المفكر المحفوظ :لا فرق بين الخطاب الديني والخطاب الثقافي
المجلة العربية: نايف كريري - جدة
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2011/03/07
التعليقات: 0 - القراءات: 3772

يرى الكاتب والمفكر الإسلامي محمد المحفوظ أنه لا فرق بين الخطاب الديني والخطاب الثقافي، حيث يؤكد أن كليهما يشتغل بأدوات واحدة، وفي حقل معرفي وثقافي واحد، وينطلق في هذه الرؤية من نظرة إبستمولوجية تجعله يؤكد عدم وجود أي فرق بينهما، بل إن على الخطاب الديني أو الثقافي أن ينهضا بمتطلبات المجتمع الحي المتجدد عبر القرون. وأما عجزهما أو أحدهما عن توفير أسباب الازدهار والارتقاء للمجتمع، فإنه لن يفلح في فرض قناعة ومعتقدات أحدهما عليه.

المحفوظ في هذا الحوار يطرح وجهة نظره في القضايا التي تهم المجتمع السعودي، والتي تتسم بالبعد والعمق.


الفلسفة كتيار ناشئ في السعودية كيف يمكن أن يكون في المستقبل، وكيف يمكن أن يتلافى ما وقعت فيه التيارات الأخرى من أخطاء أو هفوات على الساحة؟

بطبيعة الحال هناك علاقة عميقة بين السؤال والفلسفة.. بمعنى أن الفلسفة لا تنمو معرفياً واجتماعياً إلا في ظل الاحتفاء بالسؤال وعدم التوجس منه.. وبمقدار ما تتسع الدائرة الاجتماعية، الحاضنة إلى السؤال الجديد، والباحثة بعمق عن الإجابة، بذات القدر تنغرس القيم الفلسفية في الفضاء الاجتماعي والحياة المعرفية، فالفلسفة كعلم وسؤال واهتمام بالوجود وقضاياه، هي بحاجة إلى محيط اجتماعي، لا يتوجس من السؤال، ولا يرهب زحزحة المسلمات أو مساءلتها، ولا يتراجع أمام مقتضيات المعرفة والتجديد الفلسفي.. والتيار المشتغل على الفلسفة وأسئلتها، شكله وموقعه المستقبلي، مرهون إلى حد بعيد على استمراره وحيويته في الاشتغال على السؤال الفلسفي هذا من جهة، ومن جهة أخرى على قدرة النخب الثقافية الوطنية، على استيعاب الجديد، وعدم الرهبة من اقتحام كل ميادين المعرفة، والاستعداد النفسي التام للقبول بكل مقتضيات التجديد والإبداع.

تحولات المجتمع والمعرفة

يعيش المجتمع وبخاصة في العقد الأخير عدداً من التغيرات على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، فما أثر هذا الحراك المجتمعي في تشكيل الفكر السعودي، وما النتائج المؤملة من هذا الحراك للتوصل إلى تشكل فكري ناضج؟

لا ريب أن المعرفة الإنسانية، ليست صندوقاً مغلقاً، وإنما هي فضاء مفتوح، بحيث أن تطور حركة المجتمع في اتجاهات الحياة المختلفة، يقود إلى تطور معارف الناس.. فالعلاقة جد عميقة بين حراك المجتمع وتطور معارفه.. لهذا فإن تطورات المجتمع وتحولاته، تسهمان في تطور الفكر.. ومن يبحث عن تطور الأفكار والمعارف، بعيداً عن حركة الواقع والتفاعل مع مقتضياته، فإنه لن يجني إلا الضحالة المعرفية والبعد الجوهري عن معارف ومكاسب العصر..

أما النتائج المتوقعة من عملية الحراك، فهي المزيد من بناء علاقة صحية وإيجابية بين الخصوصية والحرية.. فبدل أن تكون علاقة جامدة، احترازية، سكونية، تتحول بالحرية إلى علاقة تفاعلية، تواصلية، ابتكارية.

نكوص الخطاب الديني

إلى أي مدى يمكن أن يتقاطع الخطاب الديني مع الخطاب الثقافي؟ وحتى مع الفلسفي الظاهر حديثاً في الفكر السعودي، وما السبب في كون الخطاب الديني دائماً في أحد أطراف المعادلة في الحوارات الفكرية؟

من منظور إبستمولوجي - معرفي، لا فرق بين الخطاب الديني والخطاب الثقافي، فكلاهما يشتغل بأدوات واحدة، وفي حقل معرفي وثقافي واحد.. ويبدو أن التقاطع يحدث بين المجموعات البشرية، التي تحمل هذا الخطاب بنسخها المتعددة، وهو تقاطع لا يخرج عن سنة التدافع، بل يؤكد هذه السنة.
والخطر الحقيقي ليس في استمرار التدافع بين الناس والمجموعات البشرية، وإنما في غياب حالة التدافع والتنافس بين نخب المجتمع وأطيافه المتعددة.. كما أن أنسنة الخطاب الديني، والإعلاء من شأن الإنسان وجوداً وحقوقاً ورأياً، هو الذي يفضي إلى أن يتحول الخطاب الديني إلى رافعة نهضوية في المجتمع. وكلما تراجع البعد الإنساني في الخطاب الديني أدى إلى أن يمارس دور التسويغ والتبرير، وليس دور البناء والتنمية والمشاركة في العمران الإنساني.
أما السبب الذي يجعل الخطاب الديني دوماً أحد أطراف المعادلة، فيمكن النظر إليه من الزاوية التالية: ثمة علاقة سببية وطردية بين إيمان الإنسان وبين تلبية حاجاته، فكلما كانت استجابة الخطاب الديني لتلك الحاجات أعلى تضاعف دوره وازداد قوة وصلابة وثباتاً، فضلاً عن تعلق الناس بمفرداته وشخوصه.
والخطاب الديني أو الثقافي، حينما ينكص عن النهوض بمتطلبات المجتمع الحي المتجدد عبر القرون وعجز عن توفير أسباب الازدهار والارتقاء للمجتمع، فإنه لن يفلح في فرض قناعاته ومعتقداته عليه.

الإنسان قطب الرحى

ما مرد غياب المشاريع المؤسساتية الثقافية والفكرية الكبرى التي يمكن أن نجدها عند بعض الأفراد فقط؟

يبدو لي أن غياب المشاريع المؤسساتية الثقافية والفكرية في مجتمعنا، هو وليد عوامل عديدة ومركبة، بعضها ذاتي والبعض الآخر موضوعي.. إلا أنني أود التأكيد على السبب التالي: وهو غياب الفردية، والنظر إليها بوصفها من القيم السالبة، التي ينبغي محاصرتها وعدم تظهيرها.
فثقافة القطيع لا تبني فعلاً مؤسسياً. وعدم احترام قيمة الفرد، لا تفضي إلى بناء مشروعات فكرية كبرى ذات طابع مؤسساتي.
فالمدخل الطبيعي والحيوي لبناء المؤسسات في الحقل الثقافي أو بقية حقول الحياة المختلفة، هو إعادة الاعتبار إلى الفردية.. فحينما يشعر كل واحد منا بذاته، من مجموع هذه الذوات المعرفية، يمكننا أن ننجز الفعل المؤسسي.. أما قمع الفرد أو تغييب فردية الفرد، فإنه لا يفضي إلى بناء مؤسسة، بل قاطرة بشرية مترهلة وغير قادرة على الحركة الذاتية.. واستطراداً أقول: إن الفردية كمفهوم، يمكن أن تمارس على نحوين:
الأول: بمعنى الأثرة والأنانية والحب الأعمى للذات.. وهذا النحو من الممارسة يدمر الأفراد، ولا يبني المؤسسات.
الثاني: بمعنى المسؤولية الذاتية والطموح وعلو الهمة و«اجعلني للمتقين إماماً» فإن هذا النحو من الفردية هو في تقديري من أهم مداخل بناء المؤسسات في مجتمعنا.. فنحن نحتاج إلى ثقافة تحترم الإنسان، وتعتبره قطب الرحى في كل المشاريع، وتفسح له المجال للتعبير عن أناه وفرديته.
إننا نعتقد أن حضور الأفراد على نحو إيجابي في الحياة الثقافية والعامة، هو المدخل الطبيعي لبناء المؤسسات الثقافية الكبرى.. فالمؤسسات لا تبنى على أنقاض الأفراد، بل بحضورهم وحيويتهم وشعورهم الحقيقي بدورهم ومسؤوليتهم.

المجتمعات المتحررة

هل غاب الخطاب النهضوي عن قاموس كثير من الخطابات المختلفة والمتعددة في الفكر السعودي؟

حينما تغيب ثقافة السؤال والنقد، تتراجع المقولات النهضوية في المجتمع.. لذلك فإن غياب الخطاب النهضوي في مجتمعنا السعودي، يعود إلى غياب ثقافة السؤال والنقد.. فهذه الثقافة ومتوالياتها الاجتماعية والمعرفية، هي التي تهيئ الأرضية لغرس حقائق النهضة في مجتمعنا.
من هنا فإن المجتمعات التي استطاعت التحرر من قيود التخلف وأغلال الانحطاط، هي تلك المجتمعات التي توفرت في بيئتها ومحيطها ثقافة النقد والمساءلة، ليس من أجل تفكيك كل شيء قائم، بل من أجل بناء الواقع الاجتماعي والثقافي على أسس صحيحة ومتينة، وقادرة على مواكبة التطورات، والاستجابة إلى التحديات الكبرى التي تعيشها.
والمجتمعات التي حاربت النقد، وابتعدت عن ثقافة السؤال، وقبلت بالجمود والسكون وغياب الديناميكية الذاتية، فقد تعمق فيها فعل التخلف وتحكمت بها مقتضيات الانحطاط والجمود في مختلف أبعاد الحياة.
وعودة الخطاب النهضوي إلى فضائنا المعرفي والاجتماعي، بحاجة إلى ممارسة ثقافية نقدية مستديمة، تتجه باستمرار إلى مساءلة الواقع، وتبيئة وتوطين قيم النقد والحوار والمبادرة.

هروبنا إلى الهوية

هل يعيش المجتمع أزمة الهوية؟

دائماً المجتمعات المأزومة وغير القادرة على اجتراح فرادتها التاريخية، هي التي تشعر بأزمة الهوية.. بمعنى أن المجتمعات الناهضة والحيوية والمسيطرة على زمام أمورها، لا تعيش هاجس الهوية، وإنما تعيش تحدي التقدم والانخراط في السباق الحضاري.
فنحن على المستوى الواقعي، لا نعيش أزمة هوية، بل أزمة نهضة وفعالية حضارية.. وجمودنا الحضاري يتلبس لبوس الهوية.. فالمشكلة ليست في الهوية، بل في جمودنا الحضاري وتأخرنا العلمي والمعرفي.. وبدل أن نبحث في الأسباب الحقيقية لعملية الجمود، نهرب إلى كهف الهوية، ونشعر أنفسنا ومحيطنا وكأن أزمتنا ومشكلتنا هي في الهوية.. فالهوية في أي مجتمع، لا يمكن أن تفهم خارج العلاقة بالوجود الإنساني وتجلياته التواصلية المتعددة.
فلا هوية اصطفائية في أي مجتمع إنساني، فالمجتمعات الإنسانية جميعاً وبالذات في ظل ثورة المعلومات والتقنية الحديثة، تعيش واقع الهويات المركبة.. أي بعض ما لدينا، هو من الآخر الثقافي والحضاري، وبعض ما لدى الآخر، هو من عندنا.. فالأزمة ليست في الهوية، وإنما في الخيارات الثقافية والمعرفية التي تديم الجمود، وتحارب التجديد والإبداع.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق