متسارعة بفضل مركزية الدولة و مشاريعها التنموية إلى وحدة مدنية تعمل علي ازالة الحواجز النفسية و الجغرافية لدمج المجتمعات المشتته من جنوبها و شمالها بشرقها و غربها. و هكذا و بفضل هذه القوة الاقتصادية الهائلة ولدت دولة قطرية ذات سيادة مهيمنة في الجسد العربي و الاسلامي الحديث.

 إما على الجانب الثاني و لاجل ان يتجذر وجود الدولة و يتمظهر هيمنتها كان لابد من البدء بحركة بناء و تأسيس يستكمل الوجه الاخرمن الدولة و سيادتها و هو الشعب. فوظفت الثروة النفطية في مسيرة تنموية  طويلة و شاملة يمكن اجمالها في ثلاث جوانب اساسية، التعليم ، النظام الاداري المؤسسي و البنية المدنية المعمارية. و لعل من اعظم المؤثرات الايجابية التي اسهمت في الدفع نحو تشكل و اندماج الجماعات الاجتماعية المتباعدة و المتنوعة في جسد الدولة الحديثة نحو مفهوم ما يعرف بالمواطنة المبنية على فكرة الدولة الحديثة هو التعليم في مختلف ابعاده و اشكاله. ان الاستثمار الكبير في البنى الاساسية للتعليم الداخلي و الخارجي المتمثل بالابتعاث كان له الاثر البالغ و البنيوي في بروز الطبقة الوسطى التي تمثل المحور الاساس للمجتمع الحديث بما تمتلك من طاقات ثقافية و فكرية و مهارات علمية و مهنية تساهم في البناء الذاتي للدولة و المجتمع. و كان من نتاج الحركة التنموية في بناء النظام المؤسسي الاداري و الاقتصادي للدولة بروز الطبقة البرجوازية كطبقة اجتماعية جديدة في المجتمع السعودي امتلكت الثروة و النفوذ و لعبت دورا متزايدا و استراتيجيا في بناء الشكل الحاضر لمراكز القوى الاجتماعية و الاقتصادية في المملكة.

و كما افرزت الطفرة النفطية كل هذ التحول البنيوي في المملكة ليشكل الوجه الحاضر للمجتمع السعودي المدني و الاقتصادي كان للطفرة النفطية الاثر البالغ في تاسيس المعوقات الثقافية و الفكرية في البنية العقلية لهذا المجتمع. لاشك ان المجتمع السعودي في تشكله المدني الحاضر هو صناعة الحكومة بامتياز. اذ عملت الدولة و برعاية ابوية و تخطيط متفرد في بناء ملامح و تفاصيل هذا المجتمع كما اشار الى ذلك الكاتب عبد العزيز الخضر في كتابه: السعودية سيرة دولة و مجتمع (الشبكة العربية للابحاث و النشر-بيروت ٢٠١٠) 

((هذه النقلة بكل تفاصيلها الكبيرة و الصغيرة الفكرية و المادية جاءت تحت مظلة الدولة و وفق خططها و معاييرها السياسية و الدينية و الاعلامية، و لم توجد أي مصادر أخرى و معطيات ذات اهمية بالغة التأثير في المجتمع، خلال ثلث قرن الذي تمت فيه عملية الانتقال و تداخلت خلال تلك الفترة ثلاثة اجيال و نشأت تحت مظلة هذه الرعاية الحكومية و لم توجد جهات و منظمات او حتى وسائل اعلام محلية مستقلة في خطابها و رؤيتها للمجتمع و العالم في تقييم هذه التحولات و التأثير فيها حتى الافراد الذين تخلصوا من هذه البرمجة الحكومية و النمطية السعودية لم يتح لهم خلال هذه العقود التعبير عن اقتناعاتهم المختلفة إلا في شكليات محدودة و ليس في عمق هذه الاستراتيجية و اتجاهاتها.))

ان هذا التشكل لبنية المجتمع الفكرية و الثقافية تم بمعزل او شبه غياب لمشروع ثقافي يشكل البعد الوجداني و المعنوي للمجتمع و كانت الغلبة الكبري لمظاهر الثقافة الاستهلاكية مع عناية فائقة بالجانب الديني العقدي و الفقهي المؤدلج الذي شكل مساحة كبيرة من منهج التعليم العام و الاعلام المرئي و المقروء. و لعل هذا الغياب الواضح تتشخص ملامحه اليوم في هذا الفوضى الفكرية و الصدام الحاد على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الذي يعود بالدرجة الاساس لضعف ادوات التواصل الفكري و الثقافي في المفاهيم التي تشكل حالة اختلاف او تنازع في المجتمع كالطائفية و المرأة و حقوقها و الانفتاح و سعته و اشكاله و مفهوم العمل الاسلامي في بعديه الاجتماعي و السياسي. ان من اهم ما يمكن الاشارة اليه من المظاهر السلبية التي ما فتأ السواد الاعظم من المجتمع يفرزه هو القصور الحاد في تقييم التجربة التي خاضها المجتمع في عملية التحول و التغيير بالرغم من الحركة التعليمية الواسعة و الاحتكاك المباشر مع مختلف الجنسيات و الثقافات من الوافدين في المملكة و هذا القصور يرتكز بالدرجة الاساس الى آثار غياب ذلك المشروع الثقافي الفكري و بالتالي فان الرعاية الابوية للحكومة مهما بلغت من حسن نوايا تركت فراغات لا يمكن اغفالها من افرازات سلبية في حياة المجتمع اليوم و العودة في هذا التشخيص للمصدر السابق:

((إنفراد أي حكومة في تشكيل و توجيه مجتمعها ـ مهما كان الغرض نبيلا ـ لتوعية الشعب و رفع مستواه سيفرز سلبيات كثيرة ليس بسبب سوء نية بقدر ما أن الافراد و المجتمعات ذوو طبيعة انسانية عندما تتعرض لبرمجة و لغة واحدة تتأثر باتجاه واحد  من دون وجود خطابات أعلامية و ثقافية و دينية أخرى تصحح و تنتقد، فأن العيوب تتراكم و لا ينتبه لها الابعد زمن تنفجر بصورة سلبية. فمهمة التصحيح للفكر الديني الآن في المجتمع السعودي أكثر صعوبة منها قبل ثلث قرن و مهمة التوعية السياسية العصرية أكثر خطورة منها في مراحل سابقة)).

ماهي المحركات الأبرز لعملية التحول الاجتماعي في المملكة؟.

هناك من المحركات التاريخية التي عملت على تشكيل الوجه الحاضر للمجتمع السعودي و التي فقدت بريقها وتأثيرها الديناميكي في تحريك المجتمع السعودي. فالتعليم العام و الجامعي كاداة لمحو الامية و بناء المهارات العلمية العامة و التأثير الثقافي لم يعد له ذلك الأثر التحريكي اذا ما استثنينا التعليم في اطار الابتعاث و خصوصا في اطار برنامج خادم الحرمين الشريفين العملاق الذي ينضوي تحته الاف الطلبة السعوديين و الذي سنشير له في موقعه. فالتعليم لم يعد عاملا محركا لاستيفاءه متطلباته و مؤثراته التاريخية. اما المحركات الابرز في الوقت الحاضر هو هذا الظهور الواضح و المتميز للطبقة الوسطى في المجتمع السعودي و التي تتكفل بحركة تنويرية محمومة و مواجهة ثقافية و فكرية مع التيار التقليدي الديني و الطوبائين من دعاة الخصوصية. و يشكل كتاب الرأي في الصحف السعودية و بعض الاقطاب الفكرية من الجامعات السعودية و النوادي الادبية الواجهة الثقافية التي تسهم بشكل أكبر في الحركة التنويرية للمجتمع السعودي. و لعل الانفتاح المذهل الذي جاءت به وسائل الاتصال الحديثة و على رأسها و سائل التواصل الاجتماعي البوابة الاكبر التي مكن طبقة واسعة من المجتمع السعودي و على رأسها الشباب للتواصل و التعبير و التدريب على مفاهيم الحوار و التثاقف. 

و بالتالي يمكن ان يقال ان المجتمع السعودي لم يعد ذلك المطواع الذي يمكن ان يكون مادة مرنة للمشروع الحكومي الابوي الذي مارسته الدولة في ابان مسيرة التنمية و البناء. فالمجتمع السعودي فلت من عقاله و تجاوز مرحلة الطفولة و غادر المراهقة و هو في حال من البلوغ الراشد المبكر الذي ينشد تحديد شخصيته و يبحث عن دوره في المساهمة في بناء الدولة السعودية الحديثة و يشارك في رسم ملامحها المستقبلية .

و يضخ الابتعاث اليوم قيم و مفاهيم و تطلعات لا يستهان بها من العائدين من الابتعاث. المبتعثين العائدين الذين احتكوا ببيئات ثقافية و علمية متقدمة و مختلفة للواقع الاجتماعي المحلي ويجدوا في نقل تجاربهم و مواءمتها مع متطلبات الواقع الوطني الراهن لا مناص منه لخلق طفرة علمية و فكرية.

و بالرغم من حيوية و فاعلية هذه المحركات التي لا يستهان، بها فالحكومة ما زالت  تملك المحرك الاقوى  لمبادراتها في خلق مبادرات اجتماعية مهمة في توجيه التحولات الاجتماعية . من هذه المبادرات المؤثرة التي خلقت حركة اجتماعية مهمة في بداية انطلاقها تجربة الحوار الوطني خصوصا الحوار الاول و الثاني و لكن تحول مسار الحوار من بيئة حوارية فاعلة لبيروقراطية حكومية أفقد زخمه، و مع ذلك كان له بعض التأثيرات الاجتماعية المهمة كتعزيز حقوق المواطنة و تقديمها علي الاعتبارات التقليدية السابقة و ظهر هذا جليا في بيان الشيعة في المنطقة الشرقية و الذي أطلق عليه (شركاء في الوطن). كما لعبت انتخابات المجالس البلدية دورا لا يستهان به في اختبار قابلية المجتمع السعودي  للتعاطي مع بعض المفاهيم الديمقراطية. حيث لعبت الحملات الانتخابية عاملا محفزا و مثورا لاختبار قدرة المجتمع على تجاوز الثقافة التقليدية كالقبلية و الطبقية و الطائفية و الدفع نحو مفهوم الكفاءة المهنية و العلمية. وقد صاحبت هذه التجربة إثارة ركام خامد و كامن في الثقافة الاجتماعية التقليدية من الطبقية و الطائفية و القبلية اظهر حجم التحدي التي يواجهه المجتمع لمغادرة هذه الظواهر الاجتماعية المعوقة. و بالرغم من تجربة الانتخابات الاولي الايجابية في اختبار امكانات المجتمع لممارسة الديمقراطية توقفت هذه التجربة من جديد في أروقة البيروقراطية الحكومية و لإستنفاذها لبعض الغايات التي كانت من وراء انطلاقها.

فالحكومة في كل ما تبادر به ما زال هو المحرك الابرز الا ان التجاوب و التفاعل معه يثير من التيارات و التفاعلات المتباينة التي لا يستهان بها علي عكس ما كان للحكومة من تأثير متفرد و عميق في ما سبق.

ماهي المصائر التي تواجه عملية التحولات الاجتماعية على المديين القريب والبعيد؟.

لا يمكن رسم مصير واضح لحركة التحولات الاجتماعية في بعدها القريب ناهيك عن البعيد منها و بشكل دقيق. اذ ان جوانب كثيرة من دوافع و البنى التحتية لسلوك الحراك الاجتماعي للمجتمع السعودي ما زال غامضا و مشتتا بين الماضي و الحاضر. أما الصناعة التي انتجت المجتمع السعودي المعاصر ما زال بناها و ادواتها تأخذ بكثير من زمام العقل الجمعي للمجتمع. فلا يمكن اغفال سنوات من التوجيه الفكري في هيمنة الخطاب الديني الموجه و المؤدلج و الذي انجب هذا الافق الضيق و الاحادي الذي يتشخص في جوانب من افرازاته في قناعة حكمت المنطق الاجتماعي لسنوات طويلة بان للمجتمع السعودي خصوصية مميزة و متفردة عن المجتمعات الاخرى. كما ان البناء الثقافي في مشاربه المختلفة و المتنوعة ما زال هشا لا يمتلك مقومات يستعين بها العقل الجمعي لتفكيك و قراءة العوامل المحركة الراهنة و المستقبلية للحراك الاجتماعي ناهيك عن التحكم بها، و هو يفرز بشكل واضح لمعالمه في النقاشات الجادة على صفحات التواصل الاجتماعي. فالمراهنة علي التعددية و قبول الآخر و الحوار الوطني تصبح صادقة بحجم ما يستطيع المجتمع إعادة ترتيب و تركيب ادواته الفكرية و الثقافية السالفة الى ادوات أكثر موائمة و انسجاما مع متطلبات الحاضر. و يمكن اتخاذ من بعض الممارسات التي ما زالت راهنة في عقل الباطن للمجتمع السعودي  و هي تفرز سلوكا يعبر عن البعد الشوفيني في تحكيم  الامور كادوات استشراف للقريب و البعيد من التحولات الاجتماعية  و هي الطائفية و المواطنة و الحوار و التعددية.

فما زال هناك سلوك عنصري طائفي لا يستهان به في البني الثقافية لطبقة واسعة من المجتمع السعودي بالرغم من التعليم العال و التجربة الحياتية المتنوعة. فالمواطنة لم تعد تقبل في إطارها العام بل ما زالت مرهونة بالبعد المذهبي و العرقي و قبول الآخر المختلف في مذهبه و عرقه و تشكل مادة دسمة لسلوك عنصري اثني في التصنيف الطبقي للمجتمع. فالحوار لا ينساب في وديان الثقافة الاجتماعية الراهنة الا بعد ان تظهر مؤشرات الاستشراف أعلاه تفككها المتسارع و اضمحلالها من سلوك المجتمع اليومي.

اذا ما كانت المراهنة عالية على اضمحلال هذه المؤشرات المعوقة للتحولات الاجتماعية فالمدي القريب من هذه التحولات ستكون مصحوبة بمساهمات فعالة في إعادة بناء النظام الاجتماعي علي اسس المفاهيم المدنية الحقيقية للمواطنة و التعددية. فالمجتمع السعودي اليوم بالرغم من عدم قناعته الايديولوجية بالمفهوم الليبرالي الا ان حركة التمدن الواسعة في حياته تدفعه للممارسة في الكثير من معاملاته الحياتية بالقيم الليبرالية و هذا السلوك اذا ما اصبح أكثر تجذرا و اوسع تطبيقا سيخلق تدافع اجتماعي مهم نحو بناء مجتمع متنوع و متعدد. و قد اثبتت التجربة في العلاقة بين الدولة و المجتمع ان الدولة تملك المرونة و الاستشراف الكاف للتجاوب المدروس و العقلاني مع التدافع المدني و الحضاري للمجتمع كالذي حدث اعقاب حرب الخليج الثانية و حادثة ١١ ايلول من استيعاب للحدث و التفاعل معه و امتصاص ارتداداته. و اذا ما حظى هذا التحول الاجتماعي نحو التعددية و التنوع و بعض اشكال الممارسة الديمقراطية بالمباركة الرسمية فان التحولات المستقبلية لا شك ستكون متسارعة و جوهرية في تشكل وجه جديد للمجتمع السعودي تحكمه اعراف المجتمع المدني على انقاض اعراف المجتمع الحاضر.

كيف تفهم مصطلح الخصوصية الذي يرد كثيرا في مؤلفات النخبة السعودية وفي وسائل الإعلام.. هل هذه الخصوصية قابلة للتحول والتغيير بحيث تفرز أشكالا جديدة من "الخصوصية"؟.

اعتقد ما اشارت له الدكتوره شروق الفواز في مداخلتها على موقع مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني كاف و شاف لتحديد حقيقة هذا المصطلح الفضفاض الذي شغل حيزا كبيرا من الكتابات و المعالجات الثقافية (خصوصية المجتمع السعودي و هي كلمة تتكرر في صحفنا المحلية و منتديات شبكة الانترنت و مع ذلك و من خلال ما اثير في الحوار ((تشير الى اللقاء الوطني حول الهوية و العولمة في الخطاب الثقافي)) اتضح لي ان مفهوم الخصوصية السعودية لدى السعوديين مختلف متشابه في الاسم و لكنه مختلف في المعنى).

يمكن اعتبار التحولات الاجتماعية الاخيرة و التي يشكل طغيان المطالبات الحقوقية و رواج ظاهرة النقد في وسائل التواصل الاجتماعي ان مصطلح الخصوصية لم يعد هاجسا بل اصبح مصطلحا تاريخيا اقتضى رواجه خطاب المرحلة السابقة للجدل الذي دار حول التحولات الاجتماعية المبكرة التي جاءت مع مشاريع التنمية الكبرى. و انما الوجه الاخر لمصطلح الخصوصية السعودية التي يجب ان يتطلع لبروزه هو قدرة المجتمع السعودي في خلق مجتمع جديد من خلال استثمار فرص التحولات المدنية و الحضارية الراهنة كمنتج لحراكه في صناعة تجربة اجتماعية و سياسية و اقتصادية لتشكيل هوية تقوم على قدرته في استثمار تناقضاته و تجاوز إشكالاته. عندئذ تصبح الخصوصية انموذجا للاقتداء لا بعبعا يبرر الهروب من المواجهة مع الذات.

هل تعتقد ان فكرة الخصوصية ورسوخها في المجتمع السعودي منعت تطور نوع من التعددية الفكرية في المملكة؟.

أما فيما يتعلق بهذا الشق من السؤال فبالتأكيد ان ادخال مصطلح الخصوصية الى دائرة الحوار من قبل المحافظين التقليدين ساهم بشكل كبير في تكبيل حركة التطوير و الانفتاح على الاخر و عمل على إشاعة فضاء من القناعة الكاذبة بان ما لدينا كاف عن الحاجة لغيرنا بالرغم من التناقض في اننا نستخدم منتجاته الفكرية و المدنية.

هناك من يرى ان السعودية لم تشهد بعد مفكرا كبيرا صاحب مشروع فكري مؤثر.. كيف ترى هذا الرأي؟.

خلو الحركة الاجتماعية من وجود شخص مفكر متميز باطروحته و مشروعه الذي يرسم افق الحركة و نمط التفكير و منهجية المعالجة للقضايا و الاشكالات الاجتماعية يرجع بالدرجة الاساس الى علل تاسيسية في بنية المجتمع السعودي تلقي بضلالها على بروز مثل هذا المشروع. فعدم وجوده الواقعي لا يعني إمكانية وجوده الافتراضي لكن ظهوره ممتنع لان المشروع الفكري بحاجة للتعاطي معه و تبنيه و قرائته. ان البنية العامة للنخبة الفكرية السائدة للمجتمع السعودي طبقة رجال الدين الذين يعانون من اشكالات منهجية في ادوات القراءة والتحليل للمشروع الفكري. فالمفكر الذي يستند في صناعة اطروحته على ادوات العقل و الفلسفة و مناهج القراءة الحديثة للنص لا شك سيصطدم بمدرسة دينية تفتقر في بنائها إلى كل هذه الادوات. فالعقل و مدارسه الفلسفية لا تتمثل في البنية التعليمية لرجل الدين و يعتبر ذلك طبيعيا في مؤسسة تعليمية تتأسس منهجيتها الأصولية على البعد العقدي الحنبلي في تقزيم دور العقل. كما ان الطرد الممنهج التي مارسته المؤسسة الدينية للفلسفة في نظر العامة منع من دخول هذا العلم المهم و الحيوي الى اروقة الجامعات السعودية و بالتالي فان الاغلب الاعم من خريجيها و الذين يمثلون اليوم الكتاب و المثقفين من الطبقة الوسطى في المجتمع السعودي يفتقرون إلى مقومات التعامل و التعاطي المنهجي و العلمي مع الاطروحات الفكرية القائمة علي هذه الادوات. و ذلك جلي في بقاء أهم المنجزات الفكرية لكثير من رواد الفكر في العالم الاسلامي بعيدة عن اهتمام المجتمع لصعوبة تفكيك مبانيها و سيادة نظرة الشبهة عليها.

ان الاطروحة الفكرية التي تحتضن في جانبيها قراءة الواقع و تشخيص معوقاته و اشكالات صناعة الادوات المحفزة لحركة اجتماعية ناهضة التي تمتلك في ذاتها ديناميكية الاصلاح و التصحيح الذاتي و رسم شكل المستقبل، ذلك المحتوى للمشروع الفكري يقتضي وجود مفكر عاصر تطور التجربة الاجتماعية و اطلع على تفاصيلها و تقلب في احوالها و ذلك كان متعذرا في الماضي، فهل الحاضر يمتلك مقومات انتاج هذا المشروع الفكري.؟ الاجابة تكمن في مدى قابلية الواقع لترجمة شروط صناعة المفكر و انتاج قراء لفكره و اطروحته. 

كيف ترى الإسهام السعودي في مسار الفكر العربي والإسلامي المعاصر؟.

تنبهت المملكة في بعدها الرسمي إلى أهمية البعد الفكري و تأثيراته على صناعة القناعات في العالم الاسلامي فانطلقت في تأسيس او ضم مؤسسات فكرية مختلفة كواجهات علمية تجذب لها المفكرين و المثقفين و لعل اهمها  مؤسسة الفكر العربي الذي لها نشاط علمي مهم و جائزة الملك فيصل العالمية التي تكرم العلماء في مختلف الحقول العلمية و جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد اله للترجمة و العشرات الاخري من الجوائز العالمية في مختلف التخصصات كما للمملكة دور مهم كمؤسس و ركن من اركان منظمة المؤتمر الاسلامي. و قد برز في العقدين الاخيرين كتاب و ادباء لهم انتاج ادبي و ثقافي يلقى رواجا في العالم العربي. و يشكل العدد الاكبر من الحركة الادبية الثقافية في المملكة من الشباب من كلا الجنسين من القاصين و الشعراد و قد حصد منهم جوائز عربية و عالمية مهمة مثل جائزة البوكر التي حاز عليها القاص السعودي عبده خال و يحتل الشاعر السعودي جاسم الصحيح موقعا متقدما في تزعم الشعر العربي المعاصر قد يبلغ مصاف القامات السامقه من الشعراء العرب في العصر الحديث كالجواهري و السيد مصطفى جمال الدين. كما برز دور المملكة اخيرا في ما اطلقته من مشروع كبير تحت عنوان حوار الاديان برعاية مباشرة من الملك عبدالله .

المهم الذي لابد من استدراكه هنا هو حجم ما يترسب من تأثير فكري لهذا المجهود العالمي للمـؤسسات الفكرية التي يرعاها الجانب الرسمي في المملكة على تطور الحركة الفكرية و المجهود الثقافي  على المجتمع السعودي. ان المؤسسات الفكرية التي تعتني بما تنتجه هذه المؤسسات العالمية الفكرية مفقودة و بالتالي فان استثمار هذا المجهود لتطوير المشاريع الفكرية في المملكة بحاجة ايضا لعناية و اهتمام.

تنشط من خلال موقع الكتروني خاص ومن خلال المحاضرات والمؤلفات والمقالات في القيام بدور تنويري في المجتمع.. كيف تجد صدى هذه الجهود خاصة وإنها اتصلت على مدى سنوات طويلة؟.

أن المجهود الذي بذلته في السنوات السابقه تأسس علي اساس تشخيص الواقع التقليدي المحافظ للمجتمع و الذي يعاني من انغلاق الرؤيا و الاستسلام للواقع و غياب اسس الوعي الذي يمكن للمجتمع من قراءة طبيعة التحولات الراهنة و تشخيص شكل التحديات التي سيواجهها المجتمع في المستقبل من خلال التشديد على اهمية الشراكة المجتمعية لكافة اطيافه و طبقاته. بفضل الله ان الانتباه المبكر للتعبير عن الرأي المستقل و الصريح عن القضايا الاجتماعية المعوقة لبناء حركة وعي و إصلاح في المجتمع كان له الدور الكبير في خلق حركة انتباه و إثارة و اهتمام اجتماعي حول الخطاب النقدي المطروح. و ما تميز به خطابنا النقدي هو قراءة البني التي يقوم عليها الفكر المحافظ و تحليل ادواته في الممانعة امام الانفتاح و دوافعه. ان التحليل العلمي دون الانزلاق في متاهة الشخصنة و الاستعداء كان له الاثر البالغ في اعتدال الطرح و انسيابيته. ان التأكيد على شجاعة الرأي المصحوب بالعقلانية في الطرح و الدعوة المشددة علي أهمية بناء اسس الوعي المجتمعي الذي يمكن المرء من القدرة على التشخيص، خلق تيارا يعتد به من طبقة الشباب المتأثر بهذا المنحى و اصبح هذا الاتجاه جزءا من تيار من اتجاهات إصلاحية مختلفة في المجتمع ساهمت و تساهم في بناء واقع منفتح و صحي في بيئة يعمها النقد و التحليل و القراءة الموضوعية.

لكن المؤلم المؤسف ان هذا الاتجاه كان قاصرا في جانبين مهمين. الجانب الأول لم تستطع جهودنا من تحقيق ملموس بالرغم من تبنينا لكثير من المبادرات لخلخلة المفاهيم الطائفية التي تعمل على تفريق مجتمعنا المتنوع و المتعدد و تخفيف حدة التعبئة. و يرجع ذلك إلى قوة الاعلام الطائفي و ممارسة التمييز تحت عناوين مختلفة كنتيجة طبيعية لهذا الفضاء السياسي العربي المتأزم و المشحون بالفضاء الطائفي. وأحمل فشل هذه التجربة الأسر السنية المعتدلة في الاحساء بشكل خاص و المملكة بشكل عام  لعدم بذلها المجهود المطلوب لتبني مبادرات الاصلاحيين للحد من الازمة الطائفية لتمتعها بالمقبولية في المجتمع السني و الاحترام في المجتمع الشيعي و قدرتها على مخاطبة الطرفين انطلاقا من هذا الاحترام.

و اما الجانب الاخر هو ان تجربتنا كانت و ما زالت تعاني من قصور شديد في تقديم قراءات علمية و موضوعية من قبل المتلقين لها و ذلك لقصور في الحركة النقدية و المراجعة للمنتج الثقافي و الفكري. كما ايضا لقصور في تطور حركة نقدية موضوعية عند الآخر المختلف لشياع الفضاء الشخصاني المتأزم عند المتلقي المعني بالطرح و مجابهته بالشائعات و ادوات التعبئة.

هل ترى الشباب السعودي متجاوب مع الأطروحات الفكرية التقدمية المتواجدة في الساحة حاليا؟. ثم كيف هو تجاوب المجتمع بشكل عام مع هذه الأطروحات؟.

لا شك ان الشباب يشكل النسبة الاكبر من المجتمع السعودي و عليه فالمجتمع السعودي مجتمعا شابا حيث يشكل الشباب ما يقدر ٧٠٪ من مجموع السكان في السعودية.  نظرا لما لهذه النسبة الغالبة من المجتمع السعودي فان دورهم في صناعة التحولات بالغ الاثر و حضورهم اليوم في المجتمع يمثل حجر الزاوية في طبيعة ما يتوقع من تحولات في الزمن القريب والبعيد من حياة المجتمع في السعودية. ، ونظرا لأهمية النسبة العالية من المجتمع فقد قدم مركز اسبار للدراسات و البحوث مجموعة من الدراسات الميدانية و الاستقرائية المهمة حول الشباب في السعودية تجيب علي جانب مهم من هذا السؤال. و من اهم هذه الدراسات (الشباب السعودي الهموم و المشكلات و التطلعات) (الشباب السعودي و الآخر) (المشهد التربوي و التلعيمي من وجهة نظر الشباب السعودي) (تقدير الشباب السعودي للإلتزام الديني عند فئتهم) (مشكلات تواجه المجتمع السعودي من وجهة نظر الشباب).

و أما بخصوص مسألة تجاوب الشباب مع الاطروحات الفكرية المتقدمة، اولا لا يمكن جمع الشباب في موقف موحد من الاطروحات الفكرية و ثانيا لابد من تحديد ما يقصد بالاطروحة الفكرية المتقدمة. يمكن تصنيف الشباب في المجتمع السعودي الي ثلاث اصناف بالنسبة لفهمهم و ادراكهم للقضايا الفكرية ذات الصلة بالتحولات الاجتماعية. صنف محدود منهم يبذل مجهودا ثقافيا و فكريا يعتد به في التعرف و التعامل مع الاطروحات الفكرية و صنف متوسط من الشباب يتفاعل مع هذه  الاطروحات انطلاقا من الانطباع العام و الاستحسان الذي يتولد عنده من خلال خلفيته الثقافية المنفتحه. أما النسبة الاكبر من الشباب تفاعله  استجابة لطبيعة  الموقف الاعلامي من الاطروحات الفكرية و ذلك لافتقارهم لأي مجهود ثقافي من القراءة و المتابعة. و هذه الاغلبية هي امتداد للبيئة الثقافية العامة التي تولدت نتيجة حداثة التوجهات الثقافية الجادة في المجتمع السعودي. اجمالا الصفات العامة التي يتمتع بها الاغلبية العظمى من الشباب السعودي هو امتلاكه حسا و قلقا و اندفاعا و طاقة للتعرف على الجديد و تفاعل و حضور في الساحة الاجتماعية. و للبعض منه مبادرات فاعلة لبرامج العمل التطوعي. و في معرض الاجابة على علاقة الشباب بالاطروحات الفكرية التقدمية لابد من تفكيك مفهوم التقدم. فالتقدم مصطلح فضفاض لا يفهم الا بالمقارنة بمعطياته و دوافعه. وبالنظر لبعض القضايا التي تثير جدلا في المجتمع السعودي و التي تشكل مؤشرا لتحولات بارزة في الحاضر مثل قضايا المرأة و دورها الاجتماعي و حرية التعبير و قضايا الغلو و التطرف الديني. فموقف الشباب العام إجمالا يتصف بالايجابية و الدعم لقضايا المطروحة في اطارها العام مع فوارق متباينة بالنسبة لبعض تفاصيلها مثل حجم ما يمكن للمرأة ان تشغله من حيز في المجتمع و دورها الحقيقي بين الاسرة و العمل و موقف الشباب من قيادة المرأة للسيارة كما يقف الشباب موقفا مشجعا و داعما لتوسيع دائرة التعبير عن الرأي فيما يتعلق بالقضايا الخاصة بالاعراف والتقاليد الاجتماعية والقضايا السياسية و الاجتماعية مع تباين واضح حول تفاصيلها. و اما موقف الشباب من قضايا التطرف و الغلو الديني اظهرت الدراسة (مشكلات تواجه المجتمع السعودي من وجهة نظر الشباب) إلى ان ٧٦٪ من الاناث و ٧٥٪ من الذكور يعتقدون ان مشكلة الغلو و التطرف مهمة جدا. و تعكس المدونات الألكترونية  للشباب و تعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي حضورا قويا و تفاعلا مع القضايا المهمة المشار اليها اعلاه و ينعكس من خلال هذا الحضور حوارا يبلغ حد الجدل المحموم بين مختلف طبقات الشباب حول رأيهم و تحليلهم لطبيعة المشكلة و شكل المعالجات المطروحة مما يعكس فضاءا صحيا و قابلية عالية للتعبير و المشاركة في الهموم الوطنية المصيرية.

 و اما موقف المجتمع العام من القضايا المطروحة فهو اجمالا يتصف بالسلبية و بالذات من قضايا المرأة و ذلك لسيادة الثقافة الذكورية في المجتمع و غلبة ثقافة التمييز الجنساني (Genderism). و أما الموقف العام من حرية التعبير و قضايا الغلو غير واضحة المعالم، فعلى مستوي الفهم النظري تعاني من غموض و ضبابية.  فالاغلبية العظمى تمارس التعبير بشكل او بآخر و لكن الاختلاف يظهر في سعته و تفاصيله. و اما الغلو و التطرف فالموقف من مظاهره المتعلقة بالعنف و الارهاب مرفوض و ممجوج و اما ممارساته المبطنة فرائجة لضبابية تفاصيله في الفهم النظري. إجمالا هناك تباين و فوارق واضحة بين موقف الشباب في المجتمع السعودي من القضايا المطروحة ذات الصلة بتحول المجتمع و اصلاحه عن غيره من سائر طبقات المجتمع و خصوصا الاجيال التقليدية و التي تخرج من  دائرة  الشباب.  

كيف تجد حال النخبة السعودية وتأثيرها في المجتمع؟.

معالحات مفهوم النخبة السعودية لم تنل من المولفات والمعالجات الفكرية الكثير و يعتبر مؤلف الدكتور محمد بن صنيتان (النخب السعودية دراسة في التحولات و الاخفاقات) من القلائل في هذا المجال. مصطلح النخبة في المجتمع السعودي يواجه ابهاما في تعريفه و تحديد معالمه بشكل واضح و انما يتشكل مفهوم النخبة من خلال حضورها و بروزها و تأثيرها في المجتمع. بناءا على هذا التشخيص يمكن تحديد ثلاث اصناف من النخبة في المجتمع السعودي. النخبة الرسمية و النخبة الاجتماعية العامة من رجال الدين و المثقفين و الادباء و نخبة خاصة في المجتمع الشيعي.

النخبة الرسمية التي تتشكل من الوزراء و من كبار المسؤلين في المؤسسات الحكومية ينحصر تأثير هؤلاء في دوائرهم الرسمية من خلال مساهمتهم في صناعة القرار الرسمي الذي لا يمكن اغفاله في دائرة التأثير المباشر على احتياجات المجتمع المعيشية و التنموية.

أما النخبة العامة التي تتشكل من رجال الدين و المثقفين و الادباء و اساتذة الجامعات من ذوي الاهتمام بالشأن الاجتماعي تلعب هذه النخبة من خلال المنابر المتاحة لها في المساجد و المدارس الدينية و ادوات التواصل الاجتماعي و الاعلام تأثيرا بالغا ـ سلبا او ايجابا ـ على القناعات الاجتماعية و تشكيل الوعي الاجتماعي. و قد كان لبعض رجال الدين من خلال حضورهم في الاعلام و مؤلفاتهم تأثيرا كبيرا في خلق تيارات من الجدل الاجتماعي المتباين حول المفاهيم الدينية المتعلقة بالخطاب التكفيري او فتاوى الداعية للجهاد في بعض البلدان. و في مقابل هذا الخطاب الديني للنخبة الدينية يرتفع خطاب ثقافي متنوع يأتي من جهات ثقافية محسوبة على الليبرالين او غيرهم ليشكل الوجه الآخر من الفهم و التحليل للأطروحات الدينية. و قد اتسم طرحهم الثقافي ـ الفكري بالمجابهة و المناوئة للخطاب المتشدد و التأكيد على أهمية البعد المدني في العلاقات الاجتماعية كمعيار ناجح للعلاقات ورفض معيارية البعد المذهبي الطائفي لمفهوم المواطنة.

و أما النخبة الخاصة في المجتمع الشيعي فتتشكل بدرجة اساس من رجال الدين و المثقفين و الادباء. ولكن مازال التأثير الابلغ في المجتمع لرجل الدين مع تأثير مقبول لبعض المثقفين على طبقة الشباب. من الهموم التي تشغل النخبة في المجتمع الشيعي هي مسألة الاصلاح و التطوير للفكر الاجتماعي. و يثير الاصلاح جدلا يتمركز حول رجل الدين في ما اذا يمتلك مشروعا تنويري و ثقافي يساهم في تحضير المجتمع الشيعي لخطاب ديني يتفاعل مع الاطروحات الفكرية المعاصرة. و ايضا حول توجيه المجتمع نحو التوافق المذهبي و نبذ الطائفية و التعصب و التأكيد على روح المواطنة و الانسجام الوطني. و يمكن تسجيل تقدم متقدم و مهم  على صعيد الخطاب المعتدل في الجانب المذهبي. و أما على الجانب التحديثي الاصلاحي للخطاب الديني فما زال يراوح في كثير من مواقعه المهمة و المفصلية مكانه كقضية إعادة قراءة التراث الشيعي. وتحديث مصادره المعرفية تتشخص هذه المراوحة بشكل جلي في المواسم الدينية للشيعة كعاشوراء بأعتباره موسم  لتجمع الحشود الكبيرة من المجتمع و حضورها في الاماكن الدينية و ذلك انعكس للبنى الفكرية و الادوات البحثية التراثية في المؤسسة الدينية الاكاديمية (الحوزة). و نظرا لتفرد رجل الدين بالمنبر الذي يخاطب الطبقة الاعرض من المجتمع يبقى الدور الذي يمارسه المثقف محدودا و متواضعا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي لدفع المجتمع الشيعي نحو الانفتاح و الاصلاح.

ما التيار الفكري الذي ترى المستقبل أمامه أكثر إشراقا في المملكة؟.

التيار الفكري الذي يمكن ان يكون حاضرا فاعلا و مؤثرا في المستقبل هو التيار الذي ينطلق من واقع المجتمع و احتياجاته و يتوائم مع معطياته الفكرية و تطلعاته الثقافية. لا شك ان التيار الفكري الموعود بالتسيد في الساحة الاجتماعية ليس الاتجاه الليبرالي الموعود لمحدودية تأثيره و انحصار رموزه في دوائر ضيقة من النخب. الامل يتركزعلى ظهور حركة اصلاحية فكرية جادة للبنى الفكرية للمفاهيم الدينية لخلق حركة تتسم بالانفتاح و التفاعل مع الاحتياجات الاجتماعية المدنية و الحضارية. المجتمع السعودي اليوم يتطلع لرؤية دينية مرنة منفتحة على المنتجات الفنية و التقنية الحضارية و الافكار الانسانية و كاحتياجات حيوية للمجتمع لتطوير الحقول الثقافية المختلفة  كالسينما و المسرح و فنون الموسيقى و التي تسهم اسهاما كبيرا في تلبية احتياجات المجتمع العاطفية و الفكرية و الذوقية الجمالية. هذه الحركة الاصلاحية لابد ان تعتمد فكر مرن يتصف بسعة في ممارسة الاجتهاد الديني المعتمد على مدارس العقل و الرأي و قراءة النص. أن المراهنة على بروز هذ التيار بحاجة إلى ظهور مفكرين مثقفين دينين يمتلكوا الاجتهاد العلمي في العلوم الدينية المختلفة و العلوم الانسانية الحديثة و الفلسفة المقارنة بالاضافة إلى الثقافة الحياتية الواسعة لتعمل على بناء قاعدة أجتماعية متفاعلة و متعاطفة مع مجهودها الفكري. عندئذ يعمل هذا المنتج الديني على خلق تيار اصلاحي معتدل و معقلن و منفتح على كافة شرائح المجتمع و أطيافه.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق