النهضة الثقافية .. كيف ولماذا
عايدة الحرز كاتبة سعودية من القطيف
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2011/06/21
التعليقات: 0 - القراءات: 5089

من سمات هذا المثقف انطلاقه من بيئته ليكون نموذجاً منها وفيها متكامل الهوية متوازن التوجه بين الأصالة والتجديد ، دون أن يكون هذا المفهوم حكراً على فئات معينة أو أشخاص معينين ، فالثقافة ترتدي ثوب الشمولية لتعم كافة المجتمع ابتداءً بعالم الدين وانتهاءً بأصغر فرد فيها ، ولذا فالفكرة الخاطئة وليدة الجهل بالثقافة عن أنها بديل عن أمر آخر هي مجرد وهم و حيثُ أن الثقافة التي لا تُستمد من بيئتها هي صورة مُموّهة

النهضة الثقافية .. كيف ولماذا

عايدة الحرز

كاتبة سعودية من القطيف

 

مفهوم الثقافة بدلالاته أصبح هاجس الأمم المدفوعة لمحاكاة الأمم المتقدمة حضارياً بُغيةَ اللحوق بركبها و مسايرتها رقياً .

و رغم كل ما يحيطُ بمفهومها من غموضٍ يتركها في حالة هلامية مُبهمة عند الأغلب الأعم مما يؤدي به لحالة التنافر و إياها ، فحاجة المجتمع إليها حاجة أساسية لبناء كينونته وتشكيل ملامحه العامة ..

النظرة السطحية للثقافة وحصرها في مجال معين كانت السبب الرئيسي لتبقى على قارعة الإهمال ، فيُعطلُ دورها دون أخذ الثمار المرجوة منها ، لتترك المُجتمع في حالة انفصال متسّع عن المجتمعات الأخرى تُلحظ فوارقه  بالوهلة الأولى ، دون أدنى انتباه من أفراد المجتمع لهذه المشكلة التي تضخمت و أدت لحالتين : الأولى " حالة الجهل الثقافي " والثانية " حالة المثقف المعزول عن مجتمعه " .. وكلا الحالتين بحاجة لمعالجة جذرية تفكُ عرى المشاكل الرئيسية وتبسطها في إيجاد الحلول .

ما هي الأسباب التي أوجدت : حالة الجهل والركود الثقافي ؟

ما دور المثقف في نهضة الثقافة ؟

ما أسباب تعطيل دوره التقدمي في خلق حالة المجتمع الناهض بالمعرفة ؟

حقيقة الأمر عدة أسباب عملت كمنظومة في خلق هذه الأزمة ، منها وليد المجتمع ، والآخر صناعة الأفراد أنفسهم ..

وحيثُ أن معرفة المشكلة نصف الحل ، فالوقوف على أسباب اضمحلال الثقافة كفيل بإيجاد الحلول الجذرية اللازمة لحل هذه المشكلات وهي :

1-    الالتزام بالثوابت ورفض المتغيرات الحادثة ، أدى لرفض كل جديد و أنتج ثقافة عقيمة تنظر للتجديد على أنه حالة تغيير جذري مؤدي للفساد دون النظر لماهية هذا الجديد أو إيجاد قاعدة عامة لأداء سلوك عملي تجاهه : قبولاً أو رفضاً .

2-    تنشئة الجيل نشأة منفصلة ثقافياً في عدة أسباب :

§        مرحلة ما قبل المدرسة  ، حيثُ في هذه المرحلة العمرية يتم تكوين الأساسيات الرئيسة في ميول الطفل وتوجهاته فضلاً عن بناء شخصيته ، وخلق سلوكيات وتوليد توجهات معينة فيه ، مُعرضة للإهمال من قبل ذوي المسؤولية ( الأسرة – الحضانة – رياض الأطفال )  فذهنية الطفل متوقدة ، لديها نهمٌ شديد للاطلاع والمعرفة فإن لم تجد ما يغذيه أو عانت من تحديده وتقنينه ومنعه فهو معرضٌ للاضمحلال والضمور .

§        مرحلة المدرسة : تكوين حالة العلم المنسوخ لذهنية الطالب وحصرها ضمن سطور معينة المؤدية لخلق عالم محدود و أيدلوجية واحدة يسير الطالب وفقها فلا يحيد عنها قيد أنملة ، إما لمحدودية المدرس  أو لميل الطالب للسهولة الضامنة للنجاح و انحصاره بين دفتي الكتاب و أوراق العمل ..وترسيخ قاعدة الحفظ ، كل ذلك يُوجد حالة من العتمية على فكر الطالب و المدرس على حد سواء فكلاهما في حال تفاعل وتطوّر أحدها كفيل بتطور الآخر .

3-    قضية انفصال المثقف عن بيئته وثقافته أمام الانفتاح الفكري والمعرفي ، المؤدية لاصطدامه بقاعدة الثوابت والمتغيرات التي تختلط مفاهيمها إزاء محاولة محاكاة الآخر لإزالة الفوارق التي تفصله عنه ، بالتالي تنتج مشكلة " صورة المثقف المعزول عن بيئته و ثقافته " وتكوين الصورة المموّهة لثقافته وتاريخه  ، هذه المشكلة تحول بالدرجة الأولى عن قيام المثقف بدوره النهضوي مما يجعل الأزمة الفكرية تندفع نحو التفاقم والتضخم .

4-    ينتج عن قضية انفصال المثقف وعزلته في بوتقةٍ معينة واختلافه عن مضمون مجتمعه وبيئته يدفعهما لإقصائه ، وهذا بدوره يؤدي إلى تهميش دور المثقف في مجتمعه و تعطيل دوره في النهوض بواقع المجتمع . وهذه المشكلة تقف حائلاً  بالدرجة الأولى عن القيام بدوره النهضوي ، مما يحدو بالأزمة الفكرية للتفاقم والتضخم .

5-    استخدام المثقف للمفردات الصعبة والعصية الفهم على الشريحة الكبرى من فئات المجتمع خاصة حين تكون تلك اللغة وليدة الدراسة الأكاديمية في مجال تخصصه .

6-    الفكرة الخاطئة المتمحورة في قالب : الثقافة نهج بديل عن الدين ، تدفع البعض للحد من انتشارها جهلاً بضرورتها في مواكبته كوسيلة دعامية يتجدد بها المفهوم الديني لينهض بالمجتمع ويساير التقدم دون الإخلال بأساسياته .

7-    محدودية المثقف في إطار معين يستمدُ منه ثقافته في عزلٍ تام لبقية الوجوه الأخرى يضفي على المجتمع صبغةً معينة ولون واحد بعيد عن المعارف والعلوم الأخرى .

 

لعلّ هذه الأسباب و لربما سواها ؛ كانت المحاور الهامة في تثبيط الثقافة وإنحسارها في فئات معينة ، وركودها أو تماهيها في فئاتٍ أخرى .

وهذا يدفعنا للتساؤل في محفل عرض المشكلة الذي هو نصف االحل ، أين يكمن العلاج ؟

والإجابة تكمن في كل مشكلة يكمن الحل ، التخلص من المشكلة أو محاولة اضمحلالها والسعي لضمورها كفيلٌ بخلق الحلول اللازمة لإيقاظ نهضة مجتمعية كفيلة بخلق التوازن دون إخلال بالهوية .

و كفرضٍ للحل مع حالة التنظير للمشكلة وجذورها :

1-    الحداثة و تكوين مبدأ التجديد القابل للتغيير وفق قواعد المتغيرات الحادثة ، في إطار ذاتي لا يخل بصحة الثوابت ، والسماح لهذه الثوابت باستيعاب النشاطات و احتواءها وتوجيهها في الطريق الصحيح .

2-    تنشئة الجيل نشأة نهضوية قائمة على تكوين الفكر الواعي القادر على إيجاد الحلول واستنباطها دون تعطيل للعقل أو تهميش لأهمية التفكير .

3-    العمل على تنمية الجانب الفكري في الطفل  بالوسائل المرئية والمقروءة و اعتمادها كجزء أساسي من وسائل اللعب الترفيه وتشجيع القراءة وتنميتها لديه ضمن خطط تربوية معينة ، فكما جاء في دراسة للطب النفسي في جامعة نيوانجلاند بأستراليا أن من أهم الطرق الفعالة في ذلك ما يلي :

§        القراءة مساءً كل يوم للطفل .

§        التعليق بطريقة إيجابية على موضوع القراءة

§        تنويع مادة القراءة .

§        مدح حب الطفل للقراءة .

§        تشجيع الطفل على القراءة ومكافئته على إنجازاته القرائية .

§        مناقشته في الكتاب الذي قرأه .

§        دفعه لاختيار الكتب أو ترشيحها له .

4-    الإعداد التربوي للمنظومة التعليمية لتكون قناة استيعاب للطالب وتنمية معرفته وصقل مواهبه .

5-    تكوين مصداق حقيقي للمثقف ؛ حيثُ يفترض الفيلسوف الألماني " هيجل " أن الوعي بداية التأريخ وهوية الإنسان ، لذا تكمن حقيقة المثقف في تجلي الوعي والذهنية الحاضرة في كل ما يتلقاه من حادثات على أرض الواقع أو في سلوكه العملي والفكري تجاه الأفكار والنظريات المُستحدثة ، بتعبيرٍ أدق يصف السيد محمد تقي المدرسي الثقافة بـ( المعرفة التي تعطي الإنسان البصيرة في الحياة ) . فالثقافة هي جملة المعارف التي تعطي الإنسان الرؤية الواضحة لقضايا التاريخ ومُجريات العصر ، وتصوّرات المستقبل ، وله في ذلك توجه ما تفرضها عليه ثقافته لأداء دوره مراعاةً للمسؤولية التي ألقتها عليه .

ومن سمات هذا المثقف انطلاقه من بيئته ليكون نموذجاً منها وفيها متكامل الهوية متوازن التوجه بين الأصالة والتجديد ، دون أن يكون هذا المفهوم حكراً على فئات معينة أو أشخاص معينين ، فالثقافة ترتدي ثوب الشمولية لتعم كافة المجتمع ابتداءً بعالم الدين وانتهاءً بأصغر فرد فيها ، ولذا فالفكرة الخاطئة وليدة الجهل بالثقافة عن أنها بديل عن أمر آخر هي مجرد وهم و حيثُ أن الثقافة التي لا تُستمد من بيئتها هي صورة مُموّهة كما يرى الأديب الراحل عبدالرحمن منيف  ( لكي لا نقع في وهم أن المثقف فكرة مستقلة أو بديلة لقوة أخرى ؛ أو أنه فوق الطبقات أو أكبر منها يجب أن نؤكد أنَّ قوة المثقف مستمدة من الثقافة التي يمثلها ومن المواقف التي يتخذها للتعبير عن هذه الثقافة ) و بهذا نصل للفكرة الأخرى المتعلقة بانفصال المثقف عن مجتمعه .

6-    حيثُ أن الثقافة ليست بديلاً عن أصلٍ ما ، بل قضية مستقلة بحد ذاتها تعمل على إيجاد الصورة التكاملية للإنسان بما هو كلٌ في مجاله إن كان عالماً أو عاملاً ، أديباً أو فناناً ، هذا يفرض واقع أن المثقف صورة و انعكاس لمجتمعه ، فرد عامل على الموازنة لا صورة نشازة ينبغي التعامل معها بحذر .

7-    حالة الموازنة بين روافد المعرفة والعلم بالعودة لمفهوم الثقافة الأصيل و دورانها بين العلوم الطبيعية والاجتماعية التي تمسُ سلوك الإنسان تعطي حالة من التكامل بين العلم الدافع للمعرفة ، وهذا ما يحدو المثقف للاهتمام بجميع أنواع العلوم و المعارف والإطلاع على جميع الحضارات والنظريات والتصورات الفلسفية وغربلتها بهدف إيجاد المفاهيم الصحيحة في اتساعٍ معرفي بضابط الوعي الذي يمكّنه من التفريق بين الزبد وبين ما ينفعُ الناس .

بالاهتمام بالنشء و بإيجاد قاعدة سليمة ومتوازنة بين المثقف والمجتمع يمكن للمثقف فيها بأداء دوره وتكوين الفكر الواعي المصاحب يمكن البدء بخلق حالة النهضة الثقافية السليمة المرجوة .

 

 

 

 







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق