الإعلامية اليوسف: قرار الإيقاف ليس كافيا لمنع استشراء الكراهية والنعرات الطائفية
حوار : حسين زين الدين - آفاق خاص
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/11/17
التعليقات: 1 - القراءات: 15485

تعتبر الباحثة والكاتبة الإعلامية نوال موسى اليوسف أحد وجوه الإعلام والثقافة في المملكة العربية السعودية البارزين، حصلت على درجة الماجستير في العلوم السياسية (علاقات دولية) من الأكاديمية العربية في الدانمارك ، تنقلت كإعلامية بين الكثير من الصحف والمجلات المحلية . شاركت في تغطية العديد من المؤتمرات والندوات الفكرية والفعاليات الثقافية والاجتماعية، لها العديد من المقالات المنشورة على صفحات الشبكات الإلكترونية. تشغل مدير عام ورئيس تحرير صحيفة سعوديات نت المستقلة.

مركز آفاق للدراسات والبحوث أجرى حوارا مع اليوسف حول موضوع ( الإعلام الديني بين الواقع والمأمول ) في ضوء القرار الصادر عن شركة نايل سات المصري بإيقاف وإنذار عدد من القنوات لأسباب من بينها إثارة النعرات الطائفية ومس الديانات السماوية، حيث أوضحت أن قرار الإيقاف ليس كافيا لمنع استشراء الكراهية والنعرات الطائفية، مشيرة إلى أنه لن يكون له تأثيرا على علاقة الأديان ببعضها ، مبينة أن القرار لا يعد خرقا للحريات الإعلامية وحرية التعبير ،معللة ذلك إلى أن عالمنا العربي والإسلامي درج على ثقافة تكميم الأفواه والأقلام والألسن، موضحة أنها ليست مع قرار الإيقاف ولكن مع قرار الحوار مع هذه القنوات في سبيل دفعها لانتهاج منهج السلم الإعلامي.

التمايز المذهبي .. ثقافة راسخة

من خلال موقعكم الثقافي والإعلامي .. هل ترون أن غياب المؤسسات الدينية الرسمية الرشيدة (كالأزهر-هيئة كبار العلماء – المؤتمر الإسلامي – اتحاد علماء المسلمين) عن الفضاء أسهم في بروز تلك القنوات النشاز التي لا تعير لمصلحة الأمة اهتماما؟

لا يشكل غياب تلك المؤسسات التي أشرتم إليها أي تأثير في بروز هذه القنوات من عدمه ،وذلك لأن ثمة أسباب حقيقية تكمن وراء سيطرة هذا النوع من وسائل الإعلام في العالم اليوم من أهمها في نظري هو إدراك البعض لوجود التباينات الاقتصادية والثقافية والتعددية والقومية والإقليمية واستقلالها سياسيا وتحويلها إلى عناصر مولدة للنزاعات بين أصحاب الطوائف والمذاهب والملل والقوميات ،وهذا بدوره في نظري يخلق حالة من التشويه والتمزيق للهوية الوطنية ،وللتعايش بين أصحاب الأديان والمذاهب التي لربما تتقارب حينما تتعايش في منطقة ما داخل الوطن العربي الكبير فترات وتتنافر فترات أخرى تبعا لبروز قضية أو أزمة ما ،أو تبعا لإثارة الأزمات المصطنعة عبر وسائل الإعلام المتعددة التي قد تجند نفسها بطرق سوقية ماكرة لغرض الانتشار لإثارة الأزمات الجديدة في العالم العربي، ومنها أزمة إثارة النعرات الطائفية ،وتعمد الإساءة لرموز المسلمين شيعة وسنة ،وقد تنشأ أحيانا عن رغبة الآخر السني أو الشيعي للرد على الافتراءات ،التي تشيعها هذه القنوات المغرضة ، وهنا تشتعل الأزمة ،وتتجاوز حدود البقعة أو الحيز الجغرافي للدولة الواحدة لتشمل نطاق العالم الإسلامي برمته ،وإن كانت هذه الحدود الجغرافية اليوم منتفية بفعل الحضارة التقنية الاتصالية وتطورها السريع جدا،وبفعل عولمة الكون ..والسجال ينتقل كما نلحظ ويلاحظ الجميع من فضاء القنوات إلى فضاء الشبكة العنكبوتية الإنترنيت ،إذ كثير من مواقع وشبكات ومنتديات العالم الإسلامي موبوءة بهذا النوع من الحراك القتالي الشرس بين أصحاب المذاهب من المسلمين وكأننا لا نتمتع كمسلمين بخلق القرآن الكريم وخُلق رسول الإنسانية الذي قال:" أدبني ربي فأحسن تأديبي"، فغياب الآداب الإسلامية في الحوار مصيبة المسلمين اليوم وغدا وبعد غدا.
السبب الآخر وهو الأهم في نظري هو التمايز المذهبي الذي خلقته بعض الأنظمة السياسية منذ مراحل نشأتها الأولى ولا يزال موجودا حتى اليوم فاعلا ومؤثرا فيما بين أصحاب المذاهب والقوميات من خلال ما يعرف بالدستور السياسي للدولة ،الأمر الذي رفع معه وتيرة الشعور بالمظلومية ،ووتيرة الشعور بالمذهبية على حساب نمو ونقاء وبروز الهوية الوطنية العادلة .هذا المشكل الذي لا يزال موجودا وقائما على الرغم من النزعة إلى عدم تأكيده من قبل الأنظمة السياسية في الوطن العربي ،إلا أنه وبسبب عدم وجود الحلول السياسية الناجعة أو طرح هذه الأنظمة السياسية لحلول ناجعة لحل مشاكل التمايز الطائفي والمذهبي والقومي ،وزيادة الشكوك حول رغبتها في علاج أزمة الطائفية والتناحر المذهبي عزز لدى أصحاب هذا الفكر ،وهذا النوع من الإعلام الديني غير المقنن ،وغير المدروس ،والغير مهني النزعة إلى التعاطي في قضايا الاختلاف وتجاوزها إلى مس كل ما هو مقدس ،إلا أن هذه النعرة لا توجد فقط لدى المسلمين أو الإعلام الديني المسيس ،بل هي نعرة موجودة في غالبية قنوات الإعلام العربي والأجنبي ،الذي يسهم في تأجيج التمايز بين الشعوب والقوميات والمذاهب وبخاصة الإسلامية منها ،وهذا ما صنعه القس الأمريكي مؤخرا حول فكرته للانتقام من الإسلام بحرق القرآن الكريم وليس حرق المسلمين، ذلك أنه لديه قناعة بأن المسلمين لا يمتلكون القوة التي تمكنهم من الرد عليه في حال حرق القرآن أو أن ردة الفعل لن تكون قوية حينما يحرق القرآن ،بقدر ما ستكون ردة الفعل أقوى عند أصحاب المذاهب حينما يمس رمزا من رموزهم سواء من الرموز الحديثة ،أو الرموز الإسلامية الخالدة والتي لا تزال مؤثرة حتى اليوم .
ونخلص إلى القول أن المؤسسات الدينية الرسمية الرشيدة (كالأزهر- وهيئة كبار العلماء – والمؤتمر الإسلامي – واتحاد علماء المسلمين وغيرها ) قد تكون غائبة عن الفضاء لكنها فاعلة في الوسط الإسلامي وبقوة وكذلك هي موجودة ضمن الفضاء في بعض الأحيان ـ إلا أننا نأخذ عليها عدم سعيها لتأسيس قنوات إسلامية خاصة بها ،تسهم في بث التقارب بين المسلمين وإشاعة الفكر الإسلامي الوسطي والمعتدل الذي يقبل الأخر ولا يكفره ،ويتعاط معه وفقا لقوانين ظاهرة الطائفية التي لا تنهض على أساس ديني مثل أصول الدين والاعتقاد؛ لأن ذلك ليس هو السبب في اختلاف المسلمين ،ذلك لأن المسلمين الشيعة والسنة يعبدون ربا واحد هو الله ،ويعتقدون بنوبة نبيا واحد هو محمد بن عبد الله excaim،ويحكمهم دستور واحد هو القرآن الكريم ،وتجمعهم سنة الرسول وأهل البيت عليهم السلام ونتاج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ،ولكنهم يختلفون فقط في الأمور الفقهية وهذا الاختلاف هو قائم أيضا فيما بين المذاهب السنية أو الشيعية أيضا.
كما نأخذ عليها أيضا عدم سعيها لتثقيف عامة الشعوب العربية ،والمشايخ الجدد ،من خريجي المدارس الدينية عبر العالم الإسلامي سنة وشيعة ،وذلك لأن ثمة أجيال عديدة ومن بينهم المشايخ الجدد والقدماء في العالم العربي والخليج العربي تربت على فلسفة وثقافة موروث رفض الآخر سواء الشريك في الوطن ،أو المختلف في الديانة وعدم قبوله وتكفيره وعدم مقاسمته لهم في الحقوق ،وتعاطيهم معه على أنه عدو الدين وعدو الدولة وعدو الأمة بسبب شيوع مظاهر التمايز المذهبي هذه الثقافة التراكمية الراسخة في الأمة الإسلامية في نظري تحتاج إلى إعادة تأهيل من خلال بث هذه المؤسسات الدينية وسواها لمظاهر التعايش السلمي وقبول الاختلاف كظاهرة نهضت عليها الأمة الإسلامية من منطلق قوله تعالى :(إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، فظاهرة الاختلاف هذه أمر مسلم به وحقيقة ثابتة لكن الاختلاف لا يعني مطلقا الابتعاد عن الآخر أو محاولة استبعاده ، من خلال ظهور الهوية الاستبدادية التي تكرس مفهوم التفوق العرقي أو الديني أو المذهبي ،التي لا ترفض قبول الآخر فحسب بل أنها تحاول إثارة الفتن والمكائد حوله وتصنفه في خانة العمالة أو الخيانة أو عدم الولاء أو خيانة الوطنية بغية تهميشه وتحجيم دوره في بلاده ومجتمعه الإسلامي والعربي ،ويؤصل أمثال هؤلاء من أصحاب الهويات الاستبدادية التي تخلق التمايز وتكرس مفهوم التفوق العرقي أو الديني أو المذهبي إلى شيوع الكراهية ورفض التواصل الذي يسهم في توحد الأمة وتجانسها مع وجود الاختلاف في الدين والمذهب والقومية أو العرق من خلال توفر ساحة إعلامية نشطة تبث ثقافة هوية الاستبداد والكراهية عبر العالم من خلال الإعلام الكوني الجديد.
ويبقى الحل لقضية التمايز الذي خلق قضية الإساءة لرموز المسلمين من سنة وشيعة ،وحتى لرموز أصحاب الديانة المسيحية ،وسواها في يد الأنظمة السياسية صانعة قرارات التغير والتحول في أفكار ومعتقدات الناس المشوبة بالكراهية من خلال تأثير رجال الدولة على رجال الدين ودفعهم إلى تبني سياسية الاعتدال الفكري وعدم إشاعة الكراهية بالتثقيف الكامل لكافة الشعوب العربية والإسلامية.

ثقافة الاختلاف .. دعوة للحوار

إذا كان لابد من طرح القضايا الخلافية بين المذاهب الإسلامية، فكيف ينبغي أن يدار هذا الخلاف ؟

أن نقاط الاختلاف بين المذاهب الإسلامية معروفة وواضحة كما أشرنا سابقا،لدى الجانبين ويبقى الأمر المهم كما سبق أن نوهنا أيضا هو إفاهم العامة لمواطن الاختلاف فيما بين هذه المذاهب ،وفق وسائل جديدة للإقناع والتأثير وتغييب التمايز المذهبي،كما أن هذا الخلاف ينبقي أن يدار بحوار بناء من خلال وجود قنوات اتصال مفتوحة ،تؤصل لثقافة الاختلاف وتربية أجيال إسلامية جديدة تؤمن وتتبنى هذا النوع من الثقافات ،من خلال المدارس،والمساجد ،ودور السينما ،ودور رعاية الشباب ،وكذلك داخل نطاق الأسر ،وعبر الإذاعة والتلفزيون والقنوات الفضائية ذات الثقافة والسياسة الإعلامية التعددية والوسطية ,وتخلق نوع جديد من ثقافة الحوار العلني والمباشر الذي يدير الأزمة لغرض المساهمة في علاجها لا المساهمة في تأجيجها وإغراق الأمة في الحرب الطائفية المجنونة .
كما أن محاولة محو أو إزالة حالة الحرمان النسبي من الحقوق لدى المجموعات المكونة لأي مجتمع إسلامي هو أمر مهم في علاج حالة الاختلاف في نظري ، وذلك لخلق ما يعرف بحالة الاندماج الاجتماعي واقعا ،وحسم العلاقة بين الدين والدولة،ووضع برامج سياسة واقتصادية واجتماعية لا تقوم على التعددية الطائفية والإثنية أو المذهبية ...الخ.وذلك في حال أرادت هذه الحكومات تدعيم البناء الاجتماعي لشعوبها وعدم تفشي حالة الضعف في الوعي الإسلامي والوطني لدى هذه الشعوب،وفي الولاءات أيضا.

الفوضى الإعلامية.. ضياع الحقيقة

من الطبيعي.. لا يمكن لجم أو تكميم أي صوت ، لكن الغريب أننا لا نرى فضائية إسلامية تشرف عليها جهة دينية معتبرة تشكل أنموذجا يحتذي به الجميع ؟

في الحقيقة نحن الآن في عصر لا يجوز فيه لجم وتكميم الأفواه الحرة ،حيث نعيش عصر الإعلام المفتوح والفضائي ، المعولم ، الذي يبث كافة التوجهات ،ويخلق الفتن في العالم ،ويصيغ شكل الحروب القادمة في العالم ،كما أن ثمة إعلام فضائي خاص لكنه من الناحية العلمية غير مهني أو غير متخصص يتفنن في إثارة الفوضى الإعلامية ،نجم عن الحرمان من حق حرية التعبير في العالم الثالث ،وبخاصة حرية التعبير لأصحاب الديانات والمذاهب ( رجال الدين البعيدين عن السلطة ،أو المهمشين من قبل السلطات الحاكمة في الدول العربية ،ورجال المال الذين صنعوا من الفضائيات وسائل دعوة للدين ،ووسائل ربح اقتصادي لرجال الدين الدعويين الجدد من الرجال والنساء )،لكن أنا قد لا أتفق معك في عدم وجود قنوات دينية ،أو جهات مسؤولة عن بث هذه القنوات وتقنينها ورسم السياسات الإعلامية لها ،ذلك لأن جميع هذه القنوات يقف خلفها قادة من رجال الدين وسواهم ،هناك قنوات مثل قناة الأنوار هذه القناة بدأت كقناة شيعية بسيطة غير متخصصة حتى الساعة مهنيا ،لكنها بدأت تتطور وربما هي الآن قد وضعت لها سياسة إعلامية دينية هادفة ،وتعد في الحقيقة بداية أنموذج لقناة دينية متخصصة في حال تمكنت من التخلص من النمط أو الحس الطائفي كليا فهي في الحقيقة تكاد تكون قناة متوازنة نوعا ما .هناك أيضا قنوات دينية في القنوات الرسمية في الخليج تكاد تكون مقننة ومتزنة أيضا ،إلا إنها لا تسعى ابدأ إلى إظهار التنوع والتعدد الموجود في بلدانها.

سياسة التمايز.. أزمة ثقافة .. أزمة ثقة

لماذا نشهد تراجع للأصوات المعتدلة في العالم الإسلامي إعلاميا مع نمو مطرد للأصوات التي تحمل النفس الطائفي ؟

ربما يعود ذلك إلى محاولة النظم السياسية فرض رؤية سياسية معينة على هذه الشعوب بالقوة ،وعدم سعيها الجاد في إحداث الإصلاحات المختلفة في هذه البلدان ولاسيما تلك المتعلقة بجوانب الاختلاف الديني ،تارة ،وربما يكون ذلك لأن هذه الحكومات تستفيد من وجود الأصوات ذات النفس الطائفي لأن بعضها كما سبق أن أسلفنا نهض على سياسة التمايز والتفريق بين مواطني الدولة الواحدة الأمر الذي جعل هذه الأصوات عرضة للتراجع ولاسيما مع وجود عشاق التخلف وبقاء التوتر وتقطيع العلاقات من ذوي الأغراض الضيقة الراغبين في خدمة مصالحهم بدواعي خدمة المصلحة القومية أو الوطنية الأمر الذي عرض بدوره منظومة الاعتدال للتقهقر والتراجع أمام زحف وهيمنة الإعلام المتطرف ،والإعلام المسيس ،والإعلام الديني المتسيد والمواجه للرد على هيمنة الإعلام المتطرف ألا أنه يقع في نفس الفخ فيتحول هو من إعلام مواجه ومدافع إلى إعلام متطرف بحجة العين بالعين والسن بالسن وبالبادي أظلم .
وربما أن أصحاب الأصوات المعتدلة في العالم الإسلامي أيضا وربما بدون قصد منهم أو تعمد يقومون هم أيضا بتهميش الأخر واستبعاده ،والرد عليه بردود لا ترقى إلى قيم الإسلام المعتدل في بعض الأحيان حيث ما أن تحدث قضية أو مشكلة إلا ونجد حتى صاحب الصوت المعتدل أصبح صاحب صوتا مؤلما ونشازا ،ولهذا الأمر تحديدا ربما يحدث التقهقر للأصوات الإسلامية المعتدلة على حساب تقدم ونمو الأصوات المتطرفة وهذا بدوره يساهم في خلق أزمة ثقافية وأزمة ثقة بين أصحاب الأصوات المعتدلة وأصحاب الأصوات الطائفية وبين عموم الشعوب الإسلامية وبالتالي تنزع غالبية هذه الشعوب نحو قبول الأصوات الطائفية أكثر نظرا لتأصل ما اكتسبوه من طبائع وقيم ومبادئ متراكمة في مسلكياتهم وتصرفاتهم ،بسبب عدم قناعتهم التامة بالتغيير لما تربوا عليه وتعلموه في الصغر وبخاصة من فئة رجال الدين، والأسر.

قرار الإيقاف.. سيناريوهات متعددة

كيف تقيمون قرار إدارة النايل سات الأخير ؟ وهل سيكون له أثر على العلاقة بين جميع الأديان ووحدة المجتمعات؟

إدارة النايل سات لم تكن هيا من اتخذ قرار الإيقاف للقنوات الطائفية التي تطبل لاستشراء الفتن في العالم الإسلامي ،إنما هي قد وقعت تحت طائلة الضغوط الدولية السياسية التي أثرت على قرارها ،بالإغلاق لهذه القنوات ،أ2عتقد أن النايل سات لو توقف الأمر عليها لما لجأت إلى تنفيذ مثل هذا القرار ،لأنه ليس من صالحها اقتصاديا ،فالذي لا تريده هي ستتلقفه إدارات أخرى أو أقمار فضائية أخرى في العالم ،تنشر أو تبث فضائع أكثر خطورة أو بخطورة معادلة لخطورة فتنة الحرب الطائفية بين السنة والشيعة.
ولهذا لا أعتقد بأن قرار الإيقاف سيكون له تأثير على علاقة الأديان ببعضها كديانات سماوية ،إنما أعتقد أن أثر ذلك سيظهر بأشكال أخرى على توجه هذه القنوات إلى وسائل بث أخرى عبر النت مثلا للاستمرار في بث ثقافة الكراهية في العالم . كما أن وحدة المجتمعات لن تتأثر بقرار الإيقاف؛ ذلك لأن هذه الوحدة هشة قبل حدوث قرار الإيقاف أولا ،وثانيا :لأن المجتمعات التي تشكلها ديانات مختلفة ومذاهب مختلفة بعضها متصدع تصدعا خفيا ولكنها قد تصبح أكثر وأسرع اشتعالا وتصدعا بفعل هذه القنوات كردة فعل سلبية ليس فقط تجاه وحدة المجتمع ،بل تجاه أفراد تجمعهم في الأساس علاقات جوار متصدعة أو متصارعة جوار سكن أو جور عمل.

هل قرار الإيقاف كافٍ لمنع الكراهية و النعرات الطائفية ؟

لا أعتقد أن قرار الإيقاف كافٍ لمنع استشراء الكراهية وإثارة النعرات الطائفية؛ وذلك لأن هذه الأزمة الطائفية منذ نشأت لم تتقهقر بفعل تطور الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية ،وبفعل تطور المجتمعات الإنسانية في العالم الثالث ،وتطور الحضارات وإتقانها ،بل أن هذه الكراهية قابلة للعديد من الاحتمالات التي يمكن ان تتعدد السيناريوهات المستقبلية للأوضاع في العالم الثالث ومن هذه السيناريوهات المحتملة ما يلي:
أولا: سيناريو بقاء وازدياد قدرة ذوي النعرات الطائفية على السيطرة على زمام الأمور ،وبخاصة من جانب المتطرفين والمتشددين فكريا من الجانبين السني والشيعي ،هذا بالإضافة إلى عدم اتخاذ إجراءات حاسمة لمكافحة الطائفية من قبل الحكومات في العالم الإسلامي ،عن طريق تفعيل برنامج حوار الأديان الذي طرحه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ،وعبر مؤتمرات الدول الإسلامية المتعلقة بالتقارب بين أصحاب المذاهب .
ولاشك في أن هذا السيناريو يواجه العديد من العقبات ،لعل أبرزها حالة فقدان الثقة في حكام ورؤساء الأنظمة العربية والإسلامية،وانخفاض درجة ومستوى القبول العام لهذه الأنظمة حول العالم العربي والإسلامي ،وارتفاع وزن الجهاديين والمتطرفين نسبيا وبخاصة لفئة القوى الإسلامية والفكرية والإعلامية المتشددة .خاصة في ظل استمرارية توتر الأوضاع في منطقة الخليج العربي والعراق ،ومصر ،واليمن فيما بين السنة والشيعة ،هذا بالإضافة إلى عدم توافر الضمانات الكافية كما سبق ان نوهنا لتوفير الدعم والمساندة للأقليات الشيعية أو السنية في بعض هذه الدول من قبل الأنظمة الحاكمة التي تحكم وفقا للأغلبية أما سنية أو شيعية ،وبالرغم من ذلك فإن هذا السيناريو قابل للتحقق ـ إذا ما نجحت كافة الأنظمة العربية في إقناع كافة الأطراف الداخلية والخارجية بأنه السيناريو الذي يمكن أن يحقق أفضل النتائج من مصالح لغالبية الأطراف ضمن المعطيات الحالية والمستقبلية.
ثانيا: سيناريو الحرب الأهلية وانهيار الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة نتيجة ازدياد معدل الفتن الطائفية :
وينهض هذا السيناريو على ارتفاع معدل الفتنة الداخلية الطائفية نتيجة لزيادة التوتر الداخلي ،في كل دولة ،ومن ثم تحل الفوضى الداخلية ونتيجة لذلك يفقد الجيش السيطرة على الجماعات المتناحرة مسلحة كانت أم غير مسلحة ،ومن ثم تسري بشكل شريط ناري يتمدد في سائر أرجاء كل دولة ،ومن ثم تفرض بعض هذه الأقليات ،أو الجماعات المتشددة سيطرتها على كامل كل دولة ،وهنا يصبح الباب مفتوحا للتدخل الدولي وإشعال نار الفتنة ،بل إذكائها ،الأمر الذي يفضي في النهاية إلى تقسيم الدول العربية والخليجية إلى دويلات .وقد تتدخل أمريكا لحماية المنشآت النفطية في الخليج والعالم الإسلامي والعربي ،منعا من وصول هذه القوى الجديدة إليها .
إن هذا السيناريو يمكن أن يكون بعيد التحقق لعدة أسباب أو موانع ،منها التكلفة المادية والبشرية العالية التي ستتكبدها جميع الأطراف المشاركة في الحرب الأهلية الطائفية الدولية في العالم العربي والإسلامي ،وما سيتمخض عنه من خلل في توازن القوى لاسيما على الجانب الإقليمي ،والمشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية وانشغالها حتى الآن بحربيها في العراق وأفغانستان ،وحربها للقاعدة في اليمن وبلاد المغرب العربي ،إضافة إلى أزماتها الاقتصادية الأمر الذي قد يتعذر عليها معه التدخل لحماية مناطق جديدة في الصراع الدولي العربي الطائفي في المنطقة العربية والخليج.
ثالثا: هو التحول من ثقافة الخلاف نحو ثقافة الاختلاف،الانتقال من ثقافة الرأي الواحد إلى ثقافة تعدد الآراء .وهذا يعني التحول الكامل من مرحلة تاريخية ،إلى مرحلة تاريخية جديدة في حال أردنا أن نعيش في عالم إسلامي ينتعش بالتعددية الفكرية والمذهبية والعقائدية والفقهية تماما كما كان العالم يعيش التعددية في القرن الخامس الهجري وزمن الإسلام المحمدي الذي جمع الأمة على ثقافة الإسلام التعددية .
هذا السيناريو يمكن أن يواجه بعض القيود ،وذلك لأن مورث العالم العربي الثقافي لا يزال رهين النظرة الأحادية ،للأنظمة الأحادية ،والدين والمذهب الأحادي ،والفكر والثقافة الأحادية،ولا يتعامل مع التعددية إلا من خلال الخطب وعلى منابر المؤتمرات ،والإعلام،وطالما بقيت هذه الأحادية فإن تحقيق العدالة والمساواة بين السنة والشيعة وغيرهم من مكونات التنوع في العالم العربي والإسلامي سلبية في الوعي العربي ،ولكن هذا التغيير يمكن أن يحصل إذا كان هنالك وعي سياسي لدى الشعوب ولدى قادتها على الأمد القريب والبعيد.

قرار الحوار .. رافعة الاعتدال

هل قرار إيقاف القنوات يتعارض مع حرية التعبير ؟

في العالم الغربي وهو عالم اعتبار الصحف ووسائل الإعلام برلمانات خاصة بالشعوب وليس منابر مدح للحكومات ،نعم يعد هذا المنع والإيقاف خرقا للحريات الإعلامية ،وحرية التعبير في العالم العربي الذي يرفض فكرة مناقشة القضايا المتراكمة ومنها قضايا الطائفية ،والتكفير ،والقتل على الهوية ،وقضايا الاختلاف الفكري والديني ،والثقافي ،في حين في عالمنا العربي الإيقاف لا يعد خرقا للحريات الإعلامية وحرية التعبير ،وذلك لأن عالمنا العربي والإسلامي درج على ثقافة تكميم الأفواه ،والأقلام ،والألسن ،منذ عصر الدولة الأموية وحتى اليوم ،وإن كان ثمة تغير بخصوص الحريات في التعبير والإعلام فهو تغير طفيف جدا،ويتقلص كلما حدثت أو برزت مشكلة أو أزمة جديدة على السطح العربي.
وكإعلامية وباحثة في العلوم السياسة سعودية وعربية مسلمة أنا لست مع قرار الإيقاف ،ولكني مع قرار الحوار مع هذه القنوات في سبيل دفعها لانتهاج منهج السلم الإعلامي ،ونشر المحبة والسلام ،ونشر ثقافة الاختلاف والتنوع ،وقبول الآخر ،وإن كان ثمة حوار يكون حوار عقلانيا لا حوارا نقديا تجريحيا تناحريا قاتلا ،ملوثا للعالم بسرطان الكراهية .
كما وأعتقد أن التعددية الإعلامية مطلوبة اليوم وغدا وفي كل حين في ظل الإعلام المعولم ،والمفتوح على مصراعيه ؛ذلك لأن التعددية التقليدية لا تمنع أبدا الوفاق العملي،لكن فقط ما يلزم هو ضبط هذا التعدد الإعلامي ،وجعله يحترم طبيعة تعدد الشرائع في ظل العقيدة الواحدة ،وفي ذات الوقت يسعى إلى وحدة التنوع البشري من خلال هذا التنوع الإعلامي - ذلك إن غياب الوحدة مع وجود التنوع مثار لوجود الشقاق والتوتر والصراع الذي قد ينقلب إلى انفعال حاد ينجم عنه ما يعرف بالحروب الأهلية العدوانية الشرسة . كما أن وجود التعدد من دون وحدة قد يعرض المجتمعات الإنسانية إلى حالة التشرذم والتجزئة،فيصبح العراق بين شيعة في الجنوب،وسنة في الوسط،وأكراد في الشمال،الخليج العربي بين سنة وشيعة،سوريا بين عرب ودروز وأكراد،الأردن بين بدو وحضر،مصر بين مسلمين وأقباط،شمال أفريقيا بين عرب وبربر،السودان كما نرى بين شمال وجنوب ،شبه الجزيرة العربية بين نجد والحجاز ،واليمن.

الاعتراف التعددية.. السيناريو الأفضل

ما الخطوات التي من شأنها التأسيس لخطابٍ إعلام ديني حضاري؟

أرى أن السيناريو الأفضل لاسيما خلال المرحلة القادمة والحالية هو السيناريو الذي يتناول مبدأ التغيير ،نحو ما قامت به الشريعة وهو مبدأ الاختلاف وشرعيته ،تبعا لتنوع المصالح وتنوع الاجتهادات ،وتنوع المذاهب والأديان ،والاعتراف بالتنوع بصورة عملية وواقعيه مُفعلة ،وفقا لواقع كل مجتمع على حدة،إضافة لإثبات وحدة النوع والهدف والمصير العربي والإسلامي المشترك،وتغييب التهميش لثقافة الاختلاف والتعددية والرأي والرأي الآخر والحوار وتبادل الرأي،والعمل الجماعي المشترك .بالإضافة إلى تصحيح العلاقة مع النفس داخل القطر أو الدولة الواحدة قبل العلاقة مع الآخر،والسني مع السني ،والشيعي مع الشيعي ،..الخ..من دون تطبيق لسياسة "فرق تسد" الناجمة عن كثرة الخطابات ،والمنابر الدعائية ،الملقمة بقذائف الكراهية والحروب الإعلامية التي طبعت عالمنا العربي ومناهج تعليمنا الديني والدنيوي بطابع التقليدية والتبعية والخطابية ،والخطية التي قد تكون أحد مورثات أسباب ظاهرة الخلاف الطائفي.
ونخلص للقول أن الإبداع والتجديد والتغيير والإصلاح والاستقلال والاعتراف بالتنوع مع الوحدة أمور هي اقرب إلى تحقيق السلام الاجتماعي العربي والإسلامي وتحقيق الوفاق والسلم العربي في عالمنا الإسلامي والعربي برمته ولكن لن يحدث هذا إلا في حال صدقت النوايا ،وتوحدت القلوب ،والنفوس وتشارك الجميع في الحل حكاما ومحكومين رجال دين أو سياسة ،أو قانون ،أو رجال ثقافة وإعلام واقتصاد ، ولا فائدة من المصالحات ،والدعوة إلى المؤتمرات ،والمقاربات الفكرية والثقافية ما دامت القلوب متباعدة ،وجافية ،والمصالح العربية والإسلامية لا زالت متضاربة ،والولاءات مشكوك فيها ،والسلطة العربية لا تحاول التجديد فيما يتعلق بمسألة التنوع والتعددية حيث ترى بعض الأنظمة الحاكمة وحتى اليوم في التعددية والتنوع خطر على الدولة وذلك لأن الدولة ذات الرأي الواحد تكون من وجهة نظرها أقوى بالرأي الأوحد والعقيدة الواحدة ،والحزب الأوحد من الدولة ذات التنوع والتعددية .







التعليقات
حسن آل ناصر
11/19/2010

الدكتورة والاديبة والاستاذة الفذة نوال اليوسف امرأة ليست كبقيات النساء بالفعل إذا انها جاهدت وطمحت لتكون من اللائي يعرفن كيف تكون الحياة بدليل الفائدة والعطاء للمجتمع!! ان الاستاذة اليوسف جديرة بكل الاحترام ليس لأنها متسلطة الجهد في مرحلة الدراسة فحسب ولكنها موجة فكر ودوحة معرفة ، فالاسئلة لم تكن مبنية على مجدلية اليوسف اذا صح التعبير ولكن هي مدارة في عالم ملموس ومتمكن !! الاستاذ حسين زين الدين اشكرك على لفتتك الجميلة والاجمل منها اختيارك الموفق... قرأت الحوار واعجبني ولكم في سباق الاسئلة نبراس للوصول !! اما الاستاذة اليوسف فقد اعجبتني اكثر بدون اصطناع المجاملة لماذا لأنها مدركة بحلول الشمس قبل بزوغ القمر، وها هي تركز في طيات الاجابة على نحو التركيب المعلن في رحلة تفوقها جلسة القهوة والشاي كما يقولون، فالقصد ان الاستاذة اليوسف تستحق اكثر من هذه الاسئلة وان يكن فالدخول في عالمها ينبغي له المثول امام الجمهور والقرأ!!! واخيرا احييك يا استاذ حسين والمعذرة على دخولي متأخرا



ارسل لصديق