مطارحات نقدية في أسباب استمرار تخلف المجتمعات العربية
كتبه: سيد كامل الهاشمي
حرر في: 2010/05/19
التعليقات: 0 - القراءات: 6278

مجتمعات عصيّة على التغيير

مطارحات نقدية في أسباب استمرار تخلف المجتمعات العربية

تمهيد: يكثر الحديث اليوم -وفي ظل الانهيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها عالمنا المعاصر، وفي ظل ارتفاع وتيرة الأزمات والحروب والمصادمات الداخلية والحضارية- عن متطلبات التغيير والإصلاح بوصفها ضرورات باتت تفرضها طبيعة وحدة وخطورة تلك الانهيارات، التي أضحت أقرب إلى الفوضى الشاملة التي تطال حياة البشر في هذا العصر ضمن كل مناحيها ومستوياتها.

 ومن أكثر المجتمعات التي صار يكثر وينتشر فيها الحديث عن الإصلاح والتغيير والحكم الصالح هي المجتمعات العربية بكل مكوناتها السياسية والاجتماعية، ولكن رغم كل صيحات الإصلاح والتغيير والتطوير التي أريد لها أن تزحزح شيئاً من الجمود الذي تشهده الأوضاع في عالمنا العربي، إلا أنه ظلت الأوضاع تراوح مكانها، هذا إذا لم نقل أنها ظلّت تتراجع إلى الوراء بحسب الكثير من المؤشرات، رغم أن الحاجة إلى تحقيق إصلاحات والدعوة إلى إحداث تغييرات شاملة وجدية في الوضع العربي، لاسيما السياسي منه، لم تكن وليدة اليوم أو بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا في العام 2001، وإنما هي تمتد إلى فترة قرن واحد من الزمان على أقل تقدير ومنذ أيام الكواكبي والأفغاني ومحمد عبده، وغيرهم من زعماء الإصلاح في العالم العربي.

 

وفي ضوء البط أو التلكؤ في تحقيق معدلات حقيقية ومؤشرات فاعلة للإصلاح والتغيير والتطوير في هذا الجزء من العالم هل ينبغي لنا أن نقوم بعملية نقد وفحص وتشريح لمكونات المجتمعات العربية بشكل خاص لنفهم أنها تندرج ضمن الممكن أو المستحيل في عملية التغيير؟ وإذا كانت تندرج ضمن المستحيل فهل فكرة المستحيل في التغيير مقبولة اجتماعياً ومعرفياً أم لا؟ وإذا كانت مقبولة فما هي الأسباب التي تجعل من مجتمعاتنا العربية مجتمعات يستعصي أو يستحيل تحقيق تغييرات مؤثرة فيه؟

هذه الأسئلة هي ما نحاول أن نقدّم إجابات عنها في هذه المقالة، فنقول:

تأسيس لإشكالية المجتمعات العصية على التغيير: قال الله تعالى في ما حكاه من شأن بني إسرائيل: ) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ wوَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ w ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ wوَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( [البقرة 54-57].

 

هذا النص القرآني يثير تساؤلاً كبيراً للغاية، وهو كيف يوجه موسى عليه السلام أمره لبني إسرائيل بقتل أنفسهم، والحال أن كل دعوة نبوية هي في الصميم دعوة للحياة وللاستفادة من كل إمكانياتها؟

 يمكننا أن نفهم هذا الأمر من خلال استعراض تاريخ بني إسرائيل، وهو التاريخ المليء بأكثر قدر من محاولات الإصلاح والتغيير، والتي ظلّت تقدم الشاهد تلو الشاهد، والحجة تلو الحجة على أن هؤلاء الناس يصعب تغييرهم، أو يكاد يستحيل ذلك، وهو ما عناه تعالى بقوله فيهم: ) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ wفَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ wثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ ِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( [البقرة 72-74].

 المجاميع غير المؤهلة للإصلاح: وهذا النمط من الأمم أو الناس التي تتكسر على صخرة عنادها وإصرارها وجمودها كل مجاديف الإصلاح والتغيير والتطوير هي ما يطلق عليها اليوم في علم الأناسة "الانثربولوجيا" مصطلح: "المجاميع غير المؤهلة للإصلاح" كما يشير إلى ذلك بريجنسكي في كتابه: "الفوضى" ص13، فيتحدث قائلاً: (إن الأبعاد الفريدة لإراقة الدماء في القرن العشرين إنما هي نتاج نضالات وجودية مركزية هيمنت على هذا القرن وحددت هويته. وهي نضالات قد أفضت بدورها إلى أشدّ انتهاكين جماعيين وأخلاقيين في عصرنا نقلا قرن الأمل إلى واحد ميزته الجنون المنظم. فقد شمل الانتهاك الأول على حروب طويلة ومدمرة، ليس فقط بضحاياها من العسكر بل من المدنيين أيضاً، إنها الحريان العالميتان وما لا يقل عن ثلاثين حرباً دولية كبرى أخرى أو أهلية، بحيث لا تقل الخسائر في الحرب الواحدة عن عشرات الآلاف. فيما اشتمل الانتهاك الآخر على محاولات دكتاتورية لخلق ما يمكن وصفه بـ "الطوباوية القسرية"، أي مجتمعات مثالية تقوم على مبدأ التصفية الجسدية لـ "غير المؤهلين اجتماعياً"، أو ما يمكن تعريفه عقائدياً بالمجاميع غير المؤهلة اجتماعياً أو عرقياً للإصلاح).

وقد تظهر هذه المجاميع أو الجهات غير المؤهلة للإصلاح حالة من النفاق في رفع شعارات الإصلاح لتبعد عن نفسها شبهة إعاقة محاولات الإصلاح والتغيير، وهو ما عناه تعالى بقوله عن بعض الناس: ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ wأَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ( [البقرة 11-12].

 ومن الملفت للنظر أن العجز عن تحقيق معدلات إصلاح وتغيير في أيّ مجتمع بشري مردّه إلى ضعف قدرات الفهم والتدبر والالتزام عند الأكثرية الساحقة من أفراد هذا المجتمع، وهي ظاهرة عنى القرآن بالإشارة إليها في أكثر من مورد فقال عن الجماعة المتخلفة التي وجدها ذو القرنين خلال تجواله في الأرض: ) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ( [الكهف 93]، ونفس هذا الوصف أطلقه الباري تعالى في أكثر من مورد على المنافقين ممن يعجزون عن إصلاح ذواتهم وتغيير أنفسهم فقال: ) .. وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ( [النساء 78]، وقال: ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ( [المنافقون 3].

 وفي هذا السياق الذي تتعقد فيه مهام الإصلاح، بل تغدو مستحيلة وغير ممكنة، لا يبدو أن هناك خياراً أمام من يريد إنجاز عملية الإصلاح وتحقيق شرائطها إلا أن يلغي وجود هذه المجاميع غير المؤهلة للإصلاح أو أن يستبدلها بخير منها، وهو ما بينه تعالى في ما خاطب به المؤمنين: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ w إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( [التوبة 38-39].

 

متطلبات التغيير وخطورة افتقادها: هناك من المجتمعات البشرية ما تكون صعبة عصيّة على كل محاولات التغيير، وسمة هذه المجتمعات أنها تفتقد القدرة على تعميم أنواع ثلاثة من الذكاء تحتاجها عملية التغيير وتفرضها ضرورات الحراك الديناميكي في المجتمعات المتطورة والمتغيرة، وتلك الأنواع الثلاثة من الذكاء هي:-

 

1- الذكاء المعرفي: وهو الذكاء المرتبط بعمليات التعلم والفهم والإدراك ومن المهم العمل على تعميمه بوصفه حالة معرفية تحكي عن نظام معرفي يستخدم كآلية للحكم على الأفكار والتعاطي مع الآراء. وإلى افتقاده في وعي البعض من الناس أشار تعالى بقوله:  ... وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً  [النساء 78].

 

2- الذكاء العاطفي: وهو الذكاء المرتبط بعمليات التواصل والتفاعل والتحفيز ومن المهم العمل على تعميمه بوصفه حالة وجدانية تحكي عن نظام مشاعري يستخدم كآلية للربط بين الأفكار والممارسات عبر مهام التحفيز والدفع. وإلى افتقاده في أحاسيس ومشاعر بعض الناس أشار تعالى بقوله:  ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  [البقرة 74].

 

3- الذكاء الاجتماعي: وهو الذكاء المرتبط بفهم منطق التغيير والإمكانيات اللازمة لتحقيقه ومن المهم العمل على تعميمه بوصفه ممارسة تحكي عن نظام عملي قادر على توظيف  كل القدرات في خدمة مشاريع التغيير العام والتطوير الشامل. وإلى افتقاده في حركة وممارسة البعض من الناس أشار تعالى بقوله:  أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ  [التوبة 126]. قال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  [الحديد 16-17].

 

توظيف مفاهيم علم الاجتماع في دراسة المجتمعات العربية: مما يسهم في تقديم مطارحات نقدية معمقة للمجتمعات العربية المعاصرة والحديثة هو محاولة توظيف مفاهيم علم الاجتماع الجزئي والكلي على موضوع البحث في طبيعة المجتمعات العربية التي تركت منذ أمد بعيد من دون أن تخضع لعملية تربية اجتماعية شاملة مما أفقدها القدرة على النهوض والحراك في كل مرة تهب عليها رياح التغيير، وهو ما قصده المفكر السوري برهان غليون حينما قال: (إن ابن الإنسان إذا بقي من دون تربية نشأ أشرس من أي حيوان وأكثر أنانية وعدوانية منه).

 قياس مؤشرات الذكاء المعرفي والعاطفي والاجتماعي: من المهم في فهم حركة المجتمعات البشرية العمل بين الفينة والأخرى على قياس تطور أو تراجع مؤشرات الذكاء بأنواعه الثلاثة الأساسية لأن ذلك ما يمكن أن يدلنا على طبيعة سير المجتمع، وهل أنها تصاعدية أم تسافلية، ومنهجنا في ذلك هو منهج التقويم العلمي الذي لا يخضع عملية النقد والتمحيص للمؤثرات العاطفية أو الخلفيات الأيديولوجية أو المصالح الذاتية.

الطريق للنهوض بالمجتمعات العربية: من أجل أن تحقق المجتمعات العربية نهضة تغييرية شاملة في أوضاعها السياسية والاجتماعية والتنموية  وبشكل عام "الحضارية" لابد لها من أن تخرج عن حد البساطة (السذاجة المعرفية والعاطفية والاجتماعية) إلى مستوى التعقيد (والتركيب بين مقتضيات الذكاء المعرفي والذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي) وهنا تأتي أهمية فكرة العقول المتجاورة التي ترى بأن التطور الحضاري والتغير البشري مرهون على الدوام بتلاقح وتفاعل وامتزاج وتركب عقول ثلاثة أساسية هي:

  1- العقل المعرفي.

  2- العقل العاطفي.

 3- العقل الاجتماعي.

 

 وبتكوين ومزج هذه العقول الثلاثة نستطيع أن نتلمس طريق الخلاص لمجتمعاتنا العربية الراهنة، ولأن الأمة العربية هي أمة وسط بين الشرق والغرب فلن ينفعها عقلها الاجتماعي إلا إذا ضمت إليه عقلا عاطفياً من الشرق وعقلا معرفيا من الغرب، فتكون كجسد الطير الذي يطير بجناحين هما العقل والعاطفة. مشكلة النهضة والتغيير في العقل العربي: كانت كل محاولات الإصلاح والتغيير التي أنتجها العقل العربي تنتهي في نهاية الأمر إما إلى استبداد فردي، أو إلى فوضى جماهيرية، وهذه الحالة صاحبت محاولات الإصلاح والتغيير في البيئة العربية منذ ارتحال الرسول الأكرم excaim حتى عصرنا الراهن.

 التغيير بين تغيير أنظمة التفكير وتغيير مفردات التعبير: ظل التغيير الحقيقي الذي يطال جوهر الأشياء ولا يقف عند ظواهرها عصيا على التحقق في مختلف تجارب التطوير السياسي في العالم العربي الإسلامي، لأن أيا من تلك التجارب -باستثناء التجربة النبوية التأسيسية- لم تفلح في تغيير أنظمة التفكير لدى المواطن المستهدف بالعملية التغييرية، ولم يتجاوز ما يحصل من تغيير حدود تغيير المفردات التعبيرية، التي تعمد إلى تغيير الأغلفة الخارجية في كل مرة لتوحي للأغبياء ممن يحملون رغبة التغيير الجدي بأن الجوهر الفاسد المتخفي من وراء الغلاف السابق قد تغير أيضا، وهو ما لم يكن يحصل أبدا، مما كان يعني الرجوع إلى نقطة الصفر بعد كل محاولة مضنية من دون أن نتقدم خطوة إلى الأمام.

 تجاذبات الطبع والتطبع في تغيير العادات: العرب لأنهم لم يتطبعوا على القيم الجديدة للإسلام لوقت طويل، لذلك سرعان ما عادوا إلى طبائعهم، لأن الطبع يغلب التطبع، ولأن المجتمعات البشرية تتفاوت في مستوى التطبع بالموروث الجديد، فقد كان تطبع العرب بالموروث الحضري المعيشي أسرع من تطبعهم بالموروث الحضري العقيدي والأخلاقي والسياسي والاجتماعي والتشريعي والتنظيمي، والتي ظلّ العرب عصيين على تقبلها، لأنها لم تلق الكثير من الاستحسان منهم، بخلاف ما هو عليه الأمر في الشؤون المعيشية التي جلبت إليهم رفاهية العيش وترف الحياة المادية.

العرب بين الأمس واليوم: والإشكالية السابقة يستعيدها العرب اليوم في علاقتهم بموروثهم من الغرب، والذي يتحدد بشكل خاص في استيراد وتطبيق نظمه المادية في الحياة المرفهة والعيش الرغيد، أما بقية النظم من فلسفية وفكرية ومعرفية وسياسية وأخلاقية واجتماعية فلم تجد نفس المستوى من العناية والاهتمام والتمثل. وهذا الأمر يكشف عن أن العربي وإن تحضر بركوب السيارة والطائرة، وبسكن المساكن الفارهة، ولبس الملابس الفاخرة، إلا أنه ظلّ في جوهره وصميمه بدويا، تبرز من شخصيته سمات البداوة من فظة وغلظة وخشونة، ولاسيما حينما يمارس السياسة والإدارة، فلا تشم من ممارساته رائحة الديمقراطية، بل رائحة الاستبداد البدوي المتأصل في ذاته ونسيجه الفردي والاجتماعي منذ قرون متمادية.

 -------

 

* كاتب وباحث من البحرين.

 

 

 







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


سيد كامل الهاشمي


ارسل لصديق