محمد المحفوظ: الأكثرية مسؤولة عن انعزال الشيعة
مجلة العصر الإلكترونية
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2011/04/03
التعليقات: 0 - القراءات: 3410

من الضروري أيضا فك الارتباط بين الاختلافات المذهبية «بكل مستوياتها ودوائرها» وحقوق الإنسان وضرورة صيانتها ومنع التعدي عليها؛ فالاختلافات مهما كان حجمها وشكلها وعمقها لا تبرر لأي أحد أن يتعدى على حقوق الآخرين ويمارس بحقهم صنوف التهميش والتمييز؛ فحقوق الإنسان ينبغي أن تكون مصانة من قبلنا جميعاً، بصرف النظر عن مدى قناعتنا أو قبولنا للأفكار أو العقائد التي يتبناها الطرف الآخر، لنا حق الحوار والمعرفة والنصيحة، ولكن علينا واجب الاحترام وصيانة الحقوق والكرامات.

لا تذكر المسألة الشيعية في بلادنا إلا وتتداعى حمولات تاريخية، ومعارك عقدية، وأحقاد حاضرة أفرزتها أجندات سياسية إقليمية اختلطت على ضوئها أوراق نسيجنا المحلي وجعلت فئة من مجتمعنا تعيش بيننا وكأنهم ليسوا منا، أو على الأقل هكذا يشعرون.

المسألة الشيعية وهواجسها المذهبية وهواجس الآخرين أيضاً منها طرحناها على المفكر الشيعي: محمد المحفوظ، فكان الحوار التالي، علما أن الحوار أجري قبل أحداث البحرين:

مطالب الشيعة:

أستاذ محمد.. كثيراً ما يندد الإخوة الشيعة بالتمييز الحاصل ضدهم، هل التمييز لاعتبارات سياسية أم طائفية؟ وكيف؟

كل المجتمعات الإنسانية متعددة ومتنوعة على المستويين الأفقي والعمودي، حتى إن التقرير الدولي الصادر في منتصف التسعينيات المعنون بـ «التنوع البشري الخلاق»، أحصى أن في المعمورة أكثر من «10» آلاف تعددية وتنوع ديني ومذهبي وأثني وما أشبه ذلك.
وحين التأمل في أحوال هذه المجتمعات المتعددة نرى أن المجتمعات التي تفسح المجال القانوني لتعددياتها بالتعبير عن نفسها فإنها تعيش الاستقرار السياسي والاجتماعي العميق، أما المجتمعات التي تحارب حقائق التنوع في مجتمعها، فإنها تعيش المشاكل وحالة عدم الاستقرار؛ فالتعددية في مجتمعنا حقيقة تاريخية ومجتمعية، وهي تحتاج باستمرار إلى الإنصات إلى مطالبها وهواجسها، وهذا الإنصات لن يتأتى إلا في سياق إداري وسياسي يستوعب هذه الحقيقة ويوفر لها كل أسباب الحماية والقدرة على التعبير عن ذاتها في سياق متحد وطني واجتماعي.


لكن أليس الشيعة منكفئين على أنفسهم ومنعزلين عن الاندماج في المجتمع ـ بشكل عام ـ مما كرس الطائفية والنظرة إليهم بنظرة شك؟

يبدو من المعطيات التاريخية والسوسيولوجية أن الانكفاء والانعزال عن المحيط هو رد فعل عن فعل الإقصاء والتهميش وإطلاق أحكام فقهية تكفرهم؛ فحينما تزداد الضغوطات، وتتعدد وسائل الإقصاء لامناص أمام أي مجتمع للحفاظ على ذاته إلا الانكفاء والانعزال، والذي يكرس الطائفية ليس انعزال هذا الطرف أو ذلك؛ لأن الانعزال حالة سلبية، إن الذي يكرس الطائفية هو السعي الحثيث لإقصاء هذا الطرف أو ذلك من الحياة العامة أو استخدام آلة الفتوى ضد هذا الطرف أو ذلك.
هذا من الناحية التاريخية والسوسيولوجية، أما من الناحية الواقعية اليوم فإننا نرى لدى شيعة المملكة العديد من الخطوات والمبادرات التي تستهدف كسر حاجز العزلة، وتوطيد العلاقة الاجتماعية والثقافية مع محيطهم الاجتماعي والوطني.
وإذا كان الشيعة في المملكة يعانون من مشكلة العزلة والانكفاء، فلا شك أن معالجة هذه المشكلة هي مسؤولية الوطن كله من أقصاه إلى أقصاه؛ فالأكثرية في المملكة تتحمل مسؤولية وطنية تجاه هذه المسألة، فهي معنية بالتواصل والانفتاح وإنهاء كل الأسباب والعوامل الموجبة للانكفاء والعزلة.
فحينما يعاني طرف أو مكون من مكونات المجتمع السعودي من مشكلة، فلا ريب أن معالجة وحل هذه المشكلة ليست مسؤولية الطرف المصاب بها وحده، بل هي مشكلة وطنية ينبغي أن تتظافر جميع الجهود لعلاج هذه المشكلة وتجاوز متوالياتها المختلفة. وإننا في هذا السياق ندعو أبناء الوطن من أقصاه إلى أقصاه إلى التفاعل الإيجابي مع مبادرات التواصل والتلاقي والتفاهم التي يطلقها أبناء الوطن الواعين سواء من الشيعة أو من غيرهم.

قدم مجموعة كبيرة من علماء ومثقفي الشيعة مطالبهم للإصلاح عام 2003، وقد فتح الملك عبد الله باب الحوار بين مكونات المجتمع السعودي، ما الذي تحقق من تلك المطالب؟ وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا؟

إن ما يطلبه الشيعة في المملكة، سواء في بياناتهم العامة أو الوثائق والرسائل التي يبعثوها إلى القيادة الرشيدة، لا يتعدى مفهوم المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، مع احترام تام لخصوصياتهم المذهبية على المستويين الفقهي والشعائري. فمطلب الشيعة الأساسي أن يتم التعامل معهم بوصفهم مواطنين كاملين مع احترام خصوصياتهم المذهبية، وفي تقديرنا أن هذه المطالب تنسجم والرؤية الإصلاحية لخادم الحرمين الشريفين؛ لهذا فإننا نتطلع إلى أن تتحقق هذه المطالب ويتم تجاوز كل المفاعيل السلبية السابقة على مختلف الصعد والمستويات.

الحسينيات والدعوة للثأر:

هناك بعض الطقوس كما في بعض الحسينيات والمعتقدات التي يطلب فيها "الثأر لدم الحسين" ألا تعتقد أنها توجه ضد الآخر الذي تسعون للحوار معه؟

هذه من بعض الافتراءات التي تطلق ومع الزمن جرت مجرى المسلمات. إن موسم عاشوراء هو من المواسم الدينية والثقافية والاجتماعية المتميزة، والذي يستهدف زيادة الوعي الديني والاجتماعي، وإن مناشط الشيعة في عاشوراء علنية ومفتوحة للجميع، وأنا أغتنم الفرصة لدعوة شركائنا في الوطن للتعرف على هذه المسألة عن قرب بعيداً عن المسبقات أو حروب الشائعات والتشويه.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إننا نعتقد أن الإمام الحسين بوصفه سيد شباب أهل الجنة ليس ملكاً لطرف دون آخر؛ فهو أحد أئمة المسلمين، وإن عملية قتله الدامية هي جريمة تاريخية بحق المسلمين جميعاً ويجب أن تدان من قبلهم جميعاً أيضاً، وإن من قام بعملية قتله الشنيعة لا يمثل أي طرف مذهبي في الأمة.
وعليه، فإن هذه الشعارات ليست موجهة ضد السنة في الأمة، بل هي موجهة ضد الظلم والاستبداد، وهذه الممارسات لا دين ولا طائفة أو مذهب لها.
إضافةً إلى كل هذا، فإن معركة عاشوراء حدثت في عام «61» للهجرة وفي تلك اللحظة الزمنية لم تتشكل بشكل نهائي المذاهب والطوائف المعروفة اليوم؛ لهذا فإن ما يقوله الشيعة في عاشوراء ليس موجهاً ضد طائفة أو مذهب، بل هو ضد الظلم والاستئثار والاستبداد، وهي ممارسات وسلوكيات لا تنتمي إلى أية طائفة من طوائف المسلمين، وإن الذي يتحمل مسؤولية قتل الإمام الحسين هو الذي قام بالفعل وشجع عليه وحماه.
وهذه المسألة ليست ضد الجماعات المذهبية التي تشكلت في الأمة بعد معركة كربلاء؛ وعليه فإن الإنسان الذي يرضى بما جرى على الإمام الحسين هو شريك في هذه الجريمة بطريقة غير مباشرة سواء كان الراضي شيعياً أم سنياً.
والرافض لهذا الجريمة والمندد بها والمستجيب إلى استغاثات الحسين هو من ركب الحسين حتى ولو كان من ولد وأبناء قتلة الحسين. فالمسألة ليست طائفية أو مذهبية وإنما هي مسألة مرتبطة بطبيعة موقف الإنسان من صراعات الحق والباطل، العدل والظلم، الاستبداد والحرية.
فالذي ينصر العدل والحرية هو محل إشادة، سواء كان من هذا الدين أو ذاك المذهب، والذي ينصر الظلم والاستبداد هو محل رفض وتنديد، حتى ولو كان من أهل الدار أو الحي أو المدينة الواحدة.

وهل صحيح أن بعض المرجعيات الشيعية تستفيد من حالة إذكاء الروح المذهبية لمكاسب شخصية اجتماعية ومادية ودينية؟

الشيعة هم المتضررون من إذكاء الروح المذهبية والطائفية في الأمة؛ لذلك فإن المرجعيات الدينية عبر أطوارها التاريخية المختلفة هي تدعو إلى وحدة المسلمين وتجاوز حالة الخلافات المذهبية في الأمة. ومن يراجع تاريخ المرجعيات الدينية — الشيعية، سيجد الكثير من النماذج والأمثلة على ما نقول.

شيعة السعودية والمراجعات:

ماذا عن المراجعات الجادة والتصحيحية لتراث الشيعة على مستوى الأحاديث المروية وعلى مستوى العقائد من قبل مفكرين وعلماء شيعة بارزين، يلاحظ أن تلك المراجعات والتصحيحات لم تصبح ثقافة سائدة لدى عامة الشيعة لتنعكس على السلوك العام، برأيك لماذا؟

إننا جميعاً ينبغي أن لا نخاف من الجهود الفكرية والمعرفية التي تستهدف تنقية التراث الإسلامي وتعزيز خيار الإصلاح الديني والاجتماعي في الأمة. وإننا جميعاً سنستفيد من أي جهد إصلاحي في الأمة؛ لهذا فإننا لا ننظر بخوف أو حذر من أي جهد فكري أو اجتماعي يستهدف الإصلاح، سواء كان هذا الجهد في الإطار الشيعي أو السني؛ لأنه في المحصلة الأخيرة ستكون بركات المحاولات الإصلاحية لصالح الأمة الإسلامية بأسرها. ولكون الفعل الإصلاحي يعتمد على مبدأ التراكم فهو دائماً يحتاج إلى مدى زمني لكي يتقبله الجميع ويسير على هداه العامة من الناس.

وهل يمكن أن يقدم شيعة السعودية على مراجعات وبيانات مثل هذه تساهم في تقريب وجهات النظر؟ كما طرح من قبل المفكر د. أحمد الكاتب من قبل "البيان الشيعي الجديد" انتقد فيه كثير من مسلمات المذهب الشيعي وأرجع نقاط الاختلاف بينكم وبين السنة إلى خلاف تاريخي سياسي، ما موقفكم من خطابات مثل هذه؟

أعتقد أن مستوى الحراك العلمي والثقافي لدى شيعة المملكة مستوى متقدم، وموضوعات النقد والمراجعة وتطوير سبل العلاقة مع شركائهم في الوطن حاضرة بقوة في نتاجهم الفكري والثقافي؛ ففي الخمسينيات من القرن المنصرم كتب الشيخ على أبو الحسن الخنيزي كتابه المتميز المعنون بـ «الدعوة الإسلامية إلى وحدة السنة والإمامية» المطبوع في عام 1956 م، والقاضي الشيخ محمد صالح المبارك كتب كتابه الموسوم بـ «الدعوة إلى كلمة التوحيد»، وفي الوقت الراهن كتب الشيخ حسن الصفار كتابا أسماه «التعددية والحرية في الإسلام» — المطبوع عام 1990م، وللشيخ الصفار دعوة متميزة وجريئة في آن، حينما ألف كتاباً يدعو فيه إلى الحوار والتفاهم بين الشيعة والسلفيين أسماه «السلفيون والشيعة — نحو علاقة أفضل»، وللأستاذ زكي الميلاد دراسة فكرية متميزة طبعت عام 1996م بعنوان «خطاب الوحدة الإسلامية — مساهمات الفكر الإصلاحي الشيعي»، وغيرها من الدراسات والأبحاث، التي تتجه إلى تجسير العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية وتطوير البيئة المعرفية والاجتماعية التي تقبل بالآخر المختلف وتسعى إلى فهمه ومعرفته.
ومجتمع المملكة العربية السعودية كبقية المجتمعات الإنسانية يحتضن العديد من المذاهب الفقهية الإسلامية، كما يزخر بالكثير من التوجهات الفكرية والمعرفية والسياسية، ونحن أمام هذه التعددية بحاجة إلى نظام علاقة إيجابي بين هذه المكونات والتعبيرات قوامها احترام التنوع في ظل الوحدة الاجتماعية والوطنية؛ وذلك من أجل وأد التوترات ومحاولات التمزيق ومخططات الفتن والتشظي، وذلك حتى تتحول هذه التعددية المذهبية والفكرية إلى رافد أساسي في تقوية الوطن والمجتمع وإثرائه على الصعد الفكرية والثقافية والسياسية.

الامتداد الخارجي للشيعة طالما كان هاجساً لدى السنة، ما الذي فعله الشيعة لتبديد هذا الهاجس؟ خاصة وأن هناك تحركات ومظاهرات من فترة لأخرى ينظر إليها على أنها تسير من الخارج؟

من الضروري هنا التفريق بين مفهوم الانتماء بكل دوائره ومستوياته، وهي في غالب الأحيان لا كسب للإنسان فيها، وبين مفهوم الولاء وهو مفهوم ديني — سياسي يقوم باختياره الإنسان بصرف النظر عن منبته الديني أو المذهبي أو القومي.
وإن الشيعة في المملكة يعيشون في وطنهم منذ آلاف السنين، ينتمون إليه ويضحون من أجله، وإنهم عبر تاريخهم الطويل قاموا بكل شيء من أجل الدفاع عن وطنهم وصونه من كل الأخطار، وإن جذور التوترات الطائفية في أي مجتمع ليس التباينات العقدية أو الفقهية وإنما في كون الجماعة المذهبية تعامل في وطنها على نحو مختلف عن بقية المواطنين، فهم لا يعاملون بوصفهم مواطنين اعتياديين، بل بوصفهم أعضاء في أقلية مصنفة دينياً وسياسياً، فالمشكلة تكمن في التمييز لا التمايز المذهبي. والذي يرفع الهواجس لدى الجميع هو قيم المساواة والعدالة ليس بوصفها عناوين أخلاقية فحسب وإنما حقائق سياسية وقانونية واقتصادية وتنموية تصون هذه الحقوق الإنسانية على قاعدة المواطنة الواحدة والمتساوية في الحقوق والواجبات.

بينما تعقد مؤتمرات التقارب بين الشيعة والسنة تزداد وتيرة السعار الطائفي بين المذهبين، في رأيك ما السبب؟

إن السبب في ذلك يعود إلى استمرار بث الكراهية والبغضاء بين أتباع المذاهب الإسلامية، ويتم في هذا السبيل استدعاء التاريخ بكل حمولته والتباساته، وكذلك الوقائع المعاصرة التي تشحن النفوس وتغذي الأحقاد بين الناس؛ لهذا فإن من الضروري أن ندرك أن الركام التاريخي لا يمكن ضبطه وتنقيته من الشوائب والتأثيرات السلبية إلا بالمزيد من الوعي والعمل المستديم لتفكيك العقليات والثقافات التي تغذي الشحن الطائفي المقيت بين المسلمين.
وفي هذا السياق نحن بحاجة أيضاً إلى الحفر المعرفي والتاريخي في كل المقولات التي تغذي بشكل مباشر أو غير مباشر حالة العداء والكراهية بين أتباع المذاهب الإسلامية.
ومن الضروري أيضا فك الارتباط بين الاختلافات المذهبية «بكل مستوياتها ودوائرها» وحقوق الإنسان وضرورة صيانتها ومنع التعدي عليها؛ فالاختلافات مهما كان حجمها وشكلها وعمقها لا تبرر لأي أحد أن يتعدى على حقوق الآخرين ويمارس بحقهم صنوف التهميش والتمييز؛ فحقوق الإنسان ينبغي أن تكون مصانة من قبلنا جميعاً، بصرف النظر عن مدى قناعتنا أو قبولنا للأفكار أو العقائد التي يتبناها الطرف الآخر، لنا حق الحوار والمعرفة والنصيحة، ولكن علينا واجب الاحترام وصيانة الحقوق والكرامات.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق