بناء منظومة الحقوق الإنسانية
كتبه: سيد كامل الهاشمي
حرر في: 2010/05/19
التعليقات: 0 - القراءات: 4368

في هذه المقالة نتعرض للدور المهم والأساسي الذي أراد الإمام علي بن أبي طالب (ع) أن يسهم من خلاله في بناء وتأصيل منظومة الحقوق الإنسانية، وأهمية هذا الدور تكمن بشكل خاص في اشتغاله ضمن محورين:-

 المحور الأول: التأسيس النظري لمفاهيم الحق.

المحور الثاني: التأصيل العملي لمقتضيات الحق.

 

المحور الأول:

التأسيس النظري لمفاهيم الحق: وفي هذا الشأن أهم ما يستوقفنا في التجربة العلوية هو كلمته الرائعة تلك حول مبادئ ومفاهيم الحق، والتي تمثلت في الخطاب التأصيلي والتأسيسي الذي ارتجله الإمام علي عليه السلام في صفين، وهو يخوض غمار الحرب والمواجهة ليدلّل على أن الحرب لا يمكن أن تكون مشروعة إلاّ حينما تستهدف إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وفي بداية خطبته تلك نلمح تأسيساً عقلياً فلسفياً رائعاً لمفهوم الحق لا نجده في أيّة محاولة تأسيسية أخرى في هذا الشأن، إذ يبدأ كلامه بالقول: (أما بعد فقد جعل الله لي عليكم حقاً بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحق مثل الذي لي عليكم؛ فالحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله). فنحن هنا أمام تأسيس دقيق ومحدّد لمفهوم الحق وآلية عمله في دنيا البشر، وينطوي هذا التأسيس على عدّة تحديدات نعرض إليها بشكل سريع:-

 

التحديد الأول:

التصريح بمجعولية منظومة الحقوق من قبل الله سبحانه وتعالى، على أساس أنها المنظومة التي تحكم مختلف العلاقات الثنائية، وفي هذه اللفتة المهمة من قبل الإمام علي عليه السلام ربط واع ومهم على المستوى الفلسفي والحقوقي بين الحق ضمن تجلياته المختلفة في واقع الإنسان، وبين الله سبحانه وتعالى بوصفه الحق المطلق الذي يبدأ منه كل حق وينتهي إليه الحق كله، وهو ما ألمح إليه الذكر الحكيم في قوله تعالى:  ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ  [الحج 62].

 

فالله إذن هو الحق الذي لا يشوبه باطل ولا يخالطه عدم ولا يعتريه نقص، فهو الأجدر دون غيره بأن يكون مصدر الحق ومبدأه، ومنتهاه وغايته، وهذا ما يجعل له عزّ اسمه الحق التام في جعل الحقوق وتشريعها، وفرضها وتنظيمها؛ ومن خلال هذا التأسيس المحايد لمصدر مجعولية الحق يغلق الباب أمام مختلف الأطراف البشرية أن تكون هي مصدر الحق، لأن في ذلك هضم للحق، إذ ليس أحد من البشر أحق من غيره في تحديد وإعمال الحق، وإعطاء أحد من البشر الحق في تحديد الحق من دون إرتباط بالحق هو هضم للحق، لأن كل البشر تتساوى في جريان الحقوق لها وعليها، بينما لله تعالى شأنه الذي لا يشاركه فيه البشر، إذ ليس كمثله شيء، بينما أيّ واحد من البشر مهما تجرّد وسما يبقى ضمن مسمى البشر، وهو ما ألمح إليه -عليه السلام- في قوله: (ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه).

 وهذا التحديد من قبل الإمام علي عليه السلام لمبدئيّته تعالى ومرجعيته للحق أهميته أنه يحسم الخلاف بين البشر على المستوى المعرفي والحقوقي، وإن كان لا يحسمه على المستوى العملي لأن هذا المستوى لا يخضع في كثير من الأحيان للمنهجية المنطقية الصارمة التي يمكن لها أن تحكم أفكار العقلاء على مستوى التفكير والنظر العقلي المجرّد، وهذا الأمر بالضبط هو السبب في أن البشر كانت ومازالت وستظل تختلف حول الحق مفهوماً وممارسة، وإن كانت لا تختلف في أن ما هو حق يجب الالتزام به، وهو ما معناه عليه السلام بالتحديد حينما قال: (فالحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف). فكل الناس تصف الحق وتعتقد أن ما عليه كل واحد منهم هو الحق، ولكنها حينما تلزم بالحق تكرهه وتضيق به، لأن أيّ واحد منهم ليس هو الحق ولا عينه ولا ذاته، بخلافه سبحانه وتعالى الذي هو الحق ومنه الحق وإليه يعود الحق.

 

التحديد الثاني:

الإقرار والاعتراف بأن "الحق" أمر يتبادل الالتزام به كل الأطراف في مجال العلاقات الثنائية، وهذا ما يلغي تماماً أيّة فرصة لسوء الاستفادة من السلطة التي يتيحها الحق لأيّ طرف من الأطراف، فالحق يعطي كل ذي حق حقه من دون زيادة أو نقيصة، وإلاّ لم يكن الحق حقاً، وهو أمر لا يكون إذ يأبى الحق أن لا يكون حقاً، وهذا التأصيل لمفهوم الحق المتبادل الذي أشار إليه علي عليه السلام بقوله: (لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له) تبتني عليه مجمل منظومة الحقوق المدنية في الاجتماع البشري، فقوام الاجتماع البشري بقدرته على تحقيق العدل في مسيرته كما يفهم ذلك بكل وضوح من قوله تعالى في سورة الحديد:  َقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ...  [الحديد 25]، وقيام الناس بالقسط الذي يعني تحقيق العدل في دنياهم لا يتأتى إلا عبر تفعيل منظومة الحقوق في مختلف المجالات، ومن هنا كان جريان الحق لأيّ أحد من الناس يستدعي وجوب حق في ذمته من جهة أخرى، وفي ذلك تأصيل للرؤية الوحيدة التي يمكن للمجتمع البشري من خلالها فحسب أن يحقق معنى ومضمون العدل الاجتماعي في واقعه وممارساته، وهذا ما يستدعي منّا أن نقدم تصوراً مختصراً حول أطوار التجربة الإنسانية في مجال الممارسة السياسية، ونعني بها بشكل خاص في مجال تشكيل الدولة وطبيعة هذا التشكل. والتقسيم الذي نعتمده لهذه الأطوار يقوم على ثنائية الحقوق والواجبات ودورهما في رسم وتحديد ملامح الدولة في كل مرحلة من مراحلها التاريخية والزمنية، وتوضيح هذه الأطوار هو بالشكل التالي:-

 

دولة الواجبات:

هذه هي المرحلة التاريخية الأولى التي شهدتها الدولة في عالمنا البشري، وهي المرحلة التي انصب الحديث والاهتمام فيها بالواجبات التي على المواطن في الدولة أن يقوم بها، وكان من الطبيعي أن ينشأ في ظل هذا الوضع تضخم في جانب على حساب الجانب الآخر، والمتمثل في تقرير منظومة الحقوق، والتي لم تشهد اهتماماً بها إلاّ في ظل الدولة في مرحلتها التالية، وفي ظلّ هذا الوضع أيضاً غالباً ما كان يحتدم الصراع بين الدولة (= السلطة السياسية) ورعاياها، لأن القائمين بمهام السلطة السياسية ومن تتلاقى مصالحه معهم من أصحاب الأموال والوجاهة الاجتماعية والنفوذ حرصوا على إثقال كاهل المواطن بالواجبات والمهام التي يتحمل مسؤولية القيام بها، في الوقت الذي كانوا يغضون النظر عن ما ينبغي أن يتمتع به هذا المواطن الكادح من حقوق ومزايا.

 

دولة الحقوق:

على أثر الارتداد العكسي والتنفر الشديد من هيمنة أصحاب النفوذ والسلطة والأموال والذين كانوا يمثلون الأقلية في أيّة دولة وأيّ مجتمع اتجه الناس للاهتمام بمنظومة الحقوق الأولية والثانوية التي ينبغي حفظها لكل إنسان، وهكذا بدأت الأصوات تعلو منادية بضرورة الإقرار والاعتراف من قبل الدولة والمجتمع بمنظومة الحقوق الإنسانية، وربما شهد الإنسان هذه الظاهرة بوضوح أكثر في المسار الحديث للدولة، والذي بدأ بشكل محدد مع بداية ما يسمى بعصر النهضة في أوروبا والعالم الغربي، وهو العصر الذي شهد في النهاية صياغة وإقرار عدّة مواثيق لحقوق الإنسان، أهمها وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا عام 1789م، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته هيئة الأمم المتحدة في عام 1948م، وبالرغم من الأهمية البالغة التي مثلتها مثل هذه المواثيق إلاّ أنها لكونها جاءت نتيجة ردود فعل عكسية ومنفعلة فقد شطت عن الصواب، حينما أمعنت في الحديث عن حقوق الإنسان مؤصلة لمبدأ الفردية والحرية اللامسؤولة، متناسية ضرورة إقرار مبدأ يوازن بين الحقوق والواجبات من دون أن يبرز واحداً منها على حساب الآخر، فيعيد تكرار الخطأ الذي مارسته الدولة في مرحلتها السابقة ولكن من موقع آخر.

 

دولة الحقوق والواجبات:

تتوازى كفتا الميزان حينما تتعادل الأثقال فيهما، وهكذا تنتظم وتعتدل ثنائية الحقوق والواجبات إذا ما تم الحديث عنهما والاهتمام بهما بشكل متواز ومنضبط، وهو التأطير الذي يفترض أن تقوم به الدولة في أعلى مراحلها وأرقى أطوارها في علاقتها بثنائية الحق والواجب، وهذا بالضبط ما أراد الإمام علي عليه السلام أن يقوله في حديثه المتقدم عن الحق، والذي يتم من خلال النظر إلى أن كل حق يستدعي واجباً، وأن كل واجب يستدعي حقاً، وهو ما يمثل التأسيس الفلسفي والعقلي المطلوب والعادل للعلاقة بين الحقوق والواجبات في عالم الوجود ودنيا الإنسان.

 

وإذا كان لأحد أن يستثنى من هذه القاعدة العقلية فليس ذلك إلاّ الله سبحانه وتعالى، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، وهو الوحيد الذي له الحق على الآخرين، من دون أن يكون لأحد عليه حق بالأصالة، لأن الحق إنما يكون باستحقاق سابق، وليس لأحد استحقاق سابق عليه عزّ وجل، ولكنه لمزيد فضله وتمحضه في الحق والحقانية تفضل على العباد بأن جعل لهم حقاً عليه في مقابل إلتزامهم بتأدية الحقوق التي له عليهم، وهو ما عناه الإمام علي عليه السلام بقوله المتقدم: (ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد أهله). وهكذا يؤصل هذا الخطاب من قبل علي عليه السلام لمبدأ في غاية الأهمية ومفاده: أن لا أحد يستثنى من ضرورات الالتزام بالحق وأهمية جريانه عليه.

 

التحديد الثالث:

يتمثل التحديد الثالث في تجاوز الإمام علي عليه السلام التأسيس النظري المجرّد لمعنى ومفهوم الحق، وولوجه بشكل مباشر في تحديد أهم عناصر منظومة الحقوق المتبادلة، وهي ما يمكن أن نسميها بمنظومة الحقوق المدنية، التي لا يستغني أيّ مجتمع متحضر له طابع مدني متطور عن ضرورة تحديدها بشكل دقيق أولاً، وتفعيلها في الممارسة الاجتماعية والسياسية ثانياً، وهذا التحديد يصيغه الإمام علي عليه السلام عبر قوله: (ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها ويوجب بعضها بعضا. ولا يستوجب بعضها إلا ببعض. وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي. فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاما لألفتهم وعزا لدينهم. فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية. فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها، عزّ الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على إذلالها السنن فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء. وإذا غلبت الرعية واليها، وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدين وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى، وعطلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الأبرار وتعز الأشرار، وتعظم تبعات الله عند العباد) .

 

وفي بداية هذا البيان يستعيد عليه السلام التأكيد على أن مبدأ الحقوق، بما فيها الحقوق الاجتماعية والسياسية بين البشر هو الله تعالى، فالحقوق اللازم مراعاتها بين الناس هي جزء من المنظومة الشاملة والكلية للحقوق، والتي لا تفرق في لزوم أداء الحق بين حق وآخر، لأن الحق سبحانه ساوى في استحقاق الحقوق (فجعلها تتكافأ في وجوهها ويوجب بعضها بعضا. ولا يستوجب بعضها إلا ببعض).

 

وتتحدد الحقوق المدنية (السياسية والاجتماعية) بوصفها أهم الحقوق في منظومة الحقوق الإنسانية العامة كما يرى الإمام علي عليه السلام، وهذا ما يبرر أن تفرد بالذكر للأهمية البالغة التي تحظى بها في ترتيب الشأن العام، ولأهميتها أيضاً من حيث الآثار الكبرى المترتبة على مراعاتها والالتزام بها من قبل الطرفين، فالدولة والأمة لا يمكن أن تنعما بالاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي والرخاء الاقتصادي إلاّ في ظل التزام متبادل وكامل من قبل الاثنين بواجباتهما، ومراعاة كل منهما لحقوق الآخر، وهذا ما يبدد شبح الاستبداد السياسي الذي يهدد الأمة من قبل السلطة، ويزيح رغبات الغلبة والانتصار التي تلغي فاعلية الدولة من قبل الأمة، وانطلاقاً من ذلك فإن علياً عليه السلام يقدم لنا صورتين متباينتين أشد التباين لتفعيل أو تعطيل منظومة الحقوق بين السلطة والأمة.

 

ففي الصورة الأولى يتبادل الطرفان الالتزام بمبدأ مراعاة الحقوق، فالحاكم يؤدي ما وجب عليه من حق تجاه رعيته، وكذا تفعل الرعية قباله فلا تتأخر عن تأدية حقوقه إليه، وهذا ما يستدعي أن ننظر إلى أمر إدارة السلطة السياسية بوصفه أشبه بالعقد القائم بين طرفين عاقلين راشدين يتحمل كل منهما أداء مسؤوليته أمام الآخر. ومن خلال الحديث عن هذا التحديد الثالث يتهيأ المجال إلينا من أجل استعراض المحور الثاني من هذه المقالة، والذي يعني بالكشف عن الممارسات العملية التي قام بها الإمام علي عليه السلام من أجل تأصيل مقتضيات العمل بالحق، وهي المسؤولية الأصعب التي واجهها كحاكم سياسي في مهمة إقرار الحقوق وتثبيتها.

 

المحور الثاني: التأصيل العملي لمقتضيات الحق: يرتبط ضعف الحس الحقوقي عند الإنسان ببلادة ذهنية تقربه من الأغبياء، وتفقده الشعور بما يشعر به الأسوياء من الناس، وقد يتجمد الإحساس والشعور عند البعض من الناس إلى الحد الذي لا يستثيرهم ولا يزعجهم أيّ منظر مأساوي أو عاطفي مهما بلغ في مأساويته وعاطفيته، وكلما أوغل المجتمع في الاستبداد والقهر كلما ضعف عنده الشعور بأهمية الحقوق، واستسهل التجاوز عليها ومصادرتها، وهذا ما يضاعف على العاملين في الشأن الحقوقي المسئولية، ولاسيما في تجربتنا السياسية والاجتماعية في العالم العربي والإسلامي، وهو العالم الذي توفر على اهتمام بالغ بالحقوق السياسية والمدنية على مستوى التراث والنصوص، في الوقت الذي مازالت منظومة الحقوق الفردية والعامة تشهد في واقعه القائم خروقات متتالية ومستمرة، تفصح عن محنة كبيرة وخطيرة في المجال الحقوقي.

 

وقد يعتقد البعض أن الشعور بأهمية الحقوق وضرورة الحفاظ عليها، أو كما أسميه "بناء الحس الحقوقي" لدى الإنسان هو قضية ترتبط في جوهرها بالبناء النظري للمفاهيم والقيم، بمعنى أنه حينما نكّثر من النصوص الدينية التي تظهر اهتمام الإسلام بالحق في أيّ مجال من مجالاته، فإن ذلك سيكون كفيلاً ببناء هذا الحس الحقوقي المرهف عند الإنسان، ولكن هذه فرضية أو نظرية خاطئة جداً، ولاسيما أنها قد جرّبت واختبرت، فليس ما ينقصنا في التجربة العربية والإسلامية منذ أول لحظة لتشكلها إلى يومنا هذا هو قلة وإعواز النصوص التي تفصح عن مواقف مشرفة وغير مسبوقة من قبل زعماء إسلاميين تجاه هذا الحق أو ذاك، من الحقوق التي لا مناص من أن يتمتع بها الإنسان في كل عصر وزمان، وإنما ما نحتاجه هو بناء هذا الوعي بأهمية الممارسة الحقوقية، والعمل على اعتبار مختلف الحقوق المقررة إنسانياً ودينياً مبادئ لا يجوز التجاوز عليها من أيّ كان، وتثبيت آليات قانونية تردع من يتجاوز على أيّ حق لأي فرد من أفراد المجتمعات أو هيئاته الاعتبارية والحقوقية.

 

وهو الأمر الذي نعتقد أن التجربة الغربية الحديثة في مجال حقوق الإنسان قد وفقت فيه، عبر عملها على تدشين وإقرار الدساتير والمواثيق الإنسانية والحقوقية من جهة، وعبر تحديد وتفعيل الآليات القانونية والدستورية التي لها صلاحية التأكد والتثبت من أيّة خروقات يقوم بها أيّ طرف من الأطراف من جهة أخرى.

 

ومهما يكن من أمر فإن العمل على بناء الحس الحقوقي هو الخطوة الأولى على طريق إقرار الحقوق وتثبيت العمل بها ومنع التعدي عليها، ولا شك أن إنجاز هذه الخطوة في حدّ ذاتها يمكننا أن نعده عملاً كبيراً ومهماً للغاية، فما نفتقده لحدّ اليوم هو تأصل هذا الشعور بأهمية مراعاة حقوق الآخرين، واعتبار العمل من أجل الحفاظ عليها وحمايتها واجب إنساني عام لا يجوز التفريط فيه.

وإذا ما أردنا أن نتوقف أمام لحظة مشرقة من لحظات تاريخنا الإسلامي القديم فلن نستطيع أن نعدو شخصية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي تجسد الكثير من مواقف حياته إضافات عملية مهمة على طريق بناء الحس الحقوقي عند الإنسان، فقد استشعر الإمام علي عليه السلام مسئوليته في القيام بهذا الواجب في عدّة مواقف، لا نستذكرها كمجرد إضافات نصوصية جامدة، وإنما نستذكرها من أجل بيان عمق الخلل الذي نعانيه -نحن العرب والمسلمين- في ما بنيناه من وعي بحقوق الإنسان والمواطن، وهو المجال الذي ظلّ نسياً منسياً في الوعي السياسي والاجتماعي للحاكم والمحكوم على السواء، حتى لم تعد تستثيرنا اليوم كل مظاهر الإهمال والتجاوز للحقوق، بعد أن فقدنا الإحساس المرهف بأهمية هذه الحقوق، بينما تستثير الإمام عليه السلام صورة شيخ مسيحي عجوز أعيته السنون وأثقلت كاهله أعباء العمر الطويل، فظلّ وحيداً يكابد الشقاء والحرمان، فقد (مر شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! نصراني، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه؟ أنفقوا عليه من بيت المال) .

ويفصح لنا هذا الموقف كيف انبنى الحس الحقوقي في شخصية علي عليه السلام، فلم يفرّق -وهو حاكم المسلمين يوم ذاك- بين مواطن وآخر على أساس الدين أو الطائفة أو القبيلة أو الانتماء للحزب، وهو الشيء الذي أكد أنه يتبناه قولاً وعملاً، وشعاراً ومشروعاً، حينما وضع ذلك المبدأ الحقوقي والأخلاقي والإنساني الرائع في عهده لمالك الأشتر موصياً إياه بالقول يوم أن بعثه عاملا له على مصر: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم) .

ولم تكن هذه المواقف على مستوى الفكر والممارسة تصدر من علي عليه السلام كومضات متقطعة لا ترتبط بخيط، ولا تنتمي إلى أصل أصيل يصدر منه هذا الرجل في كل قضية من القضايا الحقوقية التي واجهها، بل يكشف لنا الاستقراء لمواقفه في قضايا متعددة ومختلفة عن وعي مبكر، وإحساس مرهف، وضمير يقظ، توافرت كلها في هذه الشخصية حتى صارت تعيش القلق والألم لمجرّد فكرة تراودها تقول أنه ربما هناك في جزء بعيد من الوطن الذي تحكمه -يا علي- من لا عهد له بالشبع ولا طمع له في القرص، ولأجل ذلك كان يقول: (ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة. ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى؟ أو أكون كما قال القائل: وحسبك داء أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحن إلى القد أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش) .

 

ويتبلور هذا الشعور الإنساني بأهمية الحقوق في حس ووجدان علي عليه السلام إلى الحد الذي يتمنى فيه الموت على أن يرى ضعيفاً يقهر، أو حرمة تنتهك، أو حقاً يستلب، فيخاطب جيشه معاتباً بعد أن غار جيش معاوية على منطقة الأنبار بالقول: (ألا وإنّي دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسرّاً وإعلاناً، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يَغْزُوكم، فوالله ما غزي قوم قطّ في عقر دارهم إلاّ ذلّوا. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شُنَّت عليكم الغارات وملكت عليكم الأوطان. وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الأنبار، وقد قَتَلَ حسّان بن حسّان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فيَنْتَزِع حجلها وقُلبها وقلائدها ورُعُثها، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلاً منهم كَلَمٌ، ولا أريق لهم دم؛ فلو أن امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً) .

 

وفي موقف آخر يتبدى الحس الحقوقي عند علي عليه السلام بمستويات يصعب تحملها أو تبريرها ضمن مقاييس منطقنا الإنساني، إلا أن تتحكم في صياغة متطلبات هذا المنطق مبادئ المنطق الإلهي الذي يحسب له علي عليه السلام أكثر ممّا يحسب لمنطق الإنسان وضروراته، فيتحدث عن موقف له مع أخيه وأقرب المقرّبين إليه بالقول: (والله لقد رأيت عقيلا، وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا وكرر علي القول مرددا فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقا طريقي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى) .

 ويتأصل بناء الحس الحقوقي ويتجذر عند علي عليه السلام إلى الحدّ الذي يجعله قلقاً على المساس بحقوق الآخرين، حتى في اللحظات التي يسلبه الآخرون أبسط حقوقه في العيش والحياة، فيوصي قومه في اللحظات الأخيرة من حياته بعد أن أصابه الخارجي بسيفه: (يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور") .

 وأخيراً يتكلم علي عليه السلام من وحي الرسالة والتاريخ، ومعاناة التجربة والألم ليصرخ فينا كأمة لن تنال التقديس والاحترام، ولن تحظى بالتقدير والإجلال مادامت تنتقص فيها الحقوق، أو تعطى مهللة منغصة بالمكرمات، أو حتى بعبارات الشكر والثناء، فيخاطب عامله على مصر بالقول: (واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في غير موطن: "لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع") .

 وهكذا أراد لنا علي عليه السلام أن نعلم أننا لن نقدس ولن نعيش كبشر يحظون بالعزة والكرامة مادام حسنا الحقوقي متبلداً جامداً خامداً، ومادام المحكوم يهمس من وراء الحاكم، والمتعلم من وراء العالم، والفقير من وراء الغني. أليس هذا هو المقياس الحديث لتفعيل مبادئ الحق الإنساني، وهو أن لا يهمس المحكوم من وراء الحاكم لأنه لا يخشاه، وهو نفسه -وبعبارة أبلغ- ما قاله رسول الأمة والإنسانية excaim في غير موطن: (لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع).

 

---

 

* باحث وكاتب من البحرين.

 

 

 







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


سيد كامل الهاشمي


ارسل لصديق