أحمد شهاب لآفاق: "المبادرة" نجحت في تقييم التحول الديمقراطي في العالم العربي
حاوره : علي آل طالب - مركز آفاق للدراسات والبحوث
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/09/05
التعليقات: 1 - القراءات: 5583

لا يخلو المشهد الثقافي العربي وعلى الأقل في غضون العقدين الماضيين من اسمه، كيف لا يكون كذلك وهو صاحب فكر واعد، وقلم أنيق، اقتحم به الساحة الفكرية والسياسية والاجتماعية، وتناول أبرز العناوين الكبرى الملامسة لاهتمام الشارع العربي والإسلامي؛ ومختلف الهموم والتحديات التي تعرقل من مسيرة الإصلاح والتجديد في المجتمعات الخليجية خاصة، طرق أبواب الحداثة والديمقراطية والمدنية ودولة القانون، ولم يدخر جهدًا في مقارباته للمجمل من قضايا حقوق الإنسان من خلال وقوفه المناسب عند أهم الأحداث الساخنة. كتب أيضا في نقد التراث والخطاب الديني، وقد أشبع البحث في الأصالة والمعاصرة واستشرافات المستقبل. هو عضو في إدارة تحرير مجلة الكلمة البحثية، وعضو في مركز الخليج للأبحاث، وعضو في فريق العمل في مبادرة الإصلاح في العالم العربي. له مؤلفات ودراسات عدة، كما له الكثير من المقالات المتعددة والمتنوعة. وباختصار شديد إنه الكاتب والباحث الكويتي (أحمد شهاب) .

اليوم مركز آفاق للدراسات والبحوث يلتقي معه في محطة جديدة من محطاته المتعددة وربما المختلفة، حيث وبالرغم من ظهوره الإعلامي اللافت وبالخصوص في الإعلام المقروء إلا أنه يضيف إلى سيرته الذاتية وصفًا نوعيا وجديدا، باعتباره ممثلا لمبادرة الإصلاح في العالم العربي والرئيس لفريق دولة الكويت في هذه المبادرة، وذلك عبر حوار خاص لمركز آفاق يكشف من خلاله التجربة الخاصة به في مضمار الرصد للتحولات الديمقراطية في العالم العربي والكويت على وجه الخصوص، علمًا بأن ثمة تقريرًا مفصلا قد صدر مؤخرا عن فريق العمل في مبادرة الإصلاح العربي لعام 2010م. والذي يعتبر الناشط الإصلاحي والكاتب أحمد شهاب هو أحد عناصر هذا الفريق ويمثل دولة الكويت في هذه المبادرة.

نص الحوار : -

مبادرة الإصلاح العربي

 بصفتكم رئيس الفريق عن الكويت لمبادرة الإصلاح العربي، ما هي قراءتكم لمثل هذه الخطوة وأين تكمن أهميتها في مسيرة التحول الديمقراطي في العالم العربي ؟

 أتقدم لكم أخي العزيز والإخوة الكرام في مركز آفاق بالشكر الجزيل على الدور الريادي الذي تقومون به في مجال البحوث والدراسات النوعية والمتجددة، كما أشكركم على هذه الحوارية الثقافية والمتصلة بجهود الإصلاح والتطوير الديمقراطي في هذا الجزء من العالم.
المبادرة باختصار هي محاولة جادة لتأسيس معايير ثابتة لقياس التحول الديمقراطي في عدد من البلدان العربية، وفقا لمجموعة من المؤشرات الأساسية يبلغ عددها أربعين مؤشرا تُغطي الجوانب الجوهرية في عملية التحول الديمقراطي، وهي تقيس تحديدا أربعة قيم أساسية وهي وجود مؤسسات قوية ومسائلة، احترام الحقوق والحريات، سيادة القانون، والمساواة والعدالة الاجتماعية. وقد شمل التقرير الأول الصادر عام ٢٠٠٨ ثمانية دول، فيما رصد التقرير الثاني الصادر عام ٢٠٠٩ عشرة دول، منها دولتين من دول مجلس التعاون وهما الكويت والمملكة العربية السعودية، وثمة مخطط لتوسعة المساحة التي يغطيها التقرير في السنوات القادمة لتشمل أكبر عدد ممكن من الدول العربية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن كلا من الكويت وسوريا تم رصد مؤشراتهما لأول مرة في التقرير الثاني.
أهمية هذه الخطوة تنبع من كونها أول مبادرة عربية لرصد التحولات الديمقراطية في العالم العربي، وهي تنطلق من تعاظم الشعور بالمسؤولية تجاه واقع هذه المجتمعات، وتراهن المبادرة على التأثير في مستقبل الديمقراطية وتحولاتها، وهي تقدم للمعنيين من أصحاب القرار فرصة لرصد مواطن الضعف والقوة في الدولة، وذلك في سبيل تحقيق إصلاحات نوعية، وتحسين الأداء الكلي في البلدان المعنية، ولا تكتفي بذلك وإنما تقدم توصيتها لأصحاب القرار في كل بلد على حده لإنجاز مشروع الإصلاح في بلدانهم، وفق منهج علمي يعتمد لغة الأرقام والوقائع الثابتة، فهي بمثابة المؤثر على عملية التحول الديمقراطي من خلال تفعيل أدوات المراقبة.
كما أنها تتيح للمواطنين الفرصة لان يتابعوا وبشكل يسير حركة التطور الديمقراطي في بلدانهم على مدى السنوات المتعاقبة، والتعرف على واقع بلدانهم بأكبر قدر ممكن من الدقة والموضوعية.
وتكمن قوة المبادرة في أنها لم تتوقف عند رصد مجموعة واسعة من البيانات الرقمية، مهما بدت مهمة وضرورية، وإنما بكونها نجحت في إدراج مسألة تقييم التحول الديمقراطي في العالم العربي وفق المقاييس الكونية الواضحة، لأن المسألة الديمقراطية لم تعد من مختصات جهة دون أخرى، وإنما هي مطلب عالمي وحق سياسي عام، وبناء على قناعة بأن الديمقراطية هي شأن كوني، ويفترض أن يبحث ويقاس وفق مؤشرات عالمية.

التحول الديمقراطي مطلب عالمي وإقليمي

ماذا يعني بالنسبة لكم تضامن مراكز عربية وأجنبية عدة، لأجل قياس مؤشرات التحول الديمقراطي في العالم العربي، أي ما هي الإضافة التي ستحققها المراكز هذه، وما هو برأيكم الأثر الذي بالإمكان أن ينعكس على مستوى البحث الحقوقي والعلمي على مستوى الواقع العربي المعاصر!؟

أول ما يلفت النظر في هذه المبادرات هو ان مسالة التحول الديمقراطي لم تعد مسألة محدودة أو مقتصرة على جزء من العالم دون سواه، وإنما أصبح التحول مطلب عالمي وإقليمي ومحلي، كل بقعة على هذه الأرض تنزع اليوم نحو التحرر من القيود التي تعيق حركة الإنسان وتكبل مشاركته في الحياة العامة، وتحد من قدراته وإبداعاته. فحرية الإنسان وكرامته هي شأن عالمي، لاسيما وان المتابع لمسار التحول الديمقراطي في العالم العربي يلاحظ حجم التأثر بالمناخ الدولي، فالعديد من الدول العربية إن لم يكن جميعها أدخلت تحسينا على قوانينها استجابة لضغوط دولية مباشرة أو غير مباشرة.
هذا دال أيضا على حجم الوعي العربي بالحاجة الماسة لإجراء إصلاحات عاجلة وجدية، فهذه المبادرة وأمثالها هي جزء من الوعي الكوني بضرورة التغيير الديمقراطي، وان التحول والإصلاح لم يعد خاصا بمنطقة دون أخرى أو بلد دون آخر، وإنما هو مطلب إنساني بكل ما تحمله كلمة الإنسانية من دلالات واسعة.
بالنسبة للجزء الثاني من السؤال، فلا يخفى عليكم أن المساهمة الحقوقية لاسيما على مستوى الدراسات التخصصية والبحوث الميدانية في العالم العربي تعاني من ندرة ملحوظة أو حتى غياب في بعض المناطق، وهذا الغياب هو جزء من إهمال عام شاب المجهودات الفكرية والنظرية العربية في كل الحقول والمجالات منذ سنوات مضت. في الغالب فان العقبة الكأداء التي تقف أمام أي جهد علمي رصين في حقل التحولات الديمقراطية وحقوق الإنسان تتمثل في ندرة المعلومات أو انتفاءها من الأساس، ومن شأن وجود مؤشرات عربية ترصد التحولات الديمقراطية على اتساعها أن تردم هذه الفجوة بصورة كبيرة، وتُقدم أبحاث مسحية تعتمد لغة الأرقام والوقائع التي يستطيع البحاثة في هذه الحقول أن يبنون عليها قراءاتهم بطريقة علمية وقريبة إلى الواقع.
من جهة أخرى تكسر هذه الجهود حدة الجمود في حقل الأبحاث المسحية، وتحفز البحاثة نحو تقديم المزيد من الدراسات العلمية التي تعني بتطوير الواقع في دولها، لكونها تسلط الضوء على جملة من القضايا والمسائل المرتبطة بحياة الناس ومعاشهم، وإثبات أن مثل هذه الجهود ليست عملا ترفيا منفصلا عن الواقع اليومي للمواطنين، وإنما هي بحوث ودراسات وقراءات تتسم بالدقة وتحاكي الواقع بكل تفاصيله، وعليها ومن خلالها تتقدم الدولة في مساراتها المختلفة.

غياب الشفافية

بالقياس للتباين في طبيعة الحكومات العربية من حيث الشكل والمضمون، خاصة وأن التقرير الأخير سلط الضوء على عشر دول عربية، ونتيجة للاختلافات هذه برأيكم ما أبرز التحديات الميدانية التي واجهتكم عند تقصيكم للحقائق ووقوفكم عند أبرز معايير القياس للتحول الديمقراطي؟.

ابرز التحديات التي اشتكى منها أغلب الأساتذة المشاركين في رصد مؤشرات التقرير، وعانينا منها عند رصدنا للمؤشرات في الكويت أيضا، تمثلت في توفر مصادر المعلومات، وكما هو معلوم فان وضع اليد على المعلومة الصائبة والإطلاع على الأرقام الدقيقة بوصفه من لوازم التقييم والتغيير لا يزال أمر بالغ الصعوبة في معظم البلدان العربية، فالمعلومة يتم التعامل معها بسرية مريبة، وبطريقة غير مفهومة أو مبررة في كثير من الأوقات.
فثمة معلومات ووقائع تحاط بسرية تامة، ولا سبيل إلى كشفها أو التعرف عليها بسبب ارتفاع الحالة الأمنية العربية، أو بسبب عدم وجود ممارسات استقصائية سابقة، واعتقد أن استمرار المبادرات وتنوعها من شانه أن يخفف من حدة المناطق المظلمة والمخفية في الدول العربية، بحيث تعتاد الجهات الرسمية في الدولة من الإعراض عن نهج الكتمان إلى العمل المكشوف والمتسم بالشفافية، كما يعزز استمرار فرق العمل في الممارسة الرصدية من قدرتها على التعاط مع مصادر المعلومات بحرفية أكبر.
لذا تم اعتماد استطلاعات الرأي في مؤشرات بعض الدول بسبب عدم قدرة القائمين على الرصد بالحصول على معلومات موثقة من مصادرها الأصلية. أو اعتماد رأي الباحث أو فريق العمل عند تعيين الاستنتاجات بسبب غياب بعض التشريعات، فمثلا عند رصدنا لانتشار صحف المعارضة في الكويت واجهتنا مشكلة أساسية تمثلت في تعيين عدد الصحف المحسوبة على المعارضة من سواها، بالنسبة لنا كان الأمر واضحا من خلال معرفتنا بالساحة، وجهات التمويل، والخط السياسي لكل صحيفة على حدة، لكن بعض الصحف المعارضة لا تحبذ الإعلان عن هويتها رسميا، وذلك بسبب غياب تشريع حرية الأحزاب في الكويت من الأساس.
أيضا من الصعوبات التي واجهت المشتغلين بالتقرير هو التفاوت عند رصد ممارسات التحول الديمقراطي بين فترة وأخرى في ذات البلد، فعلى سبيل المثال تتصاعد حالات المسائلة السياسية المقدمة من أعضاء السلطة التشريعية بحق الوزراء في بعض المواسم السياسية في الكويت إلى حد كبير، وتنخفض في مواسم أخرى بصورة ملفتة، وذلك طبقا للظروف السياسية في البلد، وهو ما يلقي على المؤشر ظلالا من عدم الثبات عند الرصد، لكن أهمية هذه المؤشرات في النهاية تكمن في إفساح الفرصة لمتابعة نمو الديمقراطية بصورة علمية.

الأثر الاجتماعي في عملية التحول الديمقراطي

 لا شك بأن التقرير الأخير أضاف نقاطًا تصاعديا–16 نقطة- لصالح التحول الديمقراطي عنه التقرير الماضي، برأيكم إلى أي مدى تعكس هذه النتائج الواقع بصورته الحقيقية؛ بحيث تتلمس الجماهير والشعوب ذلك الأثر؟

 لا يدعي التقرير أنه يقدم نتائج نهائية، أو حقائق ثابتة، وإنما هو اجتهاد مشفوع بمنهجية علمية موحدة في الدول العربية محل التقصي البحثي، يدعي أنه حاول مقاربة الواقع وأعتقد أنه نجح إلى حد كبير في تحقيق مقاصده، وأساس نجاحه يتمثل في قدرته على قياس أثر أنماط السلوك والانطباعات العامة على حياة المواطن اليومية، فمحور المؤشر يدور حول محورية فكرة المواطنة بدلا من محورية السلطة، فهو يقيس الأثر الاجتماعي وإلى حد كبير الاقتصادي الذي تحدثه تغيرات النظام السياسي على حياة المواطنين، والنقاط التصاعدية التي ذكرتموها تصب في تعزيز هذه النتائج.
فقد أوضح المقياس حجم القصور في عملية التحول الديمقراطي داخل الدول العربية، ولاحظ مكامن الخلل في عدم قدرتها على إحداث تحول نوعي على مستوى الواقع، فالديمقراطية العربية لا تزال في مراحلها الأولية، ولم تكتمل بعد، حتى أن التحسن الذي طرأ على مستوى التشريعات لم ينعكس على واقع الممارسات، ويبدو واضحا أن التقرير بنتائجه هذه حاكى الواقع بصورة كبيرة.
ويفترض أن تحفز تلك النتائج المواطنين أو من يمثلهم إلى السعي نحو تحصيل أكبر قدر ممكن من الضمانات للمزيد من الحريات والحقوق ليس اعتمادا على التشريعات والقوانين فقط، على الرغم من أهميتها الفائقة، وإنما أيضا عبر تعزيز دور المؤسسات الرقابية والحقوقية، والدفع في اتجاه تحسين وضعيات عمل النساء، وقضايا التعليم، والحريات الإعلامية وغيرها من المسائل المرتبطة بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية.

الفجوة مابين التشريع والممارسة

التقرير الأخير أشار إلى أن ثمة فجوة كبرى ما بين (القانون والدستور وأنظمة الحكم) و(الممارسات التطبيقية وحجم المشاركات الشعبية)، برأيكم إلى أي قدر تستطيع التقارير الحقوقية بأن تسهم في تقليص الفجوة تلك، وما حجم عامل الضغط الذي بالإمكان أن تشكله سواء كان على الحكومات أو الشعوب!؟

إذا تفحصنا ما عبرتم عنه بالفجوة بين التشريعات والممارسات، وهو ما نجح في تثبيته التقرير بوضوح شديد، حيث ترتفع قيمة مقياس الوسائل وهي الأكثر حساسية للضغوط الخارجية لتصل إلى 782 نقطة فيما تنخفض قيمة مقياس الممارسات وهي الأقل حساسية للضغوط الخارجية لتبلغ 456 نقطة فقط، فسوف نكتشف إن التغيرات الايجابية في مجال الديمقراطية والحقوق العامة إنما هي استجابة للضغوط والعوامل الخارجية أكثر من كونها استجابة للعوامل الداخلية، ولذا فان التشريعات والقوانين في الدول العربية هي التي تتطور في محاولة لمواكبة مثيلاتها في الدول المتقدمة، لكنها على مستوى التطبيقات والممارسات لا تزال تراوح مكانها أو تتقدم ببطأ شديد، لا يتناسب مع تطور الوسائل.
وبإمكان التقارير والمجهودات الحقوقية المنظمة أن تسلط الضوء بشدة على هذا التناقض الصارخ بين الوسائل والممارسات، بما يؤدي إلى تعادل الضغط الإصلاحي للتخفيف من حدة هذه الفجوة، ويظهر لي أن هذا الضغط يتحرك على ثلاثة مستويات:-
الأول: وضع السلطة أمام ممارساتها وسلوكياتها، ودعوتها لترميم جوانب النقص والقصور، لكونها تحت المراقبة والرصد الدقيقين على كافة المجالات الحيوية، ليس فقط على مستوى التشريعات وإنما أيضا على مستوى الممارسات السياسية والحقوقية والتعليمية والاقتصادية وغيرها، فكل تقرير سنوي يعطي مؤشر دقيق على حجم المتغيرات ودرجة استجابة الدولة لمتطلبات التحول الديمقراطي.
الثاني: وضع السلطة أمام نقد ومحاسبة المواطنين ومراقبتهم، وإطلاعهم على ما يجري في بلدانهم بشفافية، ولفت نظرهم إلى الزوايا المهمة التي قد لا يلتفت إليها الكثيرون، أو لا يرون أهميتها على واقعهم السياسي والحقوقي، بما يساهم في رفع درجة الوعي العام بالهموم الوطنية، ويرفع بالتالي حجم الطموحات والمطالب لتحقيق الإصلاح على مستوى الممارسات.
الثالث: وضع السلطة وتصرفاتها في مواجهة المجتمع الدولي المكتظ بالهيئات والمنظمات الإنسانية والحقوقية، والتواصل مع الجهات والمنظمات الدولية المعنية بمتابعة ملفات التطور الديمقراطي والحقوق الإنسانية في سبيل فرض الرقابة والمتابعة على ما يجري في داخل الدول العربية، كجهد علمي مدروس لممارسة التحول المنشود.
من جهة أخرى فان التقرير وعندما يكشف جوانب القصور في التطبيقات إنما يحفز قوى المجتمع المدني والفاعلين في الساحة المحلية للتنبه إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه في مسيرة الإصلاح، فهو يوفر قاعدة معلوماتية علمية، تتصف بالكثير من الدقة، ويضعها في خدمة مؤسسات المجتمع المدني للخروج من مرحلة التوقعات والظنون إلى مرحلة الاحتمالات العلمية، واعتماد لغة الأرقام والوقائع المحددة، فتكون الخطوات القادمة لمؤسسات المجتمع المدني خطوات مبنية على دراية بمواقع القوة والضعف في مؤسسات الدولة.

تعزيز الأمل في الداخل

المتابع العادي ومع مجيء أوباما يلمس حالة من التراجع الضاغط تجاه الدول العربية في العملية الديمقراطية، فهل توقيت مثل هذا التقرير جاء من أجل إنعاش حالة الأمل من جديد بالنسبة للشعوب العربية، وهل مثل هذا التقرير يقوم بعملية تعوضية موازية لما كانت عليه الضغوطات الخارجية من قبل، ما قراءتكم لمثل هذا القول ؟

لنكن واقعيين أكثر، مطلب الإصلاح لم يعد من المواضيع المختلف عليها في العالم العربي، قد يكون لدينا اختلال وقصور في توفر آليات وأدوات حقيقية للتحول الديمقراطي والبدء في برنامج الإصلاح السياسي والاجتماعي، وهذا أمر نقر به جميعا، لكن اصل الفكرة متفق عليها من قبل الجميع، بل لا يجادل حولها أحد، ولم يعد العالم العربي بحاجة إلى من يقول له أنه يحتاج إلى الإصلاح والتحول نحو الديمقراطية وأمثالها، إن ما ينقصنا بصورة أساسية هي أدوات الإصلاح وآليات التغيير، ووضع مناهج علمية لتحقيق الأمل الديمقراطي.
إن كنا في مراحل سابقة قد سلمنا بأن الديمقراطية لا تأتي إلا عبر الخارج، ولا تولد إلا ضمن عملية قيصرية عرابها الأجنبي، فمثل هذه المبادرات الاستقصائية التحليلية التي تتسم بالجدية يمكن أن نعتبرها خطوة في اتجاه تعزيز الأمل بالداخل، وأن المبادرة إذا ولدت من رحم المجتمع، وبيد أبناؤها، فيمكنها أن تحرز معدلات نجاح أكبر، وتوفر فرص حقيقية أمام مساعي التغيير، أو لا أقلا تتيح المجال لاستقبال التحولات القادمة على عموم دول العالم ولاسيما العربي بنضج أكبر، وبقدرة على تمييز ما نحتاجه من إصلاحات، وما لدينا من إنجازات فعلية على أرض الواقع.
اعتقد أننا منذ التسعينيات من القرن الفائت، والدفع الإصلاحي في العالم العربي يعيش مخاضا استثنائيا بدعم من قوى خارجية، الأنظمة العربية أعطت انطباعا سلبيا بكونها تقف ضد كل أشكال الإصلاح السياسي، وأنها العدو الأول الذي يحول دون تقدم ونمو الحريات المدنية، بدلا من أن تبادر الأنظمة نحو طريق الإصلاح من تلقاء نفسها. في المقابل فإن الشعوب العربية بقواها السياسية والاجتماعية ضغطت في سبيل تحقيق الإصلاح، لكنها ولأسباب كثيرة اكتفت بالضغط ولم تكتشف وسائل عمل، أو تستنبط أدوات تقود لإحداث التحول المطلوب.
ويبدو لي أن مبادرات التقييم مثل المبادرة العربية وأمثالها من المجهودات العلمية الرصينة، هي من بين تلك الأدوات التي نحن في أمس الحاجة إليها للتطوير والمواكبة المستمرة، إنها تعمل تحديدا على تحفيز القدرة البحثية في عموم العالم العربي لإظهار التصور الذي تملكه الدول العربية تجاه مسألة الإصلاح، ولتنشيط النقاش العام حول ضرورات التحول الديمقراطي ومستقبلياته، بما ينتهي إلى تطوير برامج الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي.

الدور الخارجي ومؤشر التحول الديمقراطي

س. التقرير سلط الضوء بشكل رئيس على القضايا الداخلية لهذه البلدان العربية، بينما أغفل الدور الخارجي الذي بالإمكان أن تلعبه مثل هذه الدول، سواء كان بصورة فردية، أو بصورة جماعية –جامعة الدول العربية مثلا، أو تعاونه مع منظمات حقوقية– بمعنى أن التقرير لم يهتم بطبيعة الدور الخارجي وإلى أي مدى أن يقاس عليه كمؤشر للتحول الديمقراطي .. ما مدى صحة مثل هذا القول!؟

حقا، التقرير توجه بشكل أساس لقياس العوامل الداخلية المؤثرة في عملية التحول الديمقراطي، وذلك لكون التغيير الحقيقي الذي ينشده المصلحون في البلدان العربية، واعني به التغيير في التطبيقات والممارسات، لا يمكن أن يثمر دون أن تتوفر بيئة صالحة لها القابلية على استيعاب التحولات الديمقراطية، وإحداث نقلة ملموسة على واقع الدول العربية بعيدا عن لغة التمني.
فمن بين أهم ما كشفه التقرير المذكور أن التغيير في النصوص هو أمر ممكن إلى حد كبير في العالم العربي، فأغلب الدول العربية تسعى لامتلاك صورة الدولة المدنية العصرية، ولا تقبل التنازل عن صورتها كدولة قانونية حديثة، ويتطلب ذلك منها أن تتناغم إلى حد ما مع المجتمع الدولي، هذا التناغم يظهر في تحسن القوانين والتشريعات، لكن على مستوى التطبيق فإن كل قيم التحول الديمقراطي تبدو غير محترمة في الدول العربية. وقد خلص التقرير الصادر عن المبادرة إلى أن تحسن القوانين لا يعني بالضرورة تحسن التطبيقات.
لذلك فإن مسألة الاهتمام بالعوامل الداخلية سببه الأساس ينبثق من كون الضغوط الدولية تعمل على تغير العناوين، وتجعلها أكثر قربا مما يريده الخارج، لكنها لا تغير المضامين إلا في إطار ضيق ومحدود، وقد لا تؤثر بالإيجاب عليها، بينما ينعكس التغير في العوامل الداخلية تغييرا على مستوى واقع الناس، وتطور وضعياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبالضرورة سوف ينعكس ذلك على مقدار وكيفية الاستفادة من العوامل الخارجية.
ولذلك عمد التقرير مثلا في المؤشر (رقم 19) إلى قياس الاستقلال السياسي والاقتصادي في الدول المعنية، ونسبة الدعم الخارجي الذي تتلقاه ويدخل في الموازنة العامة للدولة، إضافة لرصد وجود قواعد عسكرية أجنبية من عدمه. وكذلك قياس حجم ونوعية العلاقة مع المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية، ومدى قدرتها على القيام بمهامها على أكمل وجه ممكن في الدولة المعنية بالاستقصاء، ويتضح ذلك تحديدا في المؤشر (رقم 33) والذي يقيس قدرة المنظمات الحقوقية على العمل في مناخ الدول المرصودة بالتقرير، و بوجود منظمات وهيئات دولية، ومدى قدرتها على أداء دورها على أكمل وجه ممكن.
وعليه يكمن القول، أن التقرير اعتنى بالعوامل الداخلية للتحول الديمقراطي لكونها القاعدة التي يمكن أن تُبنى عليها مسيرة الإصلاح في البلدان العربية، ولأن التحول الديمقراطي يتطلب أكثر من ضغط من الخارج، إنه ينتظر توفر إرادة سياسية داخلية للإصلاح، يمكن أن تقلع بالبلاد إلى مراحل جديدة في المسار الديمقراطي.
وأخيرا آمل أن تثمر هذه الجهود تغيير حقيقيا على مستوى الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في البلدان العربية، والدخول في ركب المجتمعات المتطورة ديمقراطيا، والمتوافقة بين تشريعاتها وتطبيقاتها، وأجدد شكري العميق على هذا الحوار الهادف، وأرجو لكم دوام التوفيق.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق