وبدأت التسوية السياسية في سورية
جريدة الرياض
كتبه: محمد محفوظ
حرر في: 2016/04/12
التعليقات: 0 - القراءات: 7297

قطار التسوية السياسية الذي انطلق في سورية، سينطلق أيضاً في ملفات إقليمية أخرى.. وحتى يتمكن المنطق التسووي من كل الأطراف، فهو بحاجة إلى فترة زمنية متوسطة.. وسيبقى جميع أطراف الأزمة السورية يتراوحون بين المنطق القتالي، والمنطق التسووي إلى أن تستقر آراء الجميع على المنطق التسووي

وفق كل المعطيات والمؤشرات السياسية المتعلقة بالأزمة السورية وتطوراتها المختلفة، نتمكن من القول إن قطار التسوية السياسية في سورية قد انطلق، مع تراجع ملحوظ في حجم المعارك العسكرية الموجودة في الميدان السوري..

فالنظام في سورية لم يتمكن من حسم المعركة عسكرياً، كما أن المعارضة المسلحة بكل ألوانها وعناوينها لم تتمكن من حسم المعركة عسكرياً..

وحينما تتساوى الأطراف في عدم قدرتها على حسم المعركة عسكرياً، فلا خيار أمام الجميع إلا التسوية السياسية.. والذي سيبالغ الجميع في شروطه وسيكون لسان الجميع: أن الذي لم نتمكن من تحقيقه بالسلاح سنعمل على تحقيقه بالتفاوض والعمل السياسي.. ولكن هذه المبالغة في شروط التسوية هي في جوهرها لتمرير خيار التسوية لدى الأطراف السياسية والاجتماعية الرافضة لخيار التسوية..

لأن من أبجديات التفاوض والتسويات السياسية، أن الأمر الذي لم تتمكن من تحقيقه في الميدان وعبر المعارك العسكرية، لن تتمكن من تحقيقه عبر المفاوضات والتسويات السياسية.. ومن يتعامل بذهنية المعارك العسكرية في مشوار المفاوضات، فإنه لن يتمكن من تحقيق كل ما يطلبه في المفاوضات..

لأن مسار المفاوضات والتسويات السياسية يستند على حقائق ومعطيات الميدان.. ويخطئ من يتصور أنه قادر على تحقيق كل ما يصبو إليه بعيداً عن حقائق الواقع الميداني..

ندرك صعوبة أن تلتزم كل الأطراف بكل مقتضيات الهدنة أو التسويات. ولكن إذا أخذنا حقائق الهدنة الأولى التي جرت بين النظام وأطراف المعارضة المسلحة، نعتبر أن هذه الهدنة مع وجود اختراقات عديدة لها، إلا أنها وفق المقاييس السياسية ناجحة وبالإمكان تكرارها ومعاودتها..

فالحرب الكبرى التي تجري في سورية مكلفة على كل الأطراف.. والاستمرار فيها يعد شكلاً من أشكال التدمير الذاتي لسورية الإنسان والتاريخ والحضارة..

وحينما نقول إن قطار التسوية في سورية قد انطلق، فهذا لا يعني أنه سيصل قريباً إلى نهاية المسار.. لأن التسوية ستستمر مدى من الزمن لتثبيت مبادئ التسوية وجدول الأعمال لقطار التسوية وكيفية الوصول إلى حل سياسي مقبول من جميع الأطراف..

فكما أن الحرب القائمة هي بين أطراف وقوى عديدة، فهي كذلك حركة التسوية ينبغي أن تكون شاملة لكل الأطراف، ومن الضروري لنجاحها أن تكون مقبولة من جميع الأطراف أو في أقل التقادير تكون مقبولة من الأطراف القادرة على ضبط الميدان والسيطرة عليه.. وحينما نتحدث عن تسوية سياسية بعد عدم القدرة على حسم المعركة أو الحرب عسكرياً، فإننا نتحدث عن ضرورة وجود تنازلات متبادلة بين الطرفين.. وأي تلكؤ من قبل أي طرف في تقديم التنازلات، فهذا يعني توقف أو فشل خيار التسوية السياسية.. لا تسوية سياسية بدون تنازل متبادل، وسيبقى القادر في الميدان، أكثر قدرة على التحكم في تنازلاته.. أو أن تنازلاته ستكون أقل من الطرف المقابل في حجمها ونوعيتها..

ورجحان خيار التسوية السياسية في الملف السوري، يعود إلى مسألتين أساسيتين وهما:

المسألة الأولى: عدم قدرة أي طرف على حسم الحرب بالقوة العسكرية، فأصبحت الحرب العسكرية بلا أفق لإنهاء المعارك..

والمسألة الأخرى: هو نضوج خيار الشراكة الأميركية - الروسية، هذه الشراكة هي التي تدير خيار التسوية، وهي التي تضغط لقبول جميع الأطراف بخيار التسوية.. ويبدو أن التوافق الأميركي - الروسي على حل الأزمة السورية بالوسائل السياسية، سيقود إلى تسويات إقليمية في ملفات أخرى..

لذلك نتمكن من القول: إن قطار التسوية السياسية الذي انطلق في سورية، سينطلق أيضاً في ملفات إقليمية أخرى.. وحتى يتمكن المنطق التسووي من كل الأطراف، فهو بحاجة إلى فترة زمنية متوسطة.. وسيبقى جميع أطراف الأزمة السورية يتراوحون بين المنطق القتالي، والمنطق التسووي إلى أن تستقر آراء الجميع على المنطق التسووي..

وحينما نقول إن قطار التسوية في سورية قد انطلق، فلا يعني أن الحرب في سورية قد انتهت، وإنما نقول إنها أضحت من أجل غاية التسوية.. فكل طرف يمارس الحرب من أجل تحسين شروط التسوية..

واجتماعات جنيف بين النظام والمعارضة برعاية دولية، ستؤكد في اجتماعاتها القادمة منطق التسوية.. وسيعمل الروسي والأميركي معاً من أجل نجاحها والضغط على الجميع من أجل القبول بمنطق التسوية في سورية..

وبطبيعة الحال فإن منطق التسوية، لا يغير كل معادلات الواقع السياسي في سورية، وإنما سيغير بعضها بما ينسجم ورؤية الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الروسي الاستراتيجية لموقع سورية في خريطة المنطقة..

والخلاف الحقيقي بين الطرفين في سورية، هو في طبيعة الحل وحدوده وآلياته..

فكل طرف لديه رؤيته للحل وحدوده، وستكون المعركة السياسية والدبلوماسية منحصرة في هذا الأمر.. فالمعارضة السورية ترى أنه لا تسوية سياسية إلا برحيل الأسد، بينما النظام يرى أن هذه المسألة من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها.. وإن إخفاق إسقاط الأسد بالحرب والقتال سيؤكد منطق النظام في هذه المسألة. وعلى كل حال ستشهد جميع الأطراف المتصارعة في سورية معركة سياسية ودبلوماسية شرسة ومعقدة، لبناء توافق سياسي، ينهي حالة الحرب في سورية، ويؤسس لواقع سياسي جديد تشترك فيه بعض أطراف المعارضة السورية في بناء نظام الحكم السياسي الجديد في سورية..







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


محمد محفوظ

الاسم: الشيخ الأستاذ محمد جاسم المحفوظ.

مكان وتاريخ الميلاد: ولد بسيهات عام 1966م


النشأة والدراسة:
-تلقى تعليمه الأولي في مدارس سيهات
- التحق بحوزة القائم ودرس فيها ودرس لمدة أربعة عشرعاما


المهنة والعمل:
كاتب، مدير تحرير مجلة "الكلمة" مدير مركز آفاق.


الأعمال والنشاطات:
- ساهم في إدارة مجلة "البصائر".
- شارك في تأسيس مجلة "الكلمة" وهي مجلة فصلية تعنى بالقضايا الفكرية والثقافية.
- شارك في العديد من المؤتمرات الفكريةوالثقافية.
- كتب مقالات ثقافية واجتماعية وفكرية في جريدة اليوم السعودية.
- له كتابات كثيرة ومتنوعة خاصة في المجال الفكري
-له حضور بارز في الندوات والمنتديات الثقافية والأدبية في المنطقة
- يكتب مقالا أسبوعيا في جريدة الرياض .


المؤلفات والإصدارات:
1- الإسلام مشروع المستقبل ، دار النخيل ، بيروت .

2- نظرات في الفكر السياسي الإسلامي ، دار الصفوة ، بيروت .
3- الإسلام ، الغرب وحوار المستقبل ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
4- الأهل والدولة بيان من أجل السلم المجتمعي ، دار الصفوة ، بيروت .
5- الفكر الإسلامي المعاصر ورهانات المستقبل ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
6- الأمة والدولة من القطيعة إلى المصالحة لبناء المستقبل ، المركز الثقافي العربي، بيروت .
7- الحضور والمثاقفة - المثقف العربي وتحديات العولمة ، المركز الثقافي العربي، بيروت .
8- العولمة وتحولات العالم – إشكالية التنمية في زمن العولمة وصراع الثقافات ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
9- الواقع العربي وتحديات المرحلة الراهنة ، دار الإشراق الثقافي ، بيروت .
10- العرب ومتغيرات العراق ، دار الانتشار العربي ، بيروت .
11- الإسلام ورهانات الديمقراطية – من أجل إعادة الفاعلية للحياة السياسية والمدنية ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
12- الإصلاح السياسي والوحدة الوطنية – كيف نبني وطنا للعيش المشترك ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
13- الحوار والوحدة الوطنية في المملكة العربية السعودية ، دار الساقي ، بيروت .
14- الآخر وحقوق المواطنة ، مركز الراية للتنمية الفكرية ، دمشق .
15- شغب على الصمت ، مركز الراية للتنمية الفكرية ، دمشق .
16- ظاهرة العنف في العالم العربي – قراءة ثقافية ، كتاب الرياض ، عدد 144 .
17- أوليات في فقه السنن في القرآن الحكيم ، مركز الراية للتنمية الفكرية، دمشق .
18- التسامح وقضايا العيش المشترك ، مركز أفاق للتدريب والدراسات ، القطيف 2007م.
19- سؤال الثقافة في المملكة العربية السعودية. دار أطياف
20- العرب ورهانات المستقبل الوطنية. جرديدة الرياض
21- الحوار المذهبي في المملكة العربية السعودية . دار أطياف
22- الإصلاح في العالم العربي. دار العربية للعلوم.
23- المواطنة والوحدة الوطنية في المملكة العربية السعودية. نادي حائل الأدبي.
24- ضد الطائفية. المركز الثقافي العربي.
25- الأسلام والتجربة المدنية مقاربة أولية. كراس صغير
26- الحوار أولا ودائما . كراس صغير
27- ملامح حقوق الإنسان في التشريع الإسلامي. كراس صغير
28- حرية التعبير في التشريع الإسلامي . كراس صغير

2016/06/22 | مقالات | القراءات:6432 التعليقات:0
2016/06/12 | مقالات | القراءات:6447 التعليقات:0
2016/05/12 | مقالات | القراءات:6346 التعليقات:0
2016/04/12 | مقالات | القراءات:7297 التعليقات:0
2016/03/23 | مقالات | القراءات:7433 التعليقات:0


ارسل لصديق