سؤال الثورة وقضية الثقافة
أ‌.د. مهدي إمبيرش -(العرب أونلاين)
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/09/07
التعليقات: 0 - القراءات: 3146

درجنا في الكثير من الدراسات أن نستخدم مصطلح السؤال عندما نتحدث عن البحث في الأسئلة الماهوية،ونقصد بالماهوي سؤال الفلسفة الأصيل في البحث في الحقيقة، أو في أسماء المعاني،أما القضايا،فهي القضايا المنطقية التي نجعلها موضوعًا للأحكام،أو هي واقعة تأتي موضوعًا لإصدار حكم.

وعلى المستوى البياني،يبقى السؤال الماهوي منفتحًا على الجملة الإنشائية، أي على قدرة الإنسان على الإبداع،وهذا هو مشروع الفلسفة، ولا يتم هذا إلا من خلال منهج تفكير ثوري، فالثورة بهذا هي منهج تفكير تقدمي ينفتح على العلم والحياة والحرية،وعلى الجمال والإبداع،ومن يتوهم أن الثورة حدث،أي يدخلها ضمن منطق أحكام الجملة الخبرية التي هي جملة القضايا الحكمية المنطقية، يكون جاهلاً بالثورة.
فالثورة لا تقرأ إلا على أنها مشروع فلسفي، أي مشروع في التقدم نحو الحقيقة التي هي العلم،وهذا التقدم يتمظهر من خلال الفعل الذي يوصف بأنه ثوري، والوصف بالثوري هو غير الثورة،إذ تبقى الثورة قدرة على التصور الذهني للكامل والبديع.
فالفعل الثوري يأتي مقاربة متظرفة في كل مرة تتقدم نحو الكمال،ولأن الفعل وصف فهو يرتبط بموصوف،ومن ثم فإن ما يقبل الحكم المنطقي أو معايير الأحكام هو الفعل الموصوف بالثورة، ولكن إذا توهمنا أن هذا الفعل هو الثورة أو إذا توهمنا أن النظرية الثورية ممكنة التطبيق هنا نقع في أزمة المصادرات.
أي في إدخال مشروع الثورة الذي هو مشروع الحرية داخل الأشكال المنطقية،ومن ثم يحكم عليه بالموت،إن الأحكام المنطقية توصف بالصدق، أو اللاصدق،فيما يعرف في المنطق بالتناقض أو بالكذب الذي علاقته بالصدق علاقة تضاد، ونقصد بالتناقض أن الأحكام قد لا توصف بالكذب ولكنها توصف باللاصدق،لعدم ارتباطها بموضوع الحكم.
إذ قد تكون صادقة في نفسها ولكنها لا ترتبط بموضوع حكمنا،هذا إضافة إلى أن مصطلح التطبيق يفرض أن المحدود صار كلاً،وهنا تكمن المغالطة التطبيقية،وتكون النتيجة حتى يمكن أن نقبل هذه المغالطة،هي إما أن المحدود ليس محدودًا أو أن المطلق ليس مطلقًا،ومن ثم فإن علاقتنا بمنهج التفكير الثوري الذي تتأسس عليه النظرية في الأصل والذي نتعامل به مع النظرية.
هي علاقة فعل أو علاقة ممارسة،فالنظرية الثورية نقاربها من خلال الفعل أو الممارسة وليس من خلال التطبيق،فالمطلق كما اشرنا لا ينطبق على المحدود،وإعادة إلى ما طرحناه في المقدمة،فإن الجمال هو اسم معنى،ومن ثم يبقى تصورًا ذهنيًا،وإنسانيًا عامًا،بغض النظر عن الاسم الذي نطلقه عليه في الألسن المختلفة.
إن البشر بقدرتهم على التصور وبهذه الروح التي نفخت فيهم ومكنتهم من الخلق والإبداع،لهم القدرة على تصور الجمال،ولكنهم لا يدركون إلا الجميل،والجميل صفة تتعلق بالموصوف،من ثم يقاربون المعاني بالمفاهيم.
ولا يمكن أن يقبل ضمن تصور الحقيقة أن مطلق الجمال يحل في المحدود،أو أن الجمال هو الجميل،إذ لو سلمنا بذلك لسوف ندخل عالم الشطح،وهو الذي يوصلنا إلى النهايات والعدمية ويقضي على مشروع الحرية والتقدم،أي مشروع الثورة الإنسانية،إن أطروحة الحلول على اختلاف صياغاتها اعتداء على التاريخ بما هو الفعل الإنساني ضمن الممكن وصولاً إلى التمام أو الكمال والذي لا يكون إلا بآخر إنسان،في الحياة الدنيا.
وهنا نكشف عن أزمة المصادرات الخطيرة والمرعبة،بدءًا من تصور أن الحقيقة تحققت في المحدود الذي نصفه بالظرفي،أي محدود المكان ومحدود الزمان،ومن ثم لا يبقى على الإنسانية إلا التقليد،أو ما يسمى بالعقل والنقل،ذلك أن المتحقق هو ما نطلق عليه بالجملة الخبرية،والتي تقع ضمن حدود منطقية، والتي تقبل الحكم عليها بفضل هذا الاعتقال داخل هذه الحدود.
أي أن العقل لا يتعقل إلا المحدود، ولأنها جملة تحققت فإنها ستكون جملة ساكنة،وهنا نشير إلى علاقة العقل بالسكون، ولأن أحكامنا ستكون على واقعة فإنها تقبل التجريد،أي تجريد الواقعية من الحياة والحيوية،فالسلفية ليست السلف،وليست الاستفادة من خبرات من تقدم،بل إن السلفية هي إدعاء نهاية التاريخ،وأن الحقيقة المطلقة قد حلت في المحدود الظرفي.
حيث يصبغ هذا المحدود بكل مظاهر الجلال والكمال،فهو العصر الذهبي عندما كان الذهب هو مرجع التثمين والتسعير،وهو الفجر،وهو الصدر،وتصاغ هذه الأطروحات التراجعية الارتكاسية التي أطلقنا عليها في دراسات سابقة ثقافة الموت في مقولات معادية للثورة والحركة والتقدم،ومصادرة للحقيقة،مثل : ليس بالإمكان أبدع مما كان، أو:ما ترك الأول للآخر، أو:لا جديد تحت الشمس.
ومن ثم تكشف السلفية عن أزمة في منهج التفكير تحاول أن تعيد الحياة القهقرى إلى الوراء، فتبشر بالعودة إلى المقابر،وبذلك تتسم بخطاب التشاؤم،ومعارضة كل حركة للتقدم،وبداهة معارضة أي مشروع يتأسس على منهج التفكير الثوري.
وقد رأينا الإغريقي هزيود في حوالى القرن السابع قبل الميلاد،يرى التاريخ مراحل خمس،ولكن الكمال كان في المرحلة الأولى التي يصفها بالعصر الذهبي،عندما كان الآلهة هم من يحكم الأرض،أي أن التقدم هو الكارثة،وهذا موقف تراجعي سلفي واضح،والمعروف أنه حسب المصادر كان هزيود يواجه مشكلة مؤداها أن أخاه اغتصب أرضه،وأن السلطة الحاكمة لم تنصفه فتعيد له ممتلكاته.
وهنا ينهي هزيود التاريخ في المتحقق،ويعادي الحركة التقدمية،ويمكن في هذا المنحى أن نقرأ أطروحات ما يسمى بالدورات التاريخية،وأن الأمم هي كالإنسان تبدأ طفلاً،فشابًا،ثم يمر بمرحلة الرجولة،فالكهولة،فالشيخوخة فالموت،ومن ثم تكون مرحلة الرجولة هي مرحلة عنفوان الأمة قبل هبوطها،ولو ذهبنا نستعرض هذا الموقف لأتينا بالكثير من الشواهد،ولكنها كلها تعبر عن العجز على أن يتقدم أصحابها،فيكون هذا التراجع نحو المقابر،فالفردوس المفقود ليس تقدمًا نحو استرجاعه،بل تراجعًا إلى نقطة البدء.
وقد رأينا هذا المنهج علة من علل كوارث الأمم وتخلفها،خاصة إذا فرض هذا المنهج من خلال خطاب كهنوتي،أي ألبس ثوب القداسة،ومثل هذا ما وصل إليه دعاة الواقعية من الماديين الليبراليين المعاصرين، ففوكاياما هو نموذج لهذا المنهج الواقعي المتأزم،الذي يريد أن يفرض فيتو على حركة التاريخ،أي يجعل هذه "الآن" التأريخية،بعد أن يقطتعها من الزمان التاريخي،هي كل التاريخ،والفرق بين أطروحة فوكاياما وأطروحة السلفيين بعامة في الدرجة.
ففي الوقت الذي يرى السلفيون الحقيقة تحققت في الماضي،يرى فوكاياما أنها تحققت الآن،وفي الوقت الذي يقدم السلفيون إنسانهم السلفي على أنه الكمال،يقدم فوكاياما إنسانه الواقعي على أنه الإنسان الأخير،وهذا ما عرضه في كتابه سيء الذكر: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، والذي حاول أن يصلح الفجوات القيمية والأخلاقية فيه والتي هي في الأساس تأتي من النـزعة المادية التي بني عليها الفكر الليبرالي،والتي تقوم على ما يسمى بمبدأ اللذة،وعلى النفعية التي طرحها بنتام،وما يسمى بـ"البراغماتية" التي كان من أهم منظريها جون ديوي،وبورس،والتي أنتجت هذا الخطاب الليبرالي المعاصر.
فالنـزعة المادية ترى أن المجتمع لا يختلف عن أي مركّب مادي،أي أنه ليس تكونًا واعيًا وإراديًا،بل هو تجمع مدفوع بدوافع الغريزة وقوانين الارتباط الشرطي التي أسس لها الروسي بافلوف 1849-1936،وصاغها جون واطسون 1878-1958،فيما عرف بالمدرسة السلوكية،ونظّر لها ارلوند توينبي 1889-1975،وضمن قانون الحركة الفيزيائي،أي قانون الفعل ورد الفعل فيما اسماه توينبي التحدي والاستجابة.
إن الإنسان وفق هذا التصور ليس سوى ذرة ضمن مركّب يحكمه المنطق الذري الذي يتأسس على أطروحة الذرية التي بشر بها الإغريقي ديموقريطس 460 ق.م،وعلى مستوى الخطاب الفردي يأتي تنظير السوفسطائيين وعلى رأسهم برتوغوراس،وجورجياس،حيث حسب رأيهم أن الفرد هو معيار الحقيقة،يضاف إليه النـزعة الرياضية التجريدية التي تنتصر للتعددية.
كما نظر لها فيثاغورث 580 ق.م،وهذه كلها أعاد إليها الاعتبار الألماني لايبنتس 1646-1716،في القول بالموناد أو الجوهر المستقل داخل مركب الموناد الأكبر عندما كان يسعى لتوحيد أوروبا في مواجهة تركيا،والدعوة لاحتلال مصر كنقطة بداية لاحتلال ممالك الإمبراطورية العثمانية،حتى الانجليزي برتراند رسل 1872-1970،في قوله بالذرية المنطقية بعد المرور بالوضعية المنطقية والوضعية التحليلية.
فالفكر الليبرالي يتأسس على أن كل ما ليس وضعيًا أو يتخذ وضعًا وليس واقعيًا ليس حقيقيًا،أي تتم مصادرة الحقيقة واختزالها في الواقعة،ومن ثم يأتي فوكاياما في نشوة انتصار الليبرالية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ليعيد صياغة الذرية،والقطب الوحيد،أي يستعيد قانون الاستقطاب الفيزيائي بشرط أن يتحول الناس إلى ذرات،فيتنازلون عن كل قيمهم وتراثهم،إذ لا يمكن أن ينجذب الإنسان نحو القطب إذا كان ممتلئًا،وهنا يعاد الاعتبار مرة أخرى لتجريد العددي وما يسمى بلغة الأعداد في مواجهة لغة الإنسان ولغة الحياة والعلاقات الإنسانية،وهنا تتم الدعوة إلى ما يسمى بالتعددية.
ولكن الإحباط الذي واجهه فوكاياما من التصرف الأرعن لما يسمى بالليبرالية الجديدة أوالمحافظين الجدد الذين كانوا يدافع عنهم،ومن ذلك حرب العراق والجرائم الأمريكية في أفغانستان وفي البلقان أجبرته أن يعترف حسب ما جاء في كتابه:"الثقة"،إلى أن هذا التطرف الليبرالي افقد الليبرالية بعدها القيمي والأخلاقي.
وهو ما عبّر عنه في إشارة عابرة في كتابه الأول عندما تحدث عن رجال بلا صدور أو قل بشر بلا ضمائر،بل إن النـزعة الاحتكارية الرأسمالية خاصة منذ مجيء تاتشر وريغان،حيث تم فتح المجال أمام المحتكرين.
وحول ما يعرف بالدولة إلى دولة حارسة في أحسن أحوالها،وحارسة للرأسماليين،بل مستخدمة القوة لفتح أسواق أمامهم،لتعيد الليبرالية الفجة في بداية الماركنتيلية،مما أوصل إلى الأزمة المالية التي يدفع العالم ضريبتها،كما يدفع ضريبة بما يسمى بالحرب الأولى والثانية والتي يعطيها الأوروبيون شرعية بوصفهم إياها أنها حرب عالمية،فتراجع فوكاياما لا يختلف عن محاولة إعادة الاعتبار لأطروحات كنـز،أو ما نطلق عليه بالكنـزية الجديدة.
حيث يعيش العالم الليبرالي الاحتكاري نفس الأزمة التي عاشها العالم نتاج الحرب العالمية الثانية في ضعف القوة الشرائية وانتشار البطالة،وإن كانت الكنـزية ليست سوى عملية جراحية تجميلية،فكنز نفسه كان من المضاربين الماليين،ومطالبته بتدخل الدولة هو مطالبة بحماية المحتكرين،وتدخل الدولة يأتي من الفقراء ومن دافعي الضرائب،وإن كان هذه المرة يضاف إليه أموال الدول النفطية،وهي في النتيجة أموال الفقراء التي يستولي عليها الوسطاء البرجوازيون الذين هم في دور الحكام،والمؤسسات الحاكمة.
من هنا فإن تجاوز هذه الأزمات لا يكون إلا بإعادة الاعتبار للإنسان،وإعادة الاعتبار لمشروع الثورة ومنهج التفكير الثوري الذي هو في الأساس منهج العلم والحركة التقدمية والانتصار للوعي الإنساني،ولإحساس الإنسان بوحدة الانتماء والمصير التي تتكون عليها المجتمعات.
وليست هذه الدوافع الغريزية التي تفكك المجتمعات وتحولها إلى قطيع مدفوع بالغرائز،ويتحول الوطن بكل البعد القيمي والأخلاقي والتاريخي إلى مرعى،يتم استنزاف موارده دون تخطيط ودون رؤيا للمستقبل من خلال انعدام منهج التفكير الثوري،حتى إذا ما قلت موارد الوطن يهاجره الأفراد كما هي القطعان،بل وتفقد الأرض التي هي معطى من معطيات الوعي والفعل التاريخي قيمتها،فتدخل السوق وأسعار السوق،والأثمان،تسقط القيمة في مواجهة السعر والثمن،حتى الإنسان يتحول إلى بضاعة للسوق،فيسر بضاعة ويشترى بثمن بخس ويكون الذين يشتروه فيه من الزاهدين،بل ومؤسسات المعرفة التي هي للوعي والحرية تتحول إلى مؤسسات لإنتاج العبيد لسوق العمل،أي العبودية المنظمة.
وفي أغلب الأحيان،يتم استعادة العبودية التقليدية بأسلوب جديد،أي بدل أن يرحل عبيد إلى المصانع في أوروبا وأمريكا،أي إلى الاحتكار الذي يأخذ الآن مرحلة جديدة في التكتل الاحتكاري في مواجهة الفقراء فيما يسمى بالشركات المتعددة الجنسية،حيث صفة التعدد تسمح بالاختراق تحت ما يسمى بالشفافية ودعاوى أن العالم قد صار قرية صغيرة،في الوقت الذي يتم فيه تنفيذ التجزيئية والتفكيكية للكيانات الطبيعية القومية استجابة لمنطق التحليل والتفكيك الفيزيائي المادي الذي تأسست عليه الليبرالية ولشعار الاختراق والاحتلال القديم الجديد "فرق تسد".
وبدل أن ينقل هؤلاء العبيد كما أشرنا إلى المصانع تنقل المصانع إلى العبيد،وبدل أن كان نخاس أو نخاسون هم من يحترف تجارة العبيد،أو تجارة الأيدي العاملة يتحول مسؤلو الدول الفقيرة إلى نخاسين جدد،ولكن بأسلوب أفظع،فهم لا يبيعون العبيد،بل يبيعون الأرض والقيم والتاريخ ويتبنون خطاب المحتل القديم،حيث يمسي هذا الاعتداء على الإنسان مشروعًا للتقدم والازدهار والرفاه.
من هنا يمكن القول كيف أن ثورة الفاتح من سبتمبر،تتأسس على منهج تفكير ثوري،وعلى نظرية ثورية،ليست خاصة بالليبيين بل بهذه الرؤيا للمفكر والفيلسوف معمر القذافي تأتي نظرية عالمية،هنا يكون الجانب الإبداعي فيها،إنها نظرية حضارية،لأنها ترفض تغييب الإنسان وتستهدف حضوره المباشر.
إنها تعيد القيمة للحياة وللإنسان وللغة الحية في مقابل لغة التجريد العددي،إنها لا ترفض الحاجات الأساسة للإنسان،ولكنها ترى في إشباعها رفع القيود عن طاقة الحرية الكاملة في الإنسان،إذ "في الحاجة تكمن الحرية"،فالحرية هي هذه التي تكشف النظرية الثورية عن الركام الذي وضع فوقها.
إن الإنسان يخرج من وضع الكمون إلى الانفتاح على المكان،بل ويتحول المشروع الثوري إلى إمكانية تفتح الفضاء أما الحركة التقدمية الثورية،إن الديمقراطية هي منطق الحرية،أي تمظهر الحرية،والجماهير ليست وضعًا ساكنًا،بل صيرورة ضمن حقيقة الشعب،فالديمقراطية هي أسلوب للحكم،تنتصر فيها الجماهير لأول مرة في التاريخ،فتتحول إلى قاض يحكم بعد أن كان يفرض عليها الجهل وأنها تحتاج إلى محام ليدافع عنها في البرلمان.
وهنا ترتبط الديمقراطية بمشروع الحرية،يتقدم الناس كل يوم نحو العلم،بشرط الاحتفاظ بمنهج التفكير الثوري والحركة الثورية،إن النظرية الثورية ترى كما أشرنا أن الحرية طاقة كامنة في الإنسان وفطرية،وأنها وحدها الطاقة المستديمة،بشرط أن يتم التحريض والإثارة لهذه الطاقة.
فالثورة يجب أن تكون في داخل الإنسان،وهنا تأتي أهمية الحركة الثورية والوعي الثوري والثقافة الثورية،فالحركة الذاتية هي غير الدفع الخارجي،أي الاقتناع من الداخل مع رفع القيود الخارجية هو ما يضمن مسيرة الجماهير في مشروع الثورة،أما القوة الدافعة من الخارج لا تبقي الحركة المستديمة.
بل توصل إلى ما يسمى في الفيزياء بالقصور الذاتي،والجماهير في حركة التاريخ هي كسباق التتابع،كل يسلم الراية إلى ما بعده دون انقطاع أو قطيعة في حركة التاريخ،فالغد لا يتم الانطلاق منه إلا من اليوم،واليوم لا يتأسس إلا على الأمس،ومنهج التفكير الثوري وحده الذي يوصل الإنسان إلى إدراك حقيقة التاريخ،وإلى رفض التجزيئية والقطيعة،كما أن منهج التفكير الثوري هو الذي يرفض أن يتحول الإنسان إلى عدد أو رقم في محصلة جمع كمي،إن الثقافة هي في تحول الثورة إلى سلوك.
فالثقافة هي السلوك،وما لم تتحول الثورة إلى سلوك يأتي من منهج تفكير ثوري تقدمي،ومن وعي بالعلاقات الاجتماعية،يبقى المشروع الثوري خطابًا يوتوبيًا،هذا إضافة إلى أن التفاعل الجماهيري بفعل الثورة لابد أن يأخذ ميسم التفاعل الكيميائي والذي لا يسمح بالعودة إلى نقطة البداية.
إن كل الانقلابات التي تمت ضد مشروع الثورة،أي كل محاولات المضادين للثورة لا تنجح إلا إذا لم تتحول الثورة إلى ثقافة ثورية وإلى سلوك ثوري وإلى خطاب ثوري له مصطلحاته ومفاهيمه،إن الثقافة تبدأ في الأساس عادات مكتسبة ولكنها تنسجم مع طبيعة الإنسان الفطرية،والثورة هي بقدر ما تعطي هذا التحريض للقوة الكامنة الفطرية تزيل كما أشرنا القيود والأغلال عن الناس،وهنا يبدأ التاريخ،الذي هو تاريخ الإنسان وتاريخ الفعل المؤسس على الوعي والإرادة،والذي ينتج هذه الثقافة الثورية ويرسخها باستمرار.
ولأن التاريخ هو تاريخ الوعي بالمشروع الحضاري الثوري،فإن المكان والزمان يأخذان قيمتهما من الإنسان،فالإنسان هو الذي يعطي قيمة للمكان وقيمة للزمان،فيكون الزمان هو زمان الثورة والمكان هو مكان الثورة.
فالثورة تبقى مستمرة ما بقي الإنسان،وخلاف الثورة التقدمية لا يكون إلا السكون والموت المعادي لقانون الحياة،إن الأرض تتحول بفعل الثورة إلى قيمة،أي إلى وطن،ومن هنا جاءت مقولة "الأرض ليست ملكًا لأحد"،فمن يملك الأرض يملك التاريخ،ومن يبيع الأرض يبيع التاريخ،يبيع الإنسان والثقافة والقيم والأخلاق،بل ويتنازل عن العقيدة والإيمان.
وبذلك نقول "عن الثورة إيمان" ويبقى الإيمان منفتحًا على الغيب الذي يحول دون اليأس أو البؤس،دون التشبث بالمكان أو الحركة الواقعية،كحركة المراوحة العسكرية،أو الهروب إلى المقابر بحجة السلفية،فالشمس وإن كانت لا تشرق على وجه الأرض من جديد فإنها تبقى دائمًا تأتي بالجديد.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق