حرية الإنسان وحقوقه .. رؤية إسلامية
كتبه: محمد محفوظ
حرر في: 2011/06/02
التعليقات: 0 - القراءات: 8663

فنصوصنا الدينية تحثنا على الالتزام بحقوق الإنسان وصيانة كرامته وتلبية حاجاته. ولكن في المقابل هناك الحياة الواقعية المليئة على مختلف المستويات بأشكال تجاوز وانتهاك حقوق الإنسان. ولا يمكن ردم هذه الفجوة وتوحيد الواقع مع المثال على هذا الصعيد إلا بتطوير خطابنا الديني وإبراز مضمونه الإنساني والحضاري.

مفتتح :
ثمة علاقة عميقة وصميمية تربط الأديان التوحيدية الكبرى في نصوصها التأسيسية بالإنسان . إذ أن كل التشريعات الدينية تتجه إلى الإنسان موضوعا وغاية . وحتى في الحقب التاريخية واللحظات الزمنية التي تراجع فيها موقع الدين في الحياة العامة ، فإن السعي والكدح الذي يبذله المتدينون أفرادا وجماعات ، يتجه إلى إعادة الإنسان إلى الله ، بصرف النظر عن طبيعة القضايا الجزئية والتفصيلية التي تتمايز من دين لآخر فيما يرتبط وتجسيد الوجدان الديني في حياة الإنسان الخاصة والعامة .
وبمقدار ما ينفتح علماء الأديان ومتخصصيه على القيم والمبادئ الكبرى التي صاغتها النصوص التأسيسية للأديان ، بذات القدر يتم الانفتاح على الإنسان وقضاياه الملحة . لذلك فإننا نعتقد أن الخطوة الأولى في مشروع صياغة رؤية ومشروع ودور الدين في بناء الإنسان ، تتجسد في انفتاحنا وتواصلنا مع النصوص التأسيسية للأديان التوحيدية ، التي تختزن مضامين إنسانية سامية . وذلك لأن استغراقنا في القضايا اللاهوتية مع أهمية بحثها والتحاور بشأنها ، إلا أنها تنتمي إلى حقل غير الحقل الذي ينبغي أن نبحث عن دور الدين في بناء الإنسان .
فالحقل الثقافي الذي يتواصل بفعالية مع القيم والخيارات الكبرى للأديان ، هو الحقل والمدى الفكري والإنساني الذي يوصلنا إلى بلورة وصياغة رؤية مشتركة لدور ووظيفة الدين في بناء الإنسان .
دور الدين في بناء الإنسان:
إن بناء الإنسان وتنمية مداركه ومواهبه ، لا يمكن أن يتم إلا بتنمية دوافع الخير والصلاح والمحبة في نفس الإنسان . فالإنسان الذي يمتلئ قلبه محبة للناس هو الذي يمارس فعل الخير والتنمية في الفضاء الإنساني ، والإنسان الذي يختزن في عقله قيم الحوار والالتزام ، هو الذي يحوّل حياته إلى شعلة من النشاط والحيوية بما يفيد الإنسان الفرد والجماعة .
والدين بما هو منظومة قيمية وأخلاقية وإيمانية ، هو الذي ينمي في الإنسان دوافع الخير والصلاح ، ويدفعه نحو تجسيد هذه القيم في الواقع الخارجي . لذلك فبمقدار تمكن قيم الإيمان من نفس الإنسان ، بذات القدر يمارس الخير والمحبة للجميع . فالإيمان ليس هروبا من الحياة أو انزواءً وانكفاءً عن قضايا الإنسان والتزاماته المتعددة بل هو حركة في العقل .
" فكل ما في الوجود لا بد من أن يكون للعقل دور في رصده ، وإن لم يملك هذا الأخير وسائل البحث في بعض امتداداته ، فالوجود لا بد أن يكون عقلانيا ، وإن كان العقل لا يتمتع بالقدرة على معالجة ما في داخله من مفردات وتعقيدات تخرج عن دائرة الحس والمألوف . فنحن ندرك الله بالعقل ، ولكننا لا نملك الوسيلة للبحث في ذات الله .. في البرهان الديني نحن نرصد الغيب بالعقل حقيقة ووجودا ، ولكننا لا نعرف ما وراءه وكنه وجوده ، تماما كما هي الفلسفة ، قد لا تستطيع من خلالها معرفة كنه الجوهر ، ولكنك تستطيع أن تشير إليه .
فالإنسان مؤمن بما يعقل ، وعلى هذا الأساس كان لا بد له من خوض تجربة الشك ، من أجل الوصول إلى اليقين ، وذلك يتطلب رحلة طويلة في عالم الصراع الفكري الداخلي ، حيث تتجاذب الإنسان الاهتزازات من خلال تناقض الاحتمالات ، وتضاد الأفكار ، وتعارض الاتجاهات ، التي تتم مناقشتها وجدانيا وعقليا بكل موضوعية وانفتاح ، ليعرف الحق من الباطل ، وينتقل من الجهل إلى العلم . " ( 1 ).
ويقول تبارك وتعالى [ الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ] ( 2).
وقال عز من قائل [ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ] ( 3 ).
فالتفكير والتأمل في ظواهر الكون ومتغيراته وأسرار الإنسان وخباياه ، هو الذي يقود إلى تعميق مفهوم الإيمان في نفس الإنسان . وبذلك يتحول الدين والإيمان بقيمه ومبادئه ونظمه ، حافزا للعمل والبناء والعمران . لذلك نجد أن آيات الذكر الحكيم تحث وتحض على التفكير والتأمل حتى يتحرر الإنسان من كل القيود والضغوطات . إذ قال رب العزة [ قل إنما أعظكم بواحدة ، تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ] ( 4 ).
وفي ذات الوقت هدد القرآن الحكيم أولئك النفر الذي يحتكرون المعرفة ويكتمون ما أنزل الله من البينات باللعنة الإلهية . إذ يقول تبارك وتعالى [ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ] ( 5 ).


ومن الطبيعي القول أن نبذ احتكار المعرفة بوحده لا يكفي من أجل خلق الشروط الضرورية لبناء الإنسان على أسس الإيمان والحرية والعلم . لذلك يؤكد القرآن الحكيم في العديد من آياته على قوة العلم وسلطان الحجة . فالجدال ليس هدفا بذاته ، لذلك من المهم أن يستند إلى قوة العلم والحجة والبرهان . يقول تعالى [ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ] ( 6 ).
وبهذا تتأسس كل شروط ومرتكزات البناء السليم للإنسان . فمشروع البناء الحقيقي للإنسان ، يبدأ من نبذ احتكار المعرفة وكتمان الحق ، وحث العارفين والعلماء بنشر العلم والمعرفة وتعميمهما والاحتكام الدائم إلى الحجة والبرهان والخروج من كل دوائر الجدل الذي يبتعد عن الحقائق أو لا يستهدف الوصول إليها . وتوج الباري عز وجل كل هذه القيم والمرتكزات بضرورة اتباع أسلوب اللين والكلمة الطيبة والطرق المرنة التي تفتح القلوب على الحق وتقرب الأفكار إلى دائرة مفاهيمه وأحكامه . إذ يقول تعالى [ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين * ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ] ( 7 ).
فالأساليب العنفية والانفعالية في التعامل مع الآخرين ، ليست من الإسلام في شيء ، وهي أساليب تهدم ولا تبني . ووظيفة الأديان في عمليات البناء الإنساني ، تنطلق حينما يتحرر الإنسان من كل أساليب العنف والنبذ والإلغاء التي قد يستخدمها البعض باسم الدين .
وحوار الأديان بكل مستوياته ، من الأهمية أن يأتي في سياق الحوار الموضوعي ، الذي لا يهدف الانحباس في القضايا اللاهوتية ، وإنما تأكيد وتعميق أسس ومرتكزات مشاركة الأديان في بناء الإنسان وتطوير الحياة المعاصرة في أبعاد القيم والمبادئ والجوانب المعنوية التي يحتاجها الإنسان الفرد والجماعة في مختلف مراحل حياته .
وهذا يجعلنا نقرر حقيقة أساسية في هذا المجال وهي : حينما تتجسد قيم الإسلام في شخصية الإنسان المسلم ، وتتجسد قيم المسيحية في شخصية الإنسان المسيحي ، وتتجسد قيم اليهودية في شخصية الإنسان اليهودي ، يتحرر الإنسان من كل القيود والكوابح التي تحول دون تقدم الإنسان ورقيه المادي والمعنوي .
وإن أفق الرسالات الدينية السماوية رحب وواسع في نصوصها التأسيسية وخياراتها الكبرى ، إلا أن بعض الأتباع ولعوامل عديدة ذاتية وموضوعية يغلقون الأفق على الآخرين ، ويضيقون الوسع الذي تتميز به النصوص التأسيسية للأديان التوحيدية الكبرى .
لذلك من الأهمية التفريق بين الدين المعياري والذي هو مجموع القيم والمبادئ العليا التي جاء بها الدين ، وبين الدين التاريخي والمعيوش ، وهو تلك التجربة الإنسانية التي عملت على تجسيد قيم الدين أو تسمت باسمه . وفي تقديرنا أن فض الاشتباك والالتحام بين المعياري والتاريخي يساهم في تجلية وتظهير دور الأديان السماوية في بناء الإنسان . ولعلنا لا نجانب الحقيقة حين القول : أن الدين التاريخي في بعض حقبه التاريخية ، ( وهذا الكلام ينطبق على كل الأديان ) كان دوره سلبيا وسيئا تجاه الإنسان وقضاياه الجوهرية . فحينما يخضع رجل / عالم الدين كفرد أو مؤسسة للسلطان السياسي الغشوم ، ويسوغ له كل أعماله وتصرفاته ، فإن هذا الدين المعيوش والممارس أضحى كابحا للإنسان ومانعا من نيله حقوقه وحريته . لهذا فإن مرجعيتنا في بيان دور الأديان في بناء الإنسان ، ليس التجربة التاريخية بكل فصولها ومحطاتها ، وإنما بعض الحقب المجيدة بإطارها ومرجعيتها القيمية التي مارس فيها الدين دوره التاريخي والحضاري المأمول . لهذا فإن التحرر من عبء التاريخ والانعتاق من آسار الواقع وبعض قواه السياسية المحلية والدولية والتي تسعى لتوظيف حوار الأديان توظيفا سيئا وضيقا ، والتفاعل الخلاق مع الأديان في نصوصها التأسيسية وحقبها التاريخية المجيدة فحسب ، هو الذي يساهم في بلورة المناخ المواتي لكي تمارس الأديان دورها في بناء الإنسان والمجتمعات .
وإننا نعتقد أن العمل على اكتشاف وتظهير الينابيع الإنسانية العميقة لكل الأديان السماوية ، سيساهم بشكل كبير في بلورة خيارات إنسانية أكثر عدلا ومساواة وحرية للبشرية جمعاء . وإن كل محاولات الانحباس دون البعد والروح الإنسانية ، سيكلف البشرية الكثير من العناء والشقاء . فالمجتمعات الإنسانية اليوم ، تحتاج إلى الدين في بعده الإنساني والأخلاقي والروحي ، وإن الانكفاء دون تجلية وتظهير هذه الأبعاد من الأديان السماوية ، يعني المزيد من الحروب والصراعات المفتوحة والدمار الذي يهدد الإنسان فردا وجماعة في أمنه وكرامته وضرورات عيشه .
لذلك فإن المهمة الأساس في مشروع حوار الأديان ، ليست الدخول في نفق السجالات اللاهوتية والأيدلوجية ، وإنما العمل على تظهير كل القيم الإنسانية والحضارية التي تختزنها الأديان السماوية ، وإعمال العقل وإطلاق حرية التفكير من أجل بناء نظام علاقات بين مختلف المجموعات الدينية ، على قاعدة العدل والحرية وحقوق الإنسان .
فالانتماء الديني ليس مدعاة للانتقاص من حقوق الإنسان أو التقليل من فرصه في العدل والحرية . فالحقوق مصانة للجميع والفرص متاحة للجميع ، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو القومية . فالتواصل بين المختلفين والمتغايرين دينيا ، لا يتم عبر العقائد ، وإنما عبر الثقافة التي تدفع جميع المكونات إلى الحوار والتفاهم ونسج المشتركات وتنميتها .
والحوار بكل مستوياته لا يعني مغادرة موقعك الديني أو الفكري ، وإنما يعني اكتشاف المساحات المشتركة والانطلاق للعمل معا منها .
وإن المنظومة القيمية الكبرى للأديان التوحيدية ، تدفع الإنسان لكي يكون مباركا ، أي نفاعا للناس ، بحيث لا تتجمد حياته في ذاته ، ولكنها تمتد إلى الناس الآخرين وتتحرك في حياتهم .
والقرآن الحكيم يحدثنا عن هذه القضية الهامة ( النفع المستديم للناس ) من خلال ذكر قصة السيد المسيح ( ع ) . إذ يقول تبارك وتعالى [ قال إني عبد الله آتانيَ الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ] ( 8 ).
والبركة التي تتحدث عنها هذه الآيات ليست شكلية ، وإنما هي ممارسة وفعل متواصل . فهي تتحرك من خلال فكر الإنسان وجهده وطاقته في مستويات الحياة المتعددة . فالنفع والخدمة ، هي عنوان الدين في علاقته بالإنسان . ولعلنا لا نذهب بعيدا حين القول : أن دور الأديان في بناء الإنسان ، لا يخرج في مضمونه وجوهره ، عن هذه الآيات التي توضح كيف جعل الله تعالى السيد المسيح ( ع ) مباركا أينما كان . فحينما يكون الإنسان في سلام مع الله ، يتحرك في أطوار حياته في رحلة السلام ، مع نفسه ، ومع الناس . وبهذا تكون حياة الإنسان وفق الرؤية الدينية محبة وسلاما وخيرا وبركة للآخرين .


الدين والحرية .. أية علاقة :

ثمة علاقة دقيقة وعميقة تربط بين قدرة الإنسان على التفكير واستقلاله فيه، وبين قيمة الحرية وممارسة مقتضياتها.
فالإنسان الذي يمتلك إمكانية التفكير المستقل، هو ذلك الإنسان الذي يستطيع استعادة حريته وإنسانيته، ويستثمر طاقاته وإمكاناته في سبيل تكريس نهج الحرية في الواقع الإنساني. فاستعادة الحرية بكل متطلباتها وآفاقها، تبدأ من الإنسان نفسه، فهو الذي يقرر قدرته على التحرر والانعتاق أو خضوعه واستغلاله واستبعاده لمراكز القوى. وذلك لأن التفكير السليم، هو الشرط الأول للقوة في الحياة. من هنا ركز القرآن الحكيم على أن الإيمان بالله يعطي صاحبه التحرر، والتحرر يعطيه القوة ( التمسك بالعروة الوثقى ) والعلم (يخرجه من الظلمات إلى النور). ولكن أي إيمان هذا الذي يعطينا القوة والعلم. إنه الإيمان الواعي، لا الإيمان المكره عليه فهو الآخر نوع من الاستعباد والخضوع للقوة المادية.
من هنا تحدث القرآن في بداية الحديث عن الحرية الدينية وقال (لا إكراه في الدين). فجذر الحرية، هو أن يتحرر الإنسان من كل الضغوطات والأهواء والشهوات، التي تدفعه إلى الانسياق وراءها. فحينما يغمر الإيمان بالله عز وجل قلب الإنسان، ويتواصل بحب واختيار مع القدرة المطلقة، تنمو لديه القدرة على الانعتاق من كل الأشياء التي تناقض حرية الإنسان. فطريق الحرية الإنسانية الحقيقة، يبدأ بالإيمان والعبودية المطلقة للباري عز وجل. وذلك لأن كل الأشياء حاضرة عنده، لا يغيب شيء منها عن علمه، لأن الأشياء مكشوفة لديه، فلا مجال لاختباء الإنسان عن الله في أي عمل يخفيه، أو سر يكتمه أو خطأ يستره، لأن الإخفاء والكتمان والستر معان تلتقي بالحواجز المادية التي تحول بين الشيء وبين ظهوره مما لا مجال لتصوره في ذات الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ولعل هذا الإحساس هو الذي يتعمق في وعي الإنسان من حركة إيمانه فيمنعه عن الجريمة الخفية، والمعصية المستورة، والنيات الشريرة التي تتحفز للاندفاع والظهور.
من هنا وقفت النصوص القرآنية ضد الإكراه والسيطرة، ودعت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى التحرك في أجواء الإبلاغ والإقناع وحركة حرية الفكر والتعبير. إذ قال تعالى ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ( 9 ).وقال عز من قائل ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ( 10 ) . وقال تبارك وتعالى ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ( 11 ) .
فآيات الذكر الحكيم السالفة تؤكد بشكل لا لبس فيه أن توحيد الناس معتقدا من الأمور الصعبة والمحالة . والحل الطبيعي والمنسجم وفطرة الإنسان وحقائق الوجود الإنساني هو كفالة حرية الدين والمعتقد .
وقد تحدث الأستاذ (جودت سعيد) في كتابه (لا إكراه في الدين - دراسات وأبحاث في الفكر الاسلامي) عن مجموعة من الفوائد من آية (لا إكراه في الدين) منها:
1- إنها في ظاهرها حماية للإنسان الآخر من أن يقع عليه الإكراه من قبلك، ولكنها في باطنها حماية لك أيضا من أن يقع عليك الإكراه، فهي حماية للآخر وحماية للذات من أن يقع على كل منهما الإكراه.
2- يمكن فهم هذه الآية على أنها إخبار وليس إنشاء، أي يمكن أن تفهم على أنها نفي وليست نهياً، ويكون بذلك معناها إخبارا بأن الدين الذي يفرض بالإكراه لا يصير ديناً للمكره فهو لم يقبله من قلبه، والدين في القلب وليس في اللسان. فهي بهذا الشكل إخبار بأن الدين لا يتحقق بالإكراه ومن يكره إنما يقوم بعمل عابث لا اصل له.
هذا معنى الآية حينما نفهمها على أنها إخبار وليس إنشاءاً أو أمراً، كما يمكن أن نفهم الآية على أساس الإنشاء أي أن تفهم على أنها نهي عن الإكراه، لأنه لا يليق بالعاقل أن يقوم بعمل عابث، ولأن فرض الإيمان والدين بالإكراه عبث فجدير أن ينهانا الله عنه، فيكون المعنى نهياً عن ممارسة الإكراه للآخر، ونهياً أيضا لنا عن أن نقبل الإكراه والخضوع له.
فرشد الإنسان فرداً ومجتمعاً، هو من جراء التزامه بحريته واحترامه التام لحريات الآخرين. فحينما تنتفي كل الضغوطات والإكراهات، يتحقق مفهوم الرشد في الواقع الخاص والعام..
فالحرية بكل ما تحمل من معان إنسانية نبيلة وقيم تعلي من شأن الإنسان وكرامته، وتحميه من كل نزعات الاستفراد والإقصاء والنبذ والإكراه، هي بوابة الرشد ووسيلته في آن. وهي التي تخرج الإنسان من الغي وتخلق حقائق الاستمساك بالعروة الوثقى.
والمجتمع الذي يمارس حياته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن كل أشكال الإكراه والعنف، هو المجتمع الرشيد الذي يدافع عن حقوقه ومكاسبه بالحرية. وبها أيضا يصون حرمات الآخرين ومكاسبهم.
والتاريخ يحدثنا أن كل من يمارس الإكراه والعنف للدفاع عن ذاته، لا ينجز مراده ولا يحقق هدفه، بل ترتد عليه هذه الممارسات أكثر سوءاً ويدخل في أتون النزاعات والحروب والعنف والعنف المضاد.
إن الاتحاد السوفيتي لم يستطع أن يحمي ذاته من التشرذم والانقسام والتلاشي، مع العلم انه يمتلك أعتى الأسلحة وأطورها. فهذه الأسلحة الفتاكة لم تمنع الشعوب المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفيتي من النهوض ورفض كل أشكال القهر والإكراه.
فالحضارات لا تبنى بالإكراه، كما أن الأفكار لا تنتقل بالقسر والإكراه. فما أكثر الإمبراطوريات التي انهارت وتلاشت وأصبحت في ذمة التاريخ، بفعل اعتمادها واستنادها على القهر والإكراه. وفي المقابل نجد أن هناك أمماً ودولاً صمدت في وجه كل عمليات القمع والقسر والإكراه، لأنها تدير شؤونها وتسير أمورها بحرية وديمقراطية، وبعيداً عن كل أشكال القهر والإكراه.
فالحياة دائماً لكل امة ومجتمع يدار بالحرية، وينبذ الإكراه بكل صنوفه وأشكاله ومستوياته. ويرتكب حماقة تاريخية كبرى كل من يسعى إلى إدخال غيره في دينه أو مذهبه أو حزبه بالإرغام والإكراه.
لذلك فإن الحرية من القيم الأساسية في حركة الإنسان الفرد والجماعة، وبها يقاس تقدم الأمم وتطورها. إذ لا يمكن أن يتحقق التقدم إلا بالتحرر من كل معوقاته وكوابحه. والحرية هي العنوان العريض للقدرة الإنسانية على إزالة المعوقات وإنجاز أسباب وعوامل النهوض والانعتاق.
لذلك نجد أن الأنبياء جميعاً حاربوا الاستبداد والإكراه، ووقفوا في وجه الفراعنة، وعملوا من مواقع مختلفة لإرساء دعائم الحرية للإنسان. ولقد فك الأنبياء جميعاً العلاقة بين الفكر والعنف، فحرروا معركة الأفكار من معركة الأجساد، والله تعالى حمى الأجساد من أن يعتدى عليها من اجل الأفكار، فلم يعط لأحد الحق على جسد الآخر مهما كانت فكرته. وفي سبيل نيل الحقوق والحريات، لم يشرع الله سبحانه وتعالى للأنبياء ممارسة الإجبار والإكراه، وإنما حدد مهمتهم ووظيفتهم في الدعوة بالموعظة الحسنة والتبشير والنذير.
فالوظيفة الكبرى هي هداية البشر، بوسائل عقلية - سلمية، بعيدة كل البعد عن كل أشكال الضغط والقوة والإكراه.
وعلى هدى هذا نقول: انه لا يجوز التضحية بحريات الأفراد تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ انه لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا الحريات والحقوق لجميع المواطنين.
ولعلنا لا نعدو الصواب، حين القول بأن مجالنا العربي والإسلامي في العقود الخمسة الماضية قد قلب المعادلة. إذ سعت نخبته السياسية السائدة، إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني، تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعاً حاكماً ومحكوماً، إن هذا الخيار السياسي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط، وبفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعاً في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية.
فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية والإسلامية، لم يزدنا إلا ضياعاً وتشتتاً وضعفاً. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعاً أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان. كل هذه الممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي والإسلامي. فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وان صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه وامتهان كرامة الإنسان.
فآراء الإنسان مصونة، بمعنى أن الإنسان لا يقتل بسبب آرائه وأفكاره. والآراء والأفكار والقناعات، لا تواجه بالقوة المادية أو استعداء الآخرين، وإنما بالرد الفكري والحوار المتواصل وبيان أوجه الخطل والضعف في الآراء المتداولة.
لذلك كله فإن الحرية قبل أن تكون أشكالاً سياسية ونصوصاً دستورية، هي خروج كل فرد فينا عن أنانيته وافقه الضيق ومغادرة تلك الأفكار الآحادية والإقصائية والاستغنائية، التي لا تزيدنا إلا بعداً عن الديمقراطية ومتطلباتها الفكرية والمجتمعية.
لذلك فإن النواة الأولى للاستقرار والتطور، هي الاحترام العميق للآخرين مشاعر وأفكاراً ووجوداً، ومساواة الآخرين بالذات، ونبذ كل أشكال ممارسة الإكراه.
وإننا اليوم وفي كثير من مواقعنا، أحوج ما نكون إلى رفع شعار (لا إكراه في الدين) والعمل على تحويله إلى مشروع مجتمعي ينظم حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، ويرفع الغطاء الديني عن كل الممارسات العنفية والإرهابية، التي لا يقرها عقل ولا دين ولا تنسجم وثوابت الأمة.
فلننبذ من فضائنا السياسي والاجتماعي والثقافي، كل الممارسات الإكراهية والإقصائية، ونبني راهننا على أسس الحرية واحترام التعدد والتنوع، ونفسح له المجال لممارسة دوره ووظيفته في البناء وتعزيز خيار السلم والتعايش الأهلي.


الإنسان والحرية :

ثمة حقيقة أساسية يبرزها النص القرآني، وهي أن الإنسان هو صانع حركة الحياة ضمن السنن الكونية والاجتماعية التي تمثل القوانين التي أودعها الله في الكون وفي حركة الإنسان في المجتمع. لذلك يقول تبارك وتعالى ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميعٌ عليم ( 12 ) .
فالإنسان يتحرك في الحياة من خلال أفكاره، وحركة الأفكار هي التي تمثل حركة الحياة. لأن حركة الحياة هي صورة ما نفكر به. لذلك كله فإن التغيير الذاتي على مستوى الطبائع والأفكار والقناعات، هو قاعدة التغيير الاجتماعي والسياسي. فقضايا الاجتماع الإنساني لا تتغير وتتحول إلا بشرط التحول الداخلي - الذاتي - النفسي.
فالتعاليم القرآنية واضحة في أن في هذا الكون وحياة الإنسان سنناً وقوانين، هي التي تتحكم في مسيرة الكون، كما أنها هي القوانين المسيرة لحياة الإنسان الفرد والجماعة.
والإنسان في المنظور القرآني، هو نفحة ربانية استحقت التكريم الذي بوأها أعلى مرتبة في الوجود ، أعني الاستخلاف في الأرض بصريح الآية القرآنية ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون ( 13 ) .
ومن أجل ذلك استحق الإنسان التكريم بقوله تعالى ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ( 14 ) .
وحتى يحقق الإنسان وظيفته على أحسن وجه كان كل ما في الوجود مسخراً لفائدته، وكان العالم مسرحاً لكل فعالياته بصريح آيات قرآنية عديدة منها قوله تعالى ﴿ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم ( 15 ) .
والكائن الإنساني في الرؤية القرآنية، له القدرة والاستطاعة على ممارسة الحرية والاختيار. بمعنى أن الفعل الإنساني ليس خاضعاً لمقولات القسر والجبر، كما أنه ليس بعيداً عن قوانين الله سبحانه وأنظمته في الكون والمجتمع. بمعنى أن الباري عز وجل هو خالق أفعال الإنسان، لأنه بجميع أفعاله مخلوق الله، ولكن مع ذلك له استطاعة يحدثها الله فيه مقارنة للفعل. لذلك فإن الإنسان مكتسب لعمله، والله سبحانه خالق لكسبه. فالفعل الإنساني في مختلف دوائره ووجوده، هو خاضع لمنظومة من القيم والسنن والتي ينطلق الفعل الإنساني من خلال الالتزام بهذه المنظومة. فالإنسان ليس خالقاً لأفعاله، كما أنه ليس مجبوراً في أفعاله وإنما هو (لا جبر ولا تفويض وإنما أمر بين أمرين).. لذلك يقول تبارك وتعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون ( 16 ) . والله سبحانه وتعالى أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، والله أعز من أن يكون في سلطانه مالا يريد.. فإرادة الله هي التي صنعت إرادة الإنسان. والإنسان هو الكائن الوحيد الذي اختار أن يكون قدره أكثر من إمكان واحد، وأوفر من احتمال واحد في الزمان والمكان. لهذا كله فإن احترام الإنسان وصيانة حقوقه من أعظم المهام والوظائف في حياة الإنسان في الوجود. فلا يصح بأي شكل من الأشكال أن الباري عز وجل يكرم الإنسان ويصون حرماته وحقوقه، ويأتي الإنسان ويمتهن حقوق الإنسان وكرامته.
إن التوجيهات الإسلامية، تؤكد وبشكل لا لبس فيه، أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال انتهاك كرامة الإنسان أو التعدي على حقوقه ومكتسباته الإنسانية والمدنية.
والاختلافات العقدية والفكرية والسياسية بين بني الإنسان، ليست مدعاة ومبرراً لانتهاك حقوقه أو التعدي على كرامته. بل هي مدعاة للحوار والتواصل وتنظيم الاختلافات وضبطها تحت سقف كرامة الإنسان وصون حقوقه.
ولقد آن الأوان بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين، إلى إعادة الاعتبار إلى الإنسان ومقاومة كل حالات التعدي على حقوقه ومكتسباته. فالاختلاف مهما كان شكله أو طبيعته، ليس مبرراً ومسوغاً لانتهاك حقوق الإنسان. فالخالق سبحانه وتعالى أكرم الإنسان، ودعانا وحثنا جميعاً وعبر نصوص قرآنية عديدة على احترام الإنسان بصرف النظر عن لونه أو عرقه أو فكره، وصيانة كرامته وحقوقه.
والحرية بوصفها مصدر المسؤولية، لا تفضي بالكائن البشري إلى اختيار الحق والعدل والخير بالضرورة. بل تجعل الاختيار مفتوحاً على جميع الاتجاهات والاحتمالات. لذلك كان التاريخ البشري حافلاً باختيار الظلم والشر إلى جانب العدل والخير، وكان الإنسان مسؤولاً عن ذلك كله. أما الكائنات الأخرى، فليست مسؤولة عن ما يعرض لها أو بسببها لأنها ليست كائنات مختارة. فالباري عز وجل لم يخلق الإنسان خلقاً جامداً خاضعاً للقوانين الحتمية التي تتحكم به فتديره وتصوغه بطريقة مستقرة ثابتة، لا يملك فيها لنفسه أية فرصة للتغيير وللتبديل، بل خلقه متحركاً من مواقع الإرادة المتحركة التي تتنوع فيها الأفكار والمواقف والأفعال، مما يجعل حركة مصيره تابعة لحركة إرادته. فهو الذي يصنع تاريخه من خلال طبيعة قراره المنطلق من موقع إرادته الحرة، وهو الذي يملك تغيير واقعه من خلال تغييره للأفكار والمفاهيم والمشاعر التي تتحرك في واقعه الداخلي لتحرك الحياة من حوله. وهكذا أراد الله للإنسان أن يملك حريته، فيتحمل مسؤوليته من موقع الحرية. ويدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في الداخل، فهو الذي يستطيع أن يتحكم بالظروف المحيطة به، بقدر علاقتها به، وليس من الضروري أن تتحكم به. فالإنسان هو صانع الظروف، وليست الظروف هي التي تصنعه. وعليه فإن تطوير واقع الحرية في الحياة الإنسانية، يتوقف على الإرادة الإنسانية التي ينبغي أن تتبلور باتجاه الوعي بهذه القيمة الكبرى أولاً، ومن ثمَّ العمل على إزالة كل المعوقات والكوابح التي تحول دون الحرية. فالحرية في الواقع الإنساني لا توهب، وإنما هي نتاج كفاح إنساني متواصل ضد كل النزعات التي تعمل على إخضاع الإنسان وإرادته. سواء كانت هذه النزعات ذاتية مرتبطة بحياة الإنسان الداخلية، أو خارجية مرتبطة بطبيعة الخيارات السياسية والاقتصادية والثقافية، التي قد تساهم في إرجاء الحرية أو تعطيلها ووأد بذورها الأولية وموجباتها الأساسية.
وما دام الإنسان يعيش على ظهر هذه البسيطة، سيحتاج إلى الحرية التي تمنحه المعنى الحقيقي لوجوده. ولكي ينجز هذا المعنى، هو بحاجة إلى إرادة وكفاح إنساني لتذليل كل العقبات التي تحول دون ممارسة الحرية الإنسانية على قاعدة الفهم العميق لطبيعة عمل سنن الله سبحانه في الاجتماع الإنساني. ومن هنا ومن خلال هذه المعادلة التي تربط الوجود الإنساني برمته بالحرية والإرادة والمسؤولية، فإن الكدح الإنساني سيتواصل، والشوق الإنساني إلى الحرية والسعادة سيستمر، والإحباطات والنزعات المضادة ستبقى موجودة وتعمل في حياة الإنسان. لذلك فإن الوجود الإنساني هو عبارة عن معركة مفتوحة بين الخير الذي ينشد الحرية والسعادة والطمأنينة القلبية، والشر الذي لا سبيل لاستمراره إلا البطر والطغيان والاستئثار.
ولكي ينتصر الإنسان في معركته الوجودية، هو بحاجة إلى الإيمان والعلم والتقوى، حتى يتمكن من هزيمة نوازعه الشريرة وإجهاض وتهذيب نزعات البطر والطغيان.
ولا يخفى أن شعور الإنسان بالأمن والطمأنينة في الحياة هو الشرط الضروري لكي يقدم على العمل والإنتاج والتعمير في الأرض. ففي مناخ الأمن النفسي تنمو القدرات الذهنية وتتجه نحو الإبداع، وتنشيط القدرات الإنجازية وتتضاعف فعاليتها ويزكو إنتاجها. فإنسانية الإنسان في جوهرها وعمقها مرهونة بحرية الإنسان. إذ إن الحرية هي شرط إنسانية الإنسان. وحينما يفقد هذا الشرط، يفقد الإنسان مضمونه وجوهره الحقيقي. لذلك فإننا نرى أن احترام آدمية الإنسان، ومجابهة أي محاولة تستهدف انتهاك حقوقه الأساسية، هي الخطوة الأولى في مشروع تحقيق إنسانية الإنسان. فالإنسان بكرامته وحرماته وحقوقه، هو حجر الأساس في أي مشروع تنموي أو تقدمي. لذلك فنحن بحاجة دائماً إلى رفع شعار ومشروع صيانة حقوق الإنسان وكرامته بصرف النظر عن عرقه أو لونه أو قوميته أو أيدلوجيته.

الحرية والمصلحة :
لعلنا لا نضيف شيئا حين القول : أن الدين الإسلامي بكل تشريعاته ونظمه ، وبالرغم من تقريره للغيب ، فإنه ذو سمة عقلانية ، أي أنه جاء ليوافق منطق العقل الإنساني وأحكامه . لذلك لا نجد أن هناك حكم في الدائرة التشريعية للإسلام ، لا ينسجم وحقائق العقل الإنساني . وعالم الغيب في المنظور الإسلامي ، ليس نفيا أو تغييبا لعالم الشهود والعقل . وإنما بالنظر العقلي المستند على حقائق الوحي يتم اكتشاف بعض جوانب وأبعاد عالم الغيب .
وإن الحرية الإنسانية لا تنجز على الصعيد العملي ، إلا على قاعدة توفير المصالح التي يسعد بها الإنسان ويحيا حياة كريمة ، ودفع الأضرار التي تجلب إليه الشقاء والبعد على الجادة والحياة الكريمة . ( لذا لا يمكن تصور الإنسان حرا في المفهوم الإسلامي ، إلا منذ أن أصبح يعتقد أنه مكلف ومسؤول . ذلك ، لأن معنى الحرية الذي نهض به التكليف قد غدا في أغوار النفس الإنسانية معتقدا ، يمارسه على الوجه المرسوم له شرعا ، امتثالا لأمر الله ، وعن طواعية وكامل رضا ، أو بعبارة أخرى ، إن المسلم الحق لا يصدر عنه تصرف أو نشاط حيوي ، مادي أو فكري أو وجداني ، بمقتضى ما رسم له الشارع فيما خوطب به من تكاليف ، إلا إذا كان يعتقد ابتداء ، وفي قرارة نفسه ، أنه مكلف به شرعا ، لا بعامل الاستهواء ، أو بتسليط الغرائز الدنيا الأولية السليقية التي تغري بالتصرف المطلق ، طمعا في تحصيل الثمرات القريبة العاجلة ، أو استجابة للعصبية ، والهوى ، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم ، وحذر منه ، لفساد مآلاته على المجتمع البشري كله . بقوله تعالى [ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ] . ( 17 ) .
وهذه الحرية ليست منفصلة في حقائقها وتجلياتها المتعددة عن نظام الحقوق ، سواء كانت هذه الحقوق خاصة أم عامة . وإنما هي متداخلة مع نظام الحقوق ولا يمكن أن يتم إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي ، إلا بصيانة الحقوق . فحماية الحقوق وصيانتها هي بوابة إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي . وبدون ذلك تبقى الحرية شعارات مجردة بعيدة عن حركة الإنسان الفرد والمجتمع .
" لذا ترى الإسلام قد أقام فلسفته التشريعية على أساس تضمين المعنى الإنساني والاجتماعي مفهوم الحرية ، ضمانا كافيا للحيلولة دون الاعتساف في ممارستها ، وناط بهذا المعنى مفهوم العدل ، بأن جعل بينه وبين المشروعية تلازما ، بحيث إذا انتفى المعنى الاجتماعي في التصرف الفردي ، انتفت المشروعية وسقطت ، ولاسيما عند تعارض الحرية الفردية مع المصلحة العامة ، كما بينا ، وهذا أصل مقطوع به ، ومجمع عليه ، تحقيقا للتوازن عملا وواقعا ، ثم أقام الحق والحرية على أساس التكليف المؤيد بالعقيدة ، ضمانا للتقيد بالمعنى الإنساني ، لأنه يستند إلى أصل اعتقادي قبل أن يكون تدبيرا تشريعيا أو سياسيا محضا . ومن هنا نشأت الوظيفة الاجتماعية للحق والحرية وهذه الوظيفة هي أساس التكافل الاجتماعي الملزم أو جهة التعاون واستخلص العلماء من هذا المبدأ العام الذي هو قوام الحريات والحقوق ، ومؤداه أن حق الغير محافظ عليه شرعا وهو حق الله تعالى في كل حق فردي ، بما يحقق من معنى الحق الاجتماعي في الإسلام . " ( 18 ) .
وبما أن المصلحة العامة من الشروط التي تتوقف عليها قدرة الفرد وإمكانيته من تحقيق مصالحه الذاتية المباشرة . لذلك فإن صيانة المصالح العامة بكل مقتضياتها ومتطلباتها من صميم صيانة الإنسان لمصالحة الخاصة والذاتية . وبهذا تتضح العلاقة العميقة والوثيقة في آن ، بين رعاية المصالح الذاتية ورعاية المصالح العامة . وإنه لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نصون مصالحنا الخاصة إلا بصيانة مصالحنا العامة . لأنه وببساطة شديدة لا تبقى مصالح خاصة على الصعيد الواقعي معتبرة ، إذا تم التهاون والتضحية بالمصالح العامة . ولعل هذا هو مؤدى المأثور التاريخي القائل ( إن قوما ركبوا سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، وكان الذين في أسفلها ، إذا أرادوا أن يستقوا ، مروا على من فوقهم ، فقال أحدهم : لو إنا خرقنا في نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا ، وإن تركوه ، هلك وهلكوا جميعا ) .
من هنا نستطيع القول : أن حياة الإنسان وفق الرؤية الإسلامية ليست حقا أو ملكا خالصا له ، بل هي مسيجة بحق الله تعالى وحق المجتمع ، تنفيذا لأمانة التكليف ، وتفسيرا لمعنى استخلافه في الأرض . ويقول تبارك وتعالى [ ولا تقتلوا أنفسكم ] . ( 19 ).
ولقد صاغ الفقهاء مجموعة من القواعد الفقهية التي تنظم وتحدد وتوازن العلاقة وأولوياتها بين المصالح الخاصة والعامة . ومن هذه القواعد ، لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، ويتحمل الضرر الخاص في سبيل دفع ضرر عام ، والضرر الأشد يزال بالأخف .
وكل هذه الحقوق والحريات العامة ، التي هي ضرورية لأمن واستقرار المجتمعات ، بحاجة إلى ركائز وسياج مجتمعي وقيمي ، يحمي الحقوق ، ويعزز فرص الاستقرار في المجتمع . وهذه الركائز هي :
1- الوفاء بالعهود والمواثيق ، لأن ذلك هو الذي يؤكد الثقة بين أفراد المجتمع ويحفظ لهم تماسكهم الاجتماعي .
2- المحافظة على الروابط الروحية والاجتماعية ، فإنها تشد أواصر المجتمع وتجعله وحدة متماسكة بعيدة عن أي انقطاع وانفصام .
3- النزعة الإصلاحية التي تعمل على إصلاح ما فسد من حياة الناس ، ومحاربة تجدد الفساد وانطلاقه في المجتمع سواء في ذلك فساد العقيدة ، أو فساد السلوك والوجدان ، وهذا هو سر الإيمان في حياة المؤمنين عندما ينطلق الإيمان في حياتهم ليقوي هذه الركائز . فهم يحفظون عهد الله في كل التزاماتهم ومواثيقهم في العقيدة والحياة ، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل في علاقة الإيمان والقرابة والجوار وغيرها ، ويصلحون الفساد في الأرض )( 20 )
وتتضح هذه الركائز من قول الباري عز وجل [ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ] ( 21 ) .
فالعلاقات الاجتماعية الداخلية القائمة على الوفاء بالعهود والمواثيق ، والمزيد من أشكال التضامن وأطر التعاون ، والحيوية والدينامية في ملاحقة الانحرافات وكل أشكال الفساد . هذه العلاقات هي القادرة على احتضان واستيعاب كل أسس الحرية وآفاق المشاركة في الحياة العامة . فالمجتمعات لا تصون حقوقها ، ولا تنجز حريتها ، إلا إذا كانت حية وحيوية ، وتمتاز بعلاقات حسنة وإيجابية بين مختلف مكوناتها وتعبيراتها .
أما المجتمعات المفككة والمبعثرة في جهودها وطاقاتها ، والخاملة تجاه حقوقها وحرياتها ، فإنها مهما رفعت من شعارات لن تتمكن من القبض على كل أسباب عزتها وحريتها . لهذا فإننا مع كل المبادرات والخطوات التي تعزز وحدة المجتمع وتضامنه الداخلي ، وضد كل نزعات التشظي والفرقة التي قد تصيب المجتمعات ، وتضيع عليها فرص حقيقية ونوعية في مضمار التقدم والتطور . فالحقوق مهما كانت صريحة وواضحة ،فإننا لن نحصل عليها إلا إذا وفرنا كل الأسباب الذاتية والموضوعية المؤدية إلى نيل الحقوق وكسب الحريات . وتوفير هذه الأسباب بكل مستوياتها ، لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة ،وإنما عبر عمليات التراكم والبناء المتواصل .ولعل من أهم المداخل لهذه المسألة ،هي بناء قدرات المجتمع الذاتية في مختلف المجالات .
لهذا فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله [ هلاك أمتي في ترك العلم ] ( 22 ) . فالمجتمعات لا تبني قدراتها إلا بالعلم والمعرفة ، لذلك وكما قال رسول الله excaim [ من أراد الدنيا فعليه بالعلم ، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم ، ومن أرادهما فعليه بالعلم ] ( 23 ) . ويقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام [ اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة ] ( 24 ) . ومن الضروري في إطار بناء المجتمع وتطوير قواه الذاتية ، الاهتمام بالتخطيط والابتعاد عن كل أشكال العشوائية وردود الأفعال الغير محسوبة التي قد تضر باستراتيجية بناء قدرات المجتمع الذاتية . لذلك جاء في الحديث عن الإمام علي عليه السلام [ إن الطيش لا تقوم به حجج الله ولا تظهر براهين الله ] ( 25 ) .
حقوق الإنسان ومفارقات الواقع :
يقول تبارك وتعالى [ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ] ( 26 ) .
هذه الآية الكريمة توضح طبيعة الانحراف السلوكي الذي كان يعيشه اليهود في عصر الرسالة الإسلامية . فقد جعلوا من أنفسهم حماة الكتاب والحق والاستقامة ، ولكنهم على الصعيد العلمي والسلوكي هم الذين يمارسوا الأدوار النقيضة لذلك . ويبدو من خلال هذه الآية الكريمة أن هذه المشكلة ، أي مشكلة الازدواجية والفصام النكد بين القول والفعل قد تصيب أي مجتمع . وقد عالجها الذكر الحكيم في أكثر من آية وموقع قرآني . فالمطلوب قرآنيا أن يتحد القول مع العمل ، والكلمة مع الموقف ، حتى يتحقق الإيمان الحقيقي سواء على الصعيد الفردي أو المجتمعي .
" ولقد جاء في معاني الأخبار عن الحسين البزاز قال : قال لي أبو عبد الله جعفر الصادق عليه السلام : ألا أحدثك بأشد ما فرض الله على خلقه ؟ قلت : بلى ، قال : إنصاف الناس من نفسك ومواساتك لأخيك ، وذكر الله في كل موطن " .
وما نود أن نثيره في هذا السياق ، هو طبيعة التناقض بين القول والعمل فيما يرتبط بحقوق الإنسان في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة .
ولعل من المفارقات الصارخة في واقعنا الإسلامي المعاصر، هي تلك المفارقة المرتبطة بحقوق الإنسان في فضائنا الثقافي والسياسي والاجتماعي. حيث إننا نمتلك من جهةٍ تراثاً ونصوصاً دينية هائلة، تحث على احترام الإنسان وصيانة حقوقه وكرامته، والتعامل معه وفق رؤية أخلاقية نبيلة. وبين واقع لا يتوانى في انتهاك حقوق الإنسان وتدمير كرامته وهتك خصوصياته. فنحن في المجال الإسلامي نعيش هذه المفارقة بكل مستوياتها وتأثيراتها.
فنصوصنا الدينية تحثنا على الالتزام بحقوق الإنسان وصيانة كرامته وتلبية حاجاته. ولكن في المقابل هناك الحياة الواقعية المليئة على مختلف المستويات بأشكال تجاوز وانتهاك حقوق الإنسان. ولا يمكن ردم هذه الفجوة وتوحيد الواقع مع المثال على هذا الصعيد إلا بتطوير خطابنا الديني وإبراز مضمونه الإنساني والحضاري. وذلك لأن هذا الخطاب في أحد أطواره ومستوياته كان يمارس التبرير والتسويغ لتلك المفارقة الحضارية التي يعيشها واقعنا العربي والإسلامي. وإن تجاوز هذه المفارقة، يتطلب العمل على بلورة خطاب حقوقي إسلامي، يرفض كل أشكال التجاوز والانتهاك لحقوق الإنسان الخاصة والعامة، ويبلور ثقافة اجتماعية عامة، تُعلي من شأن الإنسان وتحث الناس بكل فئاتهم وشرائحهم على احترام آدمية الإنسان وصيانة كرامته والحفاظ على مقدساته. وإن صيانة حقوق الإنسان في الفضاء الاجتماعي، بحاجة إلى نظام الحرية والديموقراطية. لأنه لا يمكن أن تصان حقوق الإنسان بعيداً عن الحريات السياسية والديموقراطية. وإن ضمان الحقوق الأساسية للإنسان، بحاجة إلى نظام، ينظم العلاقات، ويضبطها بعيداً عن الإفراط والتفريط. فلا حقوق للفرد والمجتمع، بدون مرجعية عُليا ينتظم تحت لوائها ومظلتها الجميع. فلا يمكن أن تصان الحقوق، حينما تنتشر الفوضى، ويغيب النظام وذلك لأن كل متواليات هذا الغياب تنعكس سلباً على واقع حقوق الإنسان في المجتمع.
لذلك نجد أن المجتمع الذي يعاني من حروب داخلية أو أهلية، لا يتمكن من صيانة حقوق الإنسان فيه. وذلك لأن مفاعيل غياب النظام تحول دون احترام الإنسان وصيانة حقوقه. ولعل في مقولة الإمام علي بن أبي طالب التالية إشارة إلى هذه المسألة: ( لا بد للناس من أمير بَرٍّ أو فاجر يعمل في أمرته المؤمنون، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتؤمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بَرٌّ أو يستراح به من فاجر).والدعوة إلى النظام لضمان الحقوق، لا تشرع بطبيعة الحال إلى الاستبداد والحكم المطلق. لأن هذا بدوره أيضاً يمتهن الكرامات ويدمر نظام الحقوق في المجتمع.
من هنا نصل إلى حقيقة أساسية وهي: أن النظام الذي يكفل الحريات للمجتمع، هو النظام القادر على صيانة حقوق الإنسان. ولا يمكن أن نصل إلى هذه الحقيقة، إلا بحيوية وفعالية اجتماعية تنتظم في أطر ومؤسسات وتعمل وتكافح لخلق الحقائق في واقعها، وتفرض ظرفاً جديداً، بحيث تكون صيانة حقوق الإنسان من الحقائق الثابتة في الفضاء الاجتماعي.
إننا دون تغيير واقعنا الاجتماعي، لن نتمكن من خلق نظام سياسي يصون الحريات والحقوق. من هنا تنبع أهمية العمل الاجتماعي والثقافي المتواصل، باتجاه تنقية واقعنا الاجتماعي من كل رواسب التخلف والانحطاط، ومقاومة كل الكوابح التي تحول دون التنمية والبناء الحضاري. إن حيويتنا الاجتماعية وفعلنا الثقافي المتميز والنوعي من الروافد الأساسية لبلورة قيم حقوق الإنسان في فضائنا الاجتماعي والثقافي. فلا يكفينا أن تكون النصوص الدينية حاضنة لحقوق الإنسان ومشرعة لها وإنما لا بد من العمل والكفاح لسن القوانين واتخاذ الإجراءات وخلق الوقائع المفضية جميعاً إلى صيانة حقوق الإنسان.
وعليه فإننا نشعر بأهمية أن يتجه الخطاب الديني إلى مسألة حقوق الإنسان، ليس بوصفها مسألة تكتيكية أو مرحلية، وإنما بوصفها جزءاً أصيلاً من التوجيهات الإسلامية والمنظومة الدينية. لذلك ينبغي أن يتجه هذا الخطاب إلى الإعلاء من شأن هذه المسألة، وتنقية مفرداته ووقائعه من كل الشوائب التي لا تنسجم والحقوق الأساسية للإنسان.

فالإنسان بصرف النظر عن منبته الأيديولوجي أو انتمائه المذهبي أو القومي أو العرقي، يجب أن تحترم آدميته وتصان حقوقه. وأي فهم لأية قيمه من قيم الدين، لا تنسجم وهذه الرؤية، هو فهم مشوب وملتبس، ولا يتناغم والقيم العليا للدين.
فالإسلام بكل قيمه ومبادئه ونظمه وتشريعاته، هو حرب ضد كل العناوين والعناصر التي تنتقص من قيمة الإنسان أو تنتهك حقوقه.فهي قيم من أجل الإنسان وفي سبيله، ولا يمكن بأية حال من الأحوال أن يشرع الإسلام لأي فعل أو سلوك يفضي إلى انتهاك حقوق الإنسان.
لذلك كله نستطيع القول: إن الانتهاكات المتوفرة في المجالين العربي والإسلامي لحقوق الإنسان، هي وليدة الأنظمة الاستبدادية والشمولية التي تمارس كل أنواع الظلم والعسف والقهر لبقاء سلطانها الاستبدادي، والإسلام بريء من هذه الانتهاكات. وإن المحاولات التي يبذلها علماء السلطان لسبغ الشرعية على تجاوزات السلطة الاستبدادية، لا تنطلي على الواعين من أبناء الأمة، ولا تحسب بأي شكل من الأشكال على الإسلام مبادئاً وقيماً ومثلاً عليا.والإصلاح الديني المنشود، هو الذي يتجه إلى العناصر التالية:

1- تحرير المجال الاجتماعي والثقافي والسياسي من كل أشكال الهيمنة وانتهاك الحقوق وتجاوز ثوابت الدين القائمة على العدل والحرية والمساواة.
2- تنقية الثقافة الدينية السائدة، من كل رواسب التخلف السياسي والانحطاط الثقافي والأخلاقي. فلا يمكن أن تكون ثقافة دينية أصيلة، تلك الثقافة التي تبرر الظلم أو تسوغ التعذيب أو تشرع للعسف وانتهاك الحقوق والحريات العامة للإنسان.
3- بناء المجال السياسي والثقافي في الأمة، على أسس العدل والحرية والمساواة وصيانة حقوق الإنسان. فالمهم أولاً ودائماً أن يكون واقعنا بكل مستوياته منسجماً ومقتضيات الإسلام ومثله العليا.
4- تحرير العلاقات وأنماط التواصل بين مختلف المكونات والتعبيرات، من كل أشكال التمييز والتهميش والإقصاء بدعاوى ومسوغات دينية أو فكرية أو سياسية. وبناء العلاقة بين هذه التعبيرات على أساس الجوامع المشتركة ومقتضيات الشراكة والمسؤولية المتبادلة.
وهذا يتطلب تطوير علاقتنا المنهجية والمعرفية بالنصوص الإسلامية، وتجسير الفجوة بين مؤسساتنا ومعاهدنا العلمية ومصادر المعرفة الإسلامية الأساسية. وذلك من أجل إنتاج ثقافة إسلامية أصيلة ومنفتحة ومتفاعلة مع مكاسب العصر والحضارة.
وهذا بطبيعة الحال ، ليس سهل المنال ، وإنما هو بحاجة إلى جهود فكرية ومؤسسية متواصلة ، لتنقية المجال السياسي والثقافي والاجتماعي من كل مظاهر الأنانية والآحادية والاستبداد .
وإن مشروع النهضة الوطنية على الصعد كافة اليوم ، بحاجة إلى وعي وثقافة دينية جديدة ، تتصالح مع الحرية وحقوق الإنسان ، وتنبذ العسف والظلم بكل مستوياته ودوائره ، وتتفاعل على نحو إيجابي مع التنوع والتعددية ، وتقطع نفسيا ومعرفيا مع الرؤية الآحادية التي لا ترى إلى قناعاتها وتتعامل معها بوصفها الحقائق المطلقة .
والفكر الديني المعاصر ينبغي أن لا يكون منعزلا أو بعيدا عن قضايا الحرية وحقوق الإنسان ونقد الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله .
فالإسلام لا يشرع للظلم والاستبداد ، بل يدعو المسلمين إلى رفض الظلم ومقاومة الاستبداد ونشدان المساواة والعدل في كل الأحوال والظروف .
ولعلنا لا نبالغ حين القول : إن التحدي الأكبر الذي يواجه البلدان العربية والإسلامية اليوم ، هو في قدرة هذه الدول والبلدان على تجسير الفجوة بين الواقع والمثال فيما يرتبط بحقوق الإنسان . لأن الكثير من الأزمات والمآزق التي تواجه هذه البلدان ، هي من جراء تراجع مستوى حقوق الإنسان في هذه الدول . ولا ريب أن هذا التراجع له تأثيرات سلبية عميقة على مختلف صعد ومستويات الحياة .. لهذا فإن صيانة الأمن الثقافي والاجتماعي والسياسي ، لا يمكن تحقيقه بدون صيانة حقوق الإنسان . كما أن بوابة الاستقرار الاجتماعي والسياسي في كل هذه الدول ، هي احترام حقوق الإنسان وصيانتها ومنع أي تعدي عليها .
لهذا فإننا نستطيع القول ، وبلغة لا لبس فيها ، أن شكل وطبيعة المستقبل الذي ينتظر دولنا العربية والإسلامية ، مرهون إلى حد بعيد على قدرة هذه الدول على تطوير أنظمتها وواقعها السياسي ، باتجاه المزيد من احترام وصيانة حقوق الإنسان .
وإن المهمة الأساس الملقاة على عاتقنا جميعا ، هي العمل على تجسير الفجوة وردم الهوة ، بحيث تصبح كل حقائق ومتطلبات حقوق الإنسان شاخصة وبارزة في فضائنا الاجتماعي والثقافي .
فلا يمكن أن تتوفر في فضائنا الاجتماعي والوطني ، عناصر القوة والقدرة والحيوية ، بدون صيانة حقوق الإنسان . لهذا فإن جسر العبور إلى القوة بكل تجلياتها والحيوية بكل تمظهراتها ، هو الإصرار على صيانة حقوق الإنسان وتجسير الفجوة على هذا الصعيد بين الواقع والمثال والمأمول .

وفي الختام : فإن الناس أفرادا وجماعات ، تتمايز عن بعضها في طريقة التعامل مع حقوقها وحريتها . فالمجتمعات الحية هي التي تقبض على حقوقها وتدافع عن حريتها . أما المجتمعات الميتة ، فهي التي تفرط بحقوقها وحريتها . لذلك جاء في الحديث الشريف [ ليس من ابتاع نفسه فأعتقها كمن باع نفسه فأوبقها ] .( 27 ) .








الهوامش
1- السيد محمد حسين فضل الله – في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي – ص 4 – الطبعة الثالثة – دار الملاك – بيروت 2005م .
2- سورة آل عمران ، الآية 91 .
3- سورة العنكبوت ، الآية 20 .
4- سورة سبأ ، الآية 46 .
5- سورة البقرة ، الآية 159 .
6- سورة الحج ، الآية 8 .
7- سورة فصلت ، الآيات 33 – 35 .
8- سورة مريم ، الآيات 30 – 32 .
9- سورة الكهف ، الآية 29 .
10- سورة الغاشية ، الآية 22 .
11- سورة يونس ، الآية 99 .
12- سورة الأنفال ، الآية 53 .
13- سورة البقرة ، الآية 30 .
14- سورة الإسراء ، الآية 70 .
15- سورة الحج ، الآية 65 .
16- سورة القصص ، الآية 68 .
17- الدكتور محمد فتحي الدريني ، دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر ، الجزء الأول ، ص 44 ، دار قتيبة للطباعة والنشر ، دمشق 1988م .
18- المصدر السابق ، ص 47 .
19- سورة النساء ، الآية 79 .
20- السيد محمد حسين فضل الله ، تفسير من وحي القرآن ، المجلد الأول ، ص 137 ، دار الزهراء ، الطبعة الثالثة ، بيروت 1985م .
21- سورة البقرة ، الآية 27 .
22- الحسن الديلمي ، إرشاد القلوب ، ج 1 ، ص 183 .
23- المصدر السابق .
24- عبد الواحد الآمدي التميمي ، غرر الحكم ودرر الكلم ، المجلد الأول ، مؤسسة الأعلمي ، الطبعة الأولى ، بيروت 1987م .
25- الشيخ محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 54 ، ص 232 ، الطبعة الثالثة ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1983م .
26- سورة البقرة ، الآية 44 .
27- محمدي الريشهري ، ميزان الحكمة ، المجلد الثاني ، ص 353 ، الدار الإسلامية ، لبنان .







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


محمد محفوظ

الاسم: الشيخ الأستاذ محمد جاسم المحفوظ.

مكان وتاريخ الميلاد: ولد بسيهات عام 1966م


النشأة والدراسة:
-تلقى تعليمه الأولي في مدارس سيهات
- التحق بحوزة القائم ودرس فيها ودرس لمدة أربعة عشرعاما


المهنة والعمل:
كاتب، مدير تحرير مجلة "الكلمة" مدير مركز آفاق.


الأعمال والنشاطات:
- ساهم في إدارة مجلة "البصائر".
- شارك في تأسيس مجلة "الكلمة" وهي مجلة فصلية تعنى بالقضايا الفكرية والثقافية.
- شارك في العديد من المؤتمرات الفكريةوالثقافية.
- كتب مقالات ثقافية واجتماعية وفكرية في جريدة اليوم السعودية.
- له كتابات كثيرة ومتنوعة خاصة في المجال الفكري
-له حضور بارز في الندوات والمنتديات الثقافية والأدبية في المنطقة
- يكتب مقالا أسبوعيا في جريدة الرياض .


المؤلفات والإصدارات:
1- الإسلام مشروع المستقبل ، دار النخيل ، بيروت .

2- نظرات في الفكر السياسي الإسلامي ، دار الصفوة ، بيروت .
3- الإسلام ، الغرب وحوار المستقبل ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
4- الأهل والدولة بيان من أجل السلم المجتمعي ، دار الصفوة ، بيروت .
5- الفكر الإسلامي المعاصر ورهانات المستقبل ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
6- الأمة والدولة من القطيعة إلى المصالحة لبناء المستقبل ، المركز الثقافي العربي، بيروت .
7- الحضور والمثاقفة - المثقف العربي وتحديات العولمة ، المركز الثقافي العربي، بيروت .
8- العولمة وتحولات العالم – إشكالية التنمية في زمن العولمة وصراع الثقافات ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
9- الواقع العربي وتحديات المرحلة الراهنة ، دار الإشراق الثقافي ، بيروت .
10- العرب ومتغيرات العراق ، دار الانتشار العربي ، بيروت .
11- الإسلام ورهانات الديمقراطية – من أجل إعادة الفاعلية للحياة السياسية والمدنية ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
12- الإصلاح السياسي والوحدة الوطنية – كيف نبني وطنا للعيش المشترك ، المركز الثقافي العربي ، بيروت .
13- الحوار والوحدة الوطنية في المملكة العربية السعودية ، دار الساقي ، بيروت .
14- الآخر وحقوق المواطنة ، مركز الراية للتنمية الفكرية ، دمشق .
15- شغب على الصمت ، مركز الراية للتنمية الفكرية ، دمشق .
16- ظاهرة العنف في العالم العربي – قراءة ثقافية ، كتاب الرياض ، عدد 144 .
17- أوليات في فقه السنن في القرآن الحكيم ، مركز الراية للتنمية الفكرية، دمشق .
18- التسامح وقضايا العيش المشترك ، مركز أفاق للتدريب والدراسات ، القطيف 2007م.
19- سؤال الثقافة في المملكة العربية السعودية. دار أطياف
20- العرب ورهانات المستقبل الوطنية. جرديدة الرياض
21- الحوار المذهبي في المملكة العربية السعودية . دار أطياف
22- الإصلاح في العالم العربي. دار العربية للعلوم.
23- المواطنة والوحدة الوطنية في المملكة العربية السعودية. نادي حائل الأدبي.
24- ضد الطائفية. المركز الثقافي العربي.
25- الأسلام والتجربة المدنية مقاربة أولية. كراس صغير
26- الحوار أولا ودائما . كراس صغير
27- ملامح حقوق الإنسان في التشريع الإسلامي. كراس صغير
28- حرية التعبير في التشريع الإسلامي . كراس صغير

2016/06/22 | مقالات | القراءات:6401 التعليقات:0
2016/06/12 | مقالات | القراءات:6418 التعليقات:0
2016/05/12 | مقالات | القراءات:6317 التعليقات:0
2016/04/12 | مقالات | القراءات:7266 التعليقات:0
2016/03/23 | مقالات | القراءات:7401 التعليقات:0


ارسل لصديق