الإعلام والضوابط في فضاء المرجعيّة النبويّة
كتبه: الدكتور أسعد السحمراني
حرر في: 2015/02/10
التعليقات: 0 - القراءات: 2665

إنّ الإعلام في أصله إخبار وإنباء من قبل إنسان يتّجه به إلى المحيطين به، وهذا الإنباء يتمظهر من خلال كلمات مركّبة في صياغة إنشائيّة، أو من خلال رموز وإشارات، وهذا الإعلام تحمل وجوه التعبير فيه أفكار المرسِل (بكسر السين) ومفاهيمه، أو مواقفه وآراءه، أو أنّها تترجم انفعالاته ومكنونات نفسه.

تمهيد وإشكاليّات:

إنّ الإعلام في أصله إخبار وإنباء من قبل إنسان يتّجه به إلى المحيطين به، وهذا الإنباء يتمظهر من خلال كلمات مركّبة في صياغة إنشائيّة، أو من خلال رموز وإشارات، وهذا الإعلام تحمل وجوه التعبير فيه أفكار المرسِل (بكسر السين) ومفاهيمه، أو مواقفه وآراءه، أو أنّها تترجم انفعالاته ومكنونات نفسه.

وإذا قام المتابع بفحص الموقف يكتشف أنّ الله تعالى قد أنزل شرعه مع الأنبياء والرسل منذ استخلف الإنسان في الأرض مع آدم وحواء، خطاباً هو رسالات سماويّة خالدة جاءت تحمل الهدى ودين الحقّ. وقد احتاجت العلاقات بين البشر منذ البداية إلى أساليب التعبير ليتواصل الناس من خلالها، ولينظّموا شؤون معاشهم الدنيويّ، وهذا التواصل تمهيداً للتفاهم، وللانتظام الاجتماعي العام، وهو بمجمله ليس أكثر من إعلام وإنباء.

فالإعلام ضرورة لكلّ اجتماع بشري، وأرقى أنواعه ما كان كلمة، لأنّ الكلمة تصدر عن فكر، والفكر يسبقه فهم، والفهم أساسه معارف ومشاعر وتصوّرات ذهنيّة، وهذه توجّهها مقاصد وحاجات واختصاصات لذلك نجدها تختلف من إنسان لآخر، وكلّ ما مرّ ذكره ينطلق من أشياء لها أسماء، والأسماء تحمل خصائص المسمّى، فيتشكّل الإدراك الذي يتكوّن على أساسه الوعي، وبعد كلّ هذه المسيرة التي تتكوّن في الكلمة في صيرورة ترتقي كلّما سما الإنسان مثالياً وقيمياً، وبذلك يرتقي الخطاب الإعلامي كلما ارتقى الإنسان ثقافة وحضارة، وينحطّ الخطاب الإعلامي، أيًّا كان ميدانه حين ينحطّ مستوى الفهم والفكر، وعندما يهجر الإنسان الفرد أو المجتمع المنظومات القيميّة السامية التي شرّعها الله تعالى في رسالات مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

لقد انحدر مستوى القسم الأكبر من الإعلام لأنّه متروك للفوضى، فلا ضوابط قيمية، ولا منطلقات إنسانيّة الأبعاد قائمة على ثوابت دينية أساسها كرامة الإنسان، ومقصدها تحقيق سعادته واستقراره، هذا القسم الفوضويّ من الإعلام أسهم حين نشره بما يهدّد المجتمعات كلّها، وما ذلك إلاّ بسبب التغوّل من قبل الصهيونية والولايات المتحدة الأمريكية التي تعمل لعولمة تزعم فيها أنّ مشروعها ينشر حضارة هي في حقيقتها فوضى تدميريّة، وهي في حقيقتها مشروع استعماري يعمل من خلال نشر حالين هما:

1- تعصّبات رديئة تعتمد مفاهيم طائفيّة أو عرقيّة أو فئويّة ضيّقة تتشكّل في أطر تردّ أصحابها إلى كهوف الانعزال، وإلى وحشيّة لا أساس إنسانيّ لها من دين أو ثقافة أو فهم سليم.

2- سلوكات هابطة يعتمد أصحابها التفريط بكلّ  ما يسمو بالإنسان، ويلمس ذلك كلّ مهتمّ حيث يجد أنّ أفعال بعض المجاميع والأفراد قد باتت في مستوى أقلّ من مستوى السلوك الحيواني.

إنّ هذين المسارين للسلوك لعب ويلعب الإعلام دوراً رئيساً في نشرهما حيث انقسم الإعلام-إلاّ القليل منه- إلى معسكرين؛ أحدهما مختصّ بنشر الفكر الفئوي والتكفيري والتدميري المغالي في طروحاته، والموغل في التعصّب إلى حدّ الاختناق، والدين والنبوة من كلّ ذلك براء، والثاني إعلام ماجن في برامجه وإعلاناته لأنّه يسوّق لمفاهيم وصور هابطة في الفن والسلوك والعلاقات بين البشر.

تأسيساً على ما تقدّم تثور في الأذهان التساؤلات والأسئلة الآتية:

1- هل حصلت هذه الفوضى الإعلامية بسبب الجهل بالمنظومة القيمية الأخلاقية التي تكون من مرجعية الدين، وفي الهدي النبوي؟

2- هل عمّ إعلام الإفراط والتفريط، وفكر التهويل والتهوين بسبب الأطماع الاستعمارية الصهيوأمريكية التي لا تلتزم شريعة ولا تحترم كرامة الإنسان المستخلف في الأرض الذي جاءت به رسالات السماء الخالدة مستهدفة رفع شرفه وكرامته؟

3- لماذا حصلت هذه الفوضى الإعلاميّة الخطيرة، وهل كان تقصير الفضلاء والمؤمنين بلا تعصّب، ومن يلتزمون ما جاءت به النبوّات من الله تعالى، العامل في تعملق هذا الإعلام الاستعماري الدوافع الإفساديّ الغايات والمقاصد؟

4- ما الضوابط التي يحتاجها الإعلام المعاصر لتحقيق الإصلاح المنشود، والذي تكون برامجه ومخرجاته راسخة في الأصل النبويّ الإسلاميّ/المسيحيّ، هذا دون الغفلة عن الاستفادة من تقنيات العصر؟

5- ما المهمات المطلوبة لصياغة إعلامية أرقى تستهدي النبوات من أجل وقف ما تعانيه الأمم والشعوب من مفاسد الإعلام المادّي الأبعاد، الصهيوأمريكي الهوى والهويّة؟

ضوابط من النصّ الديني من أجل إعلام أقوم:

         يتطلّع الجميع، ونحن نعيش ظروفاً صعبة قاسية في كلّ موقع من العالم، وإن كان الواقع الأقسى إنّما ما يعانيه الأهل في فلسطين والقدس في ظلّ الاستعمار الصهيوني الإستيطاني الإحلالي، وفي الأمّة العربيّة حيث تمتدّ كرة لهب لعبة الدمّ في ساحات كثيرة تطحن رحى الفتنة فيها حياة الإنسان وحرماته، إلى إعلام مسؤول يسهم في نشر فضاءات ثقافيّة مشحونة بالاعتدال والفضائل والخير، وفي الوقت عينه يقوم هذا الإعلام بالامتناع عن نشر كلّ فكر متطرّف، أو ثقافة تبثّ سموم التعصّب والمفاسد والرذائل.

         فمسار الإعلام الأقوم له قواعد وأصول يؤسّس لها نصّ ديني في الإسلام والمسيحيّة، ولو أنّ الإعلام التزم هذا النصّ لكان أداؤه صلاحاً وإصلاحاً، عوض أن يكون حال مخالفة هذا النصّ باعثاً على الشرور والقتل والانحطاط. والأولويّة من أجل ضبط الإعلام إنّما هي للقواعد الآتية:

1- واجب الإعلام والإعلاميين أن ينطلقوا من مسلمة هي: طاعة كلمة الله تعالى، وشرعه الذي جاء في نصوص الرسالات الخالدة، وطاعة ما جاء به المسيح ومحمّد عليهما الصلاة والسلام، لأنّ ما كان بلاغاً إلهيًّا مع النبوّة إنّما هو العامل الحاسم في صلاح الإنسان وتحقيق مصالحه على مستوى الفرد والمجتمع، لأنّ مشيئة الخالق سبحانه هي الرحمة التي تحقّق الخيريّة لكلّ إنسان.

فمن أراد الصلاح والإصلاح، عليه بإعلام يحضّ على الطاعة والامتثال لما أبلغ به الأنبياء بأمر الله تعالى. جاء في النصّ الإنجيلي: "فكلّ من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها، أشبّهه برجل عاقل، بنى بيته على الصخر." (إنجيل متّى، الإصحاح 7، الفقرة 24).

وبمقال ذلك جاء في النصّ الإنجيلي: "وكلّ من يسمع أقوالي هذه، ولا يعمل بها، يُشبّه برجلٍ جاهل، بنى بيته على الرمل." (إنجيل متّى، الإصحاح 7، الفقرة 26).

أمّا في النصّ الإسلامي، ففي الآية القرآنيّة: ﴿ يا أيّها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه وأنّه إليه تحشرون.﴾ (سورة الأنفال، الآية 24).

إنّ الامتثال والطاعة من قبل الإنسان المكلّف مرتبطان بالفهم وتعقل الشريعة. وقد أشار إلى ذلك أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات، عندما تحدّث عن مقاصد الشريعة، فقال: "والمقاصد التي ينظر فيها قسمان: أحدهما: يرجع إلى قصد الشارع، والآخر: يرجع إلى قصد المكلّف. فالأوّل يعتبر من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء، ومن جهة قصده في وضعها للإفهام، ومن جهة قصده وضعها للتكليف بمقتضاها، ومن جهة قصده في دخول المكلّف تحت حكمها."

فطاعة ما جاءت به النبوّة في الإعلام بكلّ أنواعه تكون بفهم الشريعة، والوقوف على جوهرها، والتعرّف على أحكامها، وبعد ذلك العمل بموجبها من قبل الإنسان المكلّف، هذا مع الإقرار من قبل كلّ إنسان أنّ الله تعالى يريد الخير بالعباد، ويشرّع لهم ما فيه مصالحهم الدنيوية والأخروية. والصحيح أنّ الجهل باب للفساد وأنواع السلوك الهابط إفراطاً وتفريطاً، وهنا يتشكّل الركن الأوّل في بنيان الإعلام القويم الذي يؤمّن بيئة فكريّة للإنسان العاقل الرشيد.

2- إنّ الكلمة المسؤولة التي يحملها إعلام سليم معافى تصدر من إنسان مؤمن يمارس شؤون حياته في القول والفعل، في التفكير والكلمة والسلوك، وهو يستشعر في قرارة نفسه برقابة الله تعالى عليه، فالرقابة والمراقبة التي يكون لها فعلها في الحياة النفسيّة للإنسان تولّد في ذاته مخافة الله تعالى، وبذلك تخضع نفسه للشريعة وتعاليم النبوّة، فيكون في خطّ الإستقامة.

وإذا مارس الإعلاميون مهامهم، وهم في حال المراقبة فإنّهم سيقدّمون إعلاماً بعيداً من كلّ أشكال الغلو والتطرّف، وبعيداً من مسبّبات الفنون الهابطة والمفاسد. لذلك وجّهت المسيحيّة إلى هذا في نصّ إنجيليّ هو: "طوبى للأنقياء القلب، لأنّهم يعاينون الله." (إنجيل متّى، الإصحاح 5، الفقرة8).

هذه المراقبة أو معاينة الله تعالى في القول والفعل وردت في الحديث النبوي الشريف تحت مسمّى الإحسان. وفي الحديث: "قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: أن تخشى الله - تعالى- كأنّك تراه، فإنّك إن لا تكن تراه، فإنّه يراك." (أخرجه الإمام مسلم في "الجامع الصحيح" في "كتاب الإيمان" في باب "الإسلام، ما هو؟ وبيان خصاله".)

إنّ الإعلامي الذي يستحضر الله تعالى معه وهو يصوغ أو ينشر أو ينقل صورة أو حدثاً، يقوده إيمانه ومراقبته إلى الامتناع عن إشاعة أيّ نبأ أو حدث تكون له نتائجه السلبيّة على الاجتماع الإنساني.

3- لقد جاء الخطاب الكلامي من خلال اللغة ليكون المستوى الأرقى في التعبير عن مكنونات النفس البشريّة، وفي الإفصاح عمّا يختزنه الفكر من أفهام ومعارف ومواقف وآراء. والكلمة سلاح ذو حدّين، فهي إمّا كلمة رصينة صادرة عن عقل حكيم تضع حجراً في مدماك بنيان المجتمع حضارياً، أو أنّها تكون وليدة السفه، والأحمق من الناس الذي يخرّب بكلامه، وينشر به الفتن وعواصف الشرّ.

لهذا نبّه المسيح عليه السلام من الكلمة الشرّيرة، فالخطر والويل ليس ممّا يدخل فم الإنسان من طعام أو شراب، وإنّما الخطر كلّ الخطر من كلمة يطلق صاحها لها العنان بلا ضوابط وقواعد والتزامات.

جاء في النصّ المسيحيّ: "ليس ما يدخل الفم ينجّس الإنسان، بل ما يخرج من الفم، هذا ينجّس الإنسان." (إنجيل متّى، الإصحاح 15، الفقرة 11).

وفي النصّ المسيحي الإنجيلي كذلك: "وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر، وذاك ينجّس الإنسان. لأنّ من القلب تخرج أفكار شرّيرة: قتل، وزنى، وفسق، وسرقة، وشهادة زور، وتجديف. هذه هي التي تنجّس الإنسان." (إنجيل متّى، الإصحاح 15، الفقرات 18، 19، 20).

هذه الكلمة التي تصدر من القلب ويثمرها الفكر، جاء النصّ القرآني مبيناً أنها تكون من نوعين: طيّبة، أو خبيثة. قال الله تعالى: ﴿ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء* تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها ويضرب الله الأمثال للناس لعلّهم يتذكّرون* ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثّت من فوق الأرض ما لها من قرار.﴾ (سورة ابراهيم، الآيات 24، 25، 26).

كما جاء في الحديث النبوي بشأن الكلمة: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت." وفي رواية "فليصمت" (أخرجه أبو بكر الهيتمي، في "مجمع الزوائد"، في "كتاب البرّ والصلة" في باب "إكرام الجار").

وإذا التزم الإنسان الكلمة الرصينة الحكيمة فإنّه بها يؤلف القلوب ويجمع الصفوف، ويغرس المحبّة والإصلاح، ويعلّم الحريّة والتحرّر وصناعة التقدّم، وفائدتها في الدارين: الدنيا والآخرة. وفي الآية القرآنية: ﴿يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضلّ الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء.﴾ (سورة ابراهيم، الآية 27).

أمّا النصّ الإنجيلي فقد جاء يقدّم دور الكلمة الصالحة في بناء المجتمع وتحقيق الحياة السعيدة على الطعام والأغراض الدنيوية، وتوجيه المسيح عليه السلام: " مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله." (إنجيل متّى، الإصحاح 4، الفقرة 4).

 4- إن الإعلام المعاصر محتاج لمبادئ الدين التي علّمها الأنبياء والرسل لأنّها تعصم الاجتماع البشري من الشرك والمعاصي ومهاوي الفساد، وترتقي به من خلال عقيدة التوحيد ومحاسن الأخلاق. وإذا كان اجتماعنا الوطني اللبناني، والقومي العربي مكوّناً من مواطنين مسلمين ومسيحيين، وأرض الأمة مهد رسالات السماء، وحاضنة المقدسات والقدس، ومنها انطلقت دعوات الأنبياء فإن الأحرى بإعلام لبنان والوطن العربي أن يلتزم مبادئ الدين التي تقي المجتمع من أخطار محدقة تهدّد الأسرة والمجتمع، والفرد والكل.

والقواعد والأسس الضابطة هي:

جاء في النص الإنجيلي: "لأنه مكتوب للرب إلهك نسجد وإيّاه وحده نعبد." (إنجيل متى، الإصحاح 4، الفقرة 10). وفي نص إنجيلي آخر: "أنت تعرف الوصايا: لا تزنِ، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تسلب. أكرم أباك وأمك." (إنجيل مرقس، الاصحاح 10، الفقرة 19).

هذه الوصايا التي تؤسس لمجتمع صالح راقٍ لو التزمها أهل المجتمع، ولو أنّ الإعلام تحرّك في فضائها النقي.

وقد جاء في النصّ القرآني في هذا الأمر قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتلُ عليكم ما حرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحقّ ذلكم وصّاكم به لعلكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي أحسن حتى يبلغ أشدّه وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا تُكَلّف نفساً إلا وُسْعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذّكرون﴾ (سورة الأنعام، الآيتان 151، 152).

فليتأمّل كلّ داعية إصلاح، وكلّ مفكّر غيور، وكلّ إعلامي رسالي الدور والمهمة، وكل مربٍّ ومعلم، وكل أب وأم، لو أنّهم جميعاً التزموا هذه الوصايا التي حوتها نصوص مسيحية وإسلامية، فهل كان ما هو قائم وواقع حالياً؟ ولو أن هذه الوصايا كانت محلّ التزام وعناية قولاً وفعلاً من كلّ فرد، وبشكل خاص من وسائل الإعلام، هل كان سيظهر الفساد وينتشر؟

لكلّ ذلك يتكرّر القول: إنّ الدين هو العاصم من الشّرّ، ومخالفة الدين وتعاليمه إفراطاً أو تفريطاً تودي بسفينة المجتمع البشري إلى ما لا تحمد عقباه.

5- إن الإعلام المعاصر بكلّ أشكاله ورسائله لعب دوراً تدميرياً للوحدة الوطنيّة والمجتمعيّة، لأنّه غذّى الفئويّة والطائفيّة والمذهبيّة والعرقيّة والجهويّة، وشجع الحزبيات الضيّقة الأفق، وكان الأولى به أن يعمد إلى التزام المنهج الوحدوي الذي يؤسّس لقواعد الألفة، والعلاقات القائمة على التعارف، والإقرار بالتنوّع لأنّه الأصل.

إنّ إعلام الفتنة قد آن الأوان لوضع حدّ، له لأنّ الانقسام لا يجلب سوى الخراب والقتل والظلم والفساد والمآسي.

لقد حذّرت المسيحيّة من الانقسام والتعصّب فكان النصّ الإنجيلي: "كلّ مملكة منقسمة على ذاتها تُخرّب، وكلّ مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت." (إنجيل متى، الإصحاح 12، الفقرة 25). هذا التوجيه والإنذار ضروريّ لمقاومة مشاريع التقسيم التي يخطّط لها الصهيوأمريكان باسم الشرق أوسطيّة. والإعلام محتاج لهذه التعاليم من أجل ترسيخ الوحدة والألفة في مواجهة الانقسام التخريبي، والفئوية التدميرية.

وفي النصّ القرآني دعوة للوحدة، ونهي عن التفرقة وتعليم على قبول الآخر لأنّ التنوع هو الأصل، وكل اجتماع وطني تنبع متانته وقوته من ثروة التنوع والتعدّدية. ففي الآية الكريمة: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا﴾ (سورة آل عمران، الآية 102).

وقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ (سورة آل عمران، الآية 105).

أما التنوّع فمن الآيات التي جاءت تبلّغ عنه قوله تعالى: ﴿يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير﴾ (سورة الحجرات، الآية 13).

ومما جاء في الحديث النبوي: "إيّاك والفرقة، فإنّها هي الضلالة". من حديث أخرجه أبو بكر الهيتمي في (مجمع الزوائد) في (كتاب الخلافة) في باب (لزوم الجماعة وطاعة الأئمة).

6- الجرأة في قول الحقّ: إنّ من يتولّى مسؤولية -ومنها حمل أمانة الموقف والكلمة- محتاج لقدر من الشجاعة، ولالتزام النزاهة والتسامي، لأنّ من استعبدته المصالح والمكتسبات الشخصيّة، أو من دخل في قلبه الوهن وازدادت حساباته الخاصة، لن يكون في موقع من يقوى على أداء مهمّته في الخطاب الذي لا يعنيه سوى الصدق في مرضاة الله، وخدمة الحقّ والحقيقة.

فالمؤمن لا مكان للجبن في نفسه، وإنّما دَيْدَنَه كلمة العدل والإصلاح والتقويم مهما كانت المسؤوليات المترتّبة عليها. ففي النصّ الإنجيلي: "فلا تخافوهم لأن ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفي لن يُعرف * الذي أقوله لكم في الظلمة قولوه في النور، والذي تسمعونه في الأذن نادوا به على السطوح * ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها." (إنجيل متى، الإصحاح 10، الفقرات 26، 27، 28).

هكذا حال المؤمن الصادق سواء أكان عاملاً في الإعلام أو غيره، فإنّه يتّخذ مواقفه خدمة للحقّ والحقيقة، وبكلّ عزّة نفس، لأنّ من يتسلّطون ويقمعون قد يتمكّنون من إيذاء الجسد، أو حتّى قتله، لكنّهم لن ينالوا من النفس التي هي منيعة عزيزة بعطاء إلهي.

فالكلمة جهاد، والموقف جهاد، ولا جهاد بلا تضحيات وفدائية، وكلّ مؤمن رساليّ المنهج يكون مقداماً يمتلك استعدادات كافية كي يدفع ضريبة الموقف. هذا هو الإعلامي الذي يلتزم منهج النبوّة. وفي النصّ القرآني قوله تعالى: ﴿يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ (سورة المائدة، الآية 54).

وإنّ المؤمن الحقّ يقول كلمته التي تعبّر عن الموقف المطلوب الذي يؤسّس للعدل على مستوى الفرد والمجتمع، ولا يبالي بالأثمان، وما ذلك إلاّ لعلمه أنّ الكلمة الجريئة التي تختزن موقف الإصلاح بالاتجاه الأقوم يأتي موقعه في مكانة رفيعة في مستويات الأفعال الجهادية. وفي الحديث النبوي الشريف: "أفضل الجهاد أن يكلّم بالحقّ عند سلطان، أو قال: عند سلطان جائر." (رواه الهيتمي في مجمع الزوائد، في كتاب الفتن، في باب الكلام بالحقّ عند الحكام). وفي حديث نبويّ آخر عند الهيتمي في الباب نفسه: "عن أبيّ عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الشهداء، أكرم على الله عزّ وجلً؟ قال: رجل قام إلى إمام جائر فأمره بمعروف ونهاه عن منكر، فقتله".

7- الإعداد والتربية: لقد تمادت بعض وسائل الإعلام في عرض برامج إباحيّة تركت وتترك آثاراً سلبيّة على أفراد المجتمع، وبشكل خاصّ صغار السّنّ، يضاف إلى ذلك حال الإعلان الذي يسكن مصمميه هاجس التسويق والإغراء الاستهلاكي، ولا يبالون بالمنظومة القيميّة الأخلاقيّة.

هذا المدخل يقود البحث إلى الكلام عن دور الإعلام التربوي، وأنّ الواجب توظيف ساعات من البثّ لبرامج يتّم إعدادها بعناية كي يكون لها دور في تنشئة الأطفال والصغار، وفي العمليّة التربويّة عموماً، وهذا النوع من الإعلام يحتاج لقواعد مستفادة من نور المشكاة النبويّة التي لا يوجد مشكاة أخرى غيرها في الأرض يستمدّ منها ما يجعل الأجيال في حالة أنقى طوية، وأسمى سلوكاً، وأرقى في مستوى الفعل والممارسة.

فبعض الإعلام يسهم في صناعة الإرهاب والتطرّف من خلال الاتّجاهات الآتية:

أ- الفنون الهابطة التي يتولّى تسويقها بعض الإعلام فتقود إلى نشر مفاهيم مبتذلة تنحطّ بمن يتأثّر بها عن المستوى الخُلقي والسلوكي المقبول، ولا بدّ من وضع حدّ لهذا الإعلام الماجن أيّاً كانت مواقعه، ومصادر تصنيعه، أو وسائل عرضه.

ب- الإعلام الإستفزازي الذي يتناول بالسوء معتقدات الآخر أو مقدّساته، فذلك سينتج ردّات فعل على هذا الفعل، ومثل هذا الإعلام لا يرقى إلى مقولة حرّيّة التعبير بصلة. فحرّيّة التعبير لا تعطي الحقّ لأحد باستباحة حرمات الآخرين، ولا بد من وقف مثل هذا الإعلام منعاً لردّات فعل غير محسوبة النتائج. وقد وجّه إلى هذا الأدب نصّ قرآني هو قول الله تعالى: ﴿ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدواً بغير علم كذلك زيّنا لكل أمة عملهم ثمّ إلى ربّهم مرجعهم فينبّئهم بما كانوا يعملون﴾ (سورة الأنعام، الآية 108).

ج- الأفلام والمسلسلات التي تنشر ثقافة العنف والقتل، وهي متروكة لوسائل الإعلام تعرضها على الشاشات وسواها، وهي موجودة في متناول كلّ الفئات العمريّة، وكلّ التنوّعات الاجتماعيّة والثقافيّة، وقد حاكى فتيان وكبار بعض أفعال العصابات، واللصوص في لعبة الموت وغيرها، وتركت ولا تزال هذه الأنواع من الإعلام البوليسي غير المسؤول تثقيفاً لعديدين أنتج قتلاً وانتحاراً وأفعالاً ضدّ إنسانيّة الإنسان وكرامته، والمؤسف أن هوليود الأمريكية وسواها صنعت هذا اللون من المخرجات الإعلامية باسم الحرية، فأيّة حرية هذه التي تجلب المآسي وتشجّع على القتل؟

د- الإعلام الديني: انفلت الزمام في السنوات الأخيرة لنوع من الإعلام سمّوه إعلاماً دينيًّا، وقد أُنشِئت مئات الفضائيات، وأكثر منها مراكز تسمّت باسم الدعوة والتبشير والبحث، وأُضيف إلى ذلك وسائل الإتصال من خلال الهواتف، وقد أتت مخرجات هذا النوع من الإعلام في الأعمّ الأغلب قاصرة ومسيئة حيث يتولاّها متعصّبون أو أنصاف متعلّمين وذلك عند كلّ الاتجاهات والمجاميع وليس عند فريق بعينه.

8- القدس وفلسطين: لقد خطّط الغرب ونفّذ مشروع الاستعمار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي لفلسطين، وقام الكيان الغاصب على حساب حقّ الشعب الفلسطيني في وطنه وأرضه، وكانت النتيجة مصادرة الأراضي والممتلكات وما رافق ذلك - ولا يزال - من القتل والتشريد والنهب، ومعه تدنيس المقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة، وتهويد بعضها من مساجد وكنائس وأوقاف ومقابر ومنشآت أخرى، وبعد الأوروبي باتت الولايات المتّحدة الأمريكيّة شريكاً كامل الشركة مع الصهيوني، وهذا الاستعمار الصهيوأمريكي للمقدسات في قلب فلسطين يظهر من خلال إعلام يعرض الجرائم الصهيونية المدعومة أطلسياً، وواجب المؤمنين وكل دعاة حقوق الإنسان بالمقابل أن يعملوا من أجل تصنيع إعلام مقاوم يؤسّس لثقافة مقاومة للاحتلال، وعاملة من أجل تحرير الأرض، وتطهير المقدّسات، والحفاظ على شخصيّتها، وحمايتها من خطر التهويد وتشويه الشخصية.

وإن تغييب القدس وفلسطين من الحضور إعلامياً جعل كلّ وسيلة إعلاميّة وكلّ إعلامي يرسم أولوية انطلاقاً من أهوائه واتّجاهات فكره وسياساته، وقد شغل هذا الإعلام الرأي العام عن القضية الكبرى القدس وفلسطين، مما أغرق مجاميع كثيرة في تفاصيل ونزاعات فئويّة طائفيّة ومذهبية وعرقية وجهوية، كلّها تخدم العدوّ الصهيوني والمشروع الاستعماري الصهيوأمريكي المسمّى: الشرق الأوسط.

إن الإعلام المأمول من المؤمنين، والذي يستهدي بالنبوّة، إنّما هو إعلام يعزّز روح المقاومة للصهيونية والأمركة المتستّرة بشعار العولمة، لأنّ إنهاء الاحتلال يؤسّس للأمن والاستقرار، ويسدّ المنافذ على ردود الأفعال وأشكال الاستغلال لبعض الملفّات وبشكل خاص المقدسات والقدس وفلسطين.

9- الاستعمار وتحدّياته: إن عالم اليوم يشهد منذ تسعينات القرن الماضي العشرين تخطيطاً وسلوكاً تقوم به الولايات المتحدة الأمريكيّة من أجل بسط هيمنتها وإرادتها الاستعمارية على العالم كلّه، وسوّقت مشروعها باسم العولمة، والعولمة مشروع فكري سياسي أمريكي أساسه إلغاء كل آخر، وهذه العولمة تحقّق لهم أُحادية قطبية على المستوى الدولي، ويريدون من خلالها فرض منظومتهم الهابطة في الأسرة، والعلاقات الاجتماعية، والفنون، والسياسة، وسائر ميادين الحياة.

فإرادة الأمريكي العولمي أن يجعل من نفسه شرطي العالم عسكريًّا وأمنيًّا، ومصرفي العالم ماليًّا واقتصاديًّا، فماذا كانت الحصيلة؟ استعمار وإرهاب ودماء وقتل وقواعد عسكرية واحتلال وفساد وانحطاط خُلقي وقيمي، يضاف إلى ذلك مشكلات اقتصادية وأمنية لم تنجُ منها الولايات المتّحدة الأمريكيّة ولا حلفاؤها.

وقد بات واقع الحال محتاجاً لإعلام يقاوم هذا الاجتياح الأمريكي للقيم، والذي ينشر ثقافة الاستهلاك والقتل والاستباحة، لتقوم حركة ثقافية ثرية بقيم النبوات والإيمان بلا تعصب، وهذه الحركة تؤصّل مفاهيم تأسيسيه لنسيج اجتماعي داخل كل أمّة ووطن، وعلى المستوى العالمي تتوافر من خلالها مقوّمات الاستقرار، ويكون ذلك مع العدل وحقوق الإنسان كل إنسان، ومع حقوق الأمم والأوطان في التحرّر والتنمية، وذلك يتحقّق بإعلام يقاوم كل أشكال الاستعمار والاغتصاب لأراضي الآخرين وحقوقهم، وإعلام مقاوم لكلّ فكر يدعو للإباحية والتفريط بالقيم، أو للعنصرية والتطرف والغلو.

فالنبوّة جاء بها المرسلون بالوحي الإلهي ليرفعوا الظلم، ويزيلوا الضلال، وليقيموا العدل وكل مقوّمات الحياة الكريمة، وفي واقعنا المعاصر لا سفينة نجاة إلاّ تلك التي يقودها الربّانيون الملتزمون منهج النبوّة لينقذوا البشرية جمعاء من الوحشية الصهيوأمريكية، ولينقلوها إلى شاطئ الأمن والأمان.

10- النبوّة ومطلب العزّة: لا مكان للدونيّة الفكريّة أو النفسيّة أو السلوكيّة مع الإيمان الحقّ. فالنبوّات كانت هدياً ربانيًّا لتحقيق العزّة والكرامة لكل إنسان، وهذا يستلزم إعلاماً ينشر فكراً قوامه غرس قيم العنفوان والتسامي، ورفض الخضوع لغير الله تعالى.

فالإشكاليّة هي في مفاهيم تغرس الدونيّة حين تُشعر المتلقّي بالضعف والقصور والعجز، وتدعوه للإستسلام للأقوياء مادّياً وعسكرياً، ولمن يستعمرونه ويستعبدونه، وينسى هؤلاء أنّ العزّة أساسها نفس مشبّعة بالإيمان وبالقيم التي تختزن إرادة المقاومة للباطل والذّل، وتطمح لتحقيق الإصلاح، ونشر الفضائل والأساس في ذلك الذات، فكلّ تغيير بدايته ومنطلقه الأنا الفردية التي تتشكل من مجاميعها الأنا الجماعية، وهذا هو واجب الإعلام الذي يتحرك في فضاءات القيم النبوية السامية، والمنطلق هو إزالة كلّ قابليّة للاستعمار- كما أشار المفكّر الجزائري الإصلاحي مالك بن نبي- لأنّ القابلية للاستعمار أخطر من الاستعمار نفسه، ويكون ذلك بثورة تفعل فعلها في تغيير الإنسان، لأنّ تغيير الإنسان أساس لتغيير يشمل المجتمع كلّه، والإنسان هو صانع الحضارة ومستهلكها، ونجاحه مرتبط بالثقافة التي يلتزمها والتي توجّه إنجاز الحضارة واستهلاكها. ولأنّ الثقافة الثرية بقيم النبوّة إنسانية فإنّ الحضارة التي يتمّ إنجازها في رحابها تكون في خدمة الإنسان المكرّم المستخلف في الأرض، وبعدها يكون استهلاك منجزات هذه الحضارة في إطار ما يحقّق سعادة هذا الإنسان.

خاتمة:

إنّ ما تمّ عرضه في هذه الورقة هو قليل من كثيرة المشكلات والتحدّيات التي تلقي على عاتق الإعلام مهمّات المعالجة، وهذه المعالجة تحتاج للالتزام بمنظومة القيم النبويّة الرسالية لتثمر ما فيه الصالح العام للإنسان، والعمل من أجل القيام بهذه المهمات أساسه الإنطلاق من الذات تأسيساً على القاعدة القرآنية: ﴿إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾ (سورة الرعد، الآية 11).

ويحتاج الأمر كذلك لعهد إعلامي نبويّ المنطلقات والمقاصد، ولميثاق شرف لا يخرقه أحد من المؤمنين الذين يتولون المهمّة الرسالية لإنقاذ الإنسان من وحشية تلحق الدمار والخراب بالجميع.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


الدكتور أسعد السحمراني

أستاذ العقائد والأديان في جامعة الإمام الأوزاعي- بيروت

مسؤول الشؤون الدينيّة في المؤتمر الشعبي اللبناني



ارسل لصديق