هاشم صالح: الفقه القديم شل حركتنا قرونا
حوار : هادي يحمد*
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/05/29
التعليقات: 0 - القراءات: 5212

عندما يتحدث هاشم صالح المفكر والباحث السوري المقيم بباريس عن خيانة النصوص فإنه يعني إعادة تأويلها وقراءتها من جديد. لكنه ربما استعمل المصطلح لإحداث صدمة في الوعي الإسلامي من قبل رجل لا يخفي أنه علماني مسلم يتبنى منهج النقد الراديكالي في التعامل مع قراءة التاريخ والنصوص الإسلامية.

وفي جلسة حول فنجان قهوة في مقهى "باريس" في حي "بورت دوري" الهادئ، حاول هاشم صالح الرد على بعض أسئلتنا، معتبرًا أن الحركات الإسلامية الإخوانية بحاجة إلى اقتباس "التجربة الإسلامية التركية" المستنيرة من أجل التطور ودخول عالم الحداثة.
ولا يتردد هاشم صالح في الدعوة إلى "إسلام التنوير" في مواجهة وضع "لم يعد قابلا للاستمرار"، وهذا الوضع يسميه بحالة "الانسداد التاريخي" للعرب والمسلمين.. والتنوير بالنسبة له يأتي بالضرورة "بالصدام" و"دفع ثمن باهظ" من أجل التغيير، كما حدث في التاريخ الأوروبي في صلب مكونات المجتمع الغربي.
ولكن هذا التنوير الذي يراد له أن يكون "بدون إراقة دماء" سيشكل بالنسبة للتيار الغالب من المسلمين فاجعة وربما كارثة؛ لأنه مبني على "التضحية ببعض النصوص بإعادة قراءة التراث قراءة جديدة مختلفة".
هاشم صالح وهو يحدد تلك الكارثة، يؤكد أن أزمة المسلمين تكمن في "كيفية الانفلات من النصوص"، مؤكدًا أن نصوص الفقهاء القديمة شلت حركة الفكر الإسلامي قرونا عديدة. الحوار إطلالة على رؤية "علمانية" حول طبيعة الخطاب الإسلامي السائد فكرا وتطبيقا.
وفيما يلي الحوار كاملا :

سأنطلق من كتابك الذي عنونته "معضلة الأصولية الإسلامية" (2006) والذي تهاجم فيه بضراوة الحركات الإسلامية، والذي تختلط لدينا فيه كقراء تصنيفاتك في شيطنة "بن لادن" وشيطنة "أردوغان".. أليس هذا إخلالا وتبسيطا للظاهرة الإسلامية والحركات الإسلامية على وجه العموم؟

لا.. هذا ليس دقيقًا تمامًا، وأنا أشدت أكثر من مرة بالنموذج التركي، لا أعرف تحديدًا هل في كتابي هذا أم في كتابي "الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟" (2007).
أشدتُ ودعوتُ الحركات الإخوانية المصرية والسورية وسواها إلى اتباع النموذج التركي ممثلا في "طيب أردوغان"، والذي يمثل الإسلام الوسطي المعتدل المستنير، من أجل أن يحاولوا التصالح مع العصر ومع الحداثة ومع الفكر الأوروبي. 

 يعني أنت تفرق بين خطين في الحركات الإسلامية؟

نعم عندي تفريق.. فبالرغم من كوني أنتمي إلى الإسلام بالمعنى العام الميتافيزيقي والأخلاقي والروحي، وبالرغم من أني لا أطبق الشعائر والطقوس فإن خلفيتي وتربيتي قرآنية. ومن هذه المنطلقات فإن عندي تفريقا واضحا بين التيار الذي يبذل جهدا لمسايرة العصر ولتفسير الفقه والدين بطريقة تجعلنا ندخل عالم الحداثة، وبين غيره.
وبالتالي فإني لا أقيم أي مطابقة بين "أردوغان" و "بن لادن"؛ لأني مع تيار إسلامي مستنير، فأنا لست ضد الإسلام ككل، فأنا ضد التيارات العنيفة في عدائها لروح العصر وللحداثة الفكرية والفلسفية، وضد الذين يدينون ابن رشد والذين يرفضون الفارابي ويكفرون ابن سينا.
وبالمناسبة فإن تكفير الفلاسفة في الفكر العربي كان من أيام الغزالي، وبالتالي أكرر بأني أميز بين هذين الخطين، وأنا مع أن ينبثق في العالم العربي والإسلامي تيار إسلامي مستنير، مثل التيارات المسيحية الديمقراطية في الغرب .

اسمح لي أن أقاطعك في هذه النقطة؛ لأنك في كتابك "معضلة الأصولية الإسلامية" بالذات تشير في إحدى الفقرات إلى الاختلاف بين هذه الأحزاب الإسلامية وتجربة الأحزاب المسيحية الديمقراطية الأوروبية، وتشير إلى استحالة تجربة هذه الأحزاب في العالم العربي والإسلامي!!؟

طبعا هناك اختلاف، فتاريخ التنوير الأوروبي من أجل أن أصبحت هذه الأحزاب ديمقراطية عمره أكثر من مائتي سنة، والنهضة الأوروبية عمرها أربعمائة سنة، ونحن نهوضنا حديث العهد، فعمره حوالي خمسين سنة تقريبا، وبالتالي فنحن لا نستطيع أن نحقق في خمسين سنة ما حققه الأوروبيون في أربعمائة سنة ..
طبعا أنا أقول إننا يمكننا أن نسايرهم على نفس الخط، ولكني لا أقول إن أردوغان ديمقراطي مثل "إنجيلا ميركل" (المستشارة الألمانية)؛ لأن المجتمع التركي أصلا لا يسمح بما يفعله الآن، ولكن يتقدم خطوات إلى الإمام سواء بTM دافع من الاتحاد الأوروبي، أم بدافع داخلي محتمل؛ فالرجل (أردوغان) تطور كثيرا؛ لأنه كان أصوليا متعصبا في بداية شبابه، وبعد خروجه من السجن وجد أن المجتمع التركي بحاجة إلى تيار إسلامي أكثر تصالحا مع العلمانية فعرف بطريقة براجماتية كيف يعدل نفسه، وهو من بين هؤلاء الناس الذين يغيرون مواقفهم باتجاه الأفضل، أي يشتغلون على أنفسهم كما يقال، ويبذلون جهدا لقمع التيار المتعصب فيهم.
فنحن لنا ميل إلى التعصب في هذا الاتجاه أو ذاك، وهذا نجده في القرارات التي اتخذها البرلمان التركي في السنوات الأخيرة، والقوانين التركية اليوم هي قوانين حديثة، وهي تسير في اتجاه الحداثة وإلغاء منظومة القوانين الفقهية القديمة التي تصدم العصر، والتي في رأي يجب إعادة تأويل هذه النصوص الفقهية حتى تكون أكثر قبولاً، من أجل الخروج من هذا المأزق.
فما كان يفعله الطالبان على سبيل المثال من أساليب غير إنسانية باسم تطبيق الحدود لم يعد أمرًا مقبولا، فالإسلام من خلال هذه الممارسات في أزمة كبيرة مع نفسه، والعالم الإسلامي مضطر إلى تأويل النصوص حتى يكون الإسلام في العصر.

دعني أكون أكثر صراحة لأقول لك: هناك من يعتبر أن هذه القناعة والتشجيع لتيار أردوغان والرضا بالحركات الإسلامية المستنيرة بشكل عام من قبلكم ومن قبل العلمانيين العرب هي مجرد تكتيك، لكن إستراتيجيتكم أبعد من ذلك، وهي الإطاحة بمكانة الدين بتمامها، فكيف تردون على هذا القول، خاصة أنك لا تخفي في أكثر من موضع أنك "تنتمي إلى تيار النقد الراديكالي العلماني"؟.

علمانيون ليس معناها بالضرورة ملحدين! وهناك تفريق بين العلمانية والإلحاد، فأنا علماني وأؤمن بوجود الله مثلا، وأعتقد بوجود قدرة إلهية فوقية في هذا الكون. أما بخصوص فكرة التكتيك هذه فلست معها تماما، على الرغم من أن التكتيك في أحيان كثيرة ليس سيئا، ولكن هناك فكرة مهمة وهي أني من خلال أفكاري لا أريد للمجتمع أن ينفجر ولا أريده أن يدفع ثمنا باهظا.
فأنا أريد أن نصل إلى التقدم بأقل ما يمكن من الانتفاضات والهزات والاصطدامات بين مكونات المجتمع، فكل مجتمعاتنا مهددة بحروب أهلية، وإذا وقع تقدم من خلال التصالح فهذا أفضل من أن يكون هناك تصالح ندفع ثمنه من خلال الحروب الأهلية. وبهذا المعنى فإن التكتيك يكون شيئا إيجابيا، ولكن أصر على القول بأن التيار الإسلامي المستنير مثل التيار المسيحي المستنير في كل المجتمعات الأوروبية في فرنسا وألمانيا وغيرها..
طبعًا هناك أقلية متزمتة وتطورت هذه التيارات نتيجة الضغوط العلمانية، طبعا هناك عوامل أخرى لانحسار التزمت الديني بفضل التطور الاقتصادي النمو، فمدن الصفيح التي تحيط بالدار البيضاء والقاهرة وعواصم عربية أخرى تزيد حتما في نسبة التعصب، وتغذية التيار الظلامي.. أعني أنه لا يجب إغفال ربط التعصب الديني بالفقر والحرمان.

تقول هذا بالرغم من أن الظاهرة الجديدة والتي بدأنا نلاحظها منذ بضع سنوات وهي ظهور "البرجوازية المتدينة" تدحض تماما التفسير الاقتصادي لنمو التيار الديني؟

نعم هذا صحيح، ولكن لاحظ أن هذه البرجوازية المتدينة لما حصلت الصدامات المسلحة في القاهرة وغيرها من العواصم العربية لم تنضم إلى هذه المواجهات، وإلى المتطرفين المسلحين وهذه نظرية "جيل كبيل" أي أن أبناء هذه الطبقات الشعبية المسحوقة من سكان مدن الصفيح والأرياف الفقيرة التي بدأت المواجهة المسلحة مع السلطة لم تنظم إليها الطبقة "البرجوازية المتدينة".
ويقول كبيل في نظريته هذه إنه لو انضمت "الطبقة البرجوازية المتدينة" إلى طبقة المتدينين المسحوقين، لوصل المسحوقون المتدينون إلى إسقاط النظام في كل من مصر والجزائر على سبيل المثال.
فالبرجوازية المتدينة في مصر على سبيل المثال كانت حذرة، ولم تنضم إلى المواجهات، ولو انضمت إلى الموجهات لانقلبت الأنظمة كما حصل في إيران على سبيل المثال، فسبب نجاح الثورة الإيرانية أن الطبقات المسحوقة والبروليتاريا الشعبية الريفية التي بدأت الانتفاضة لقيت مساندة "البازار" أي تدين الطبقة البرجوازية، مما جعل المثقفين ورجال الدين والرسوليين من أمثال الخميني يجدون أنفسهم في مقدمة قيادة هذه الثورة، وسقط نظام الشاه ونجحت الثورة وفشل التحول الديني في العالم العربي ممثلاً في التغيير الذي كانت تريده الحركات الإسلامية؛ لأن الطبقة البرجوازية المتدينة كانت لها امتيازات، وخشيت أن تخسرها إذا حصلت ثورة شعبية عارمة، على عكس الطبقات المسحوقة التي كانت على استعداد بأن تغامر بكل شيء.

إذن أنت تقر بفشل الحركات الإسلامية حتى إنك وفي كل كتاباتك تقريبا تحذر وتفزع من انتشارها وسيطرتها.. أليس في هذا تناقض؟!!

 يعني لنكن صرحاء.. لم نشهد نجاحا سياسيا إلى الآن لهذه الحركات، ما عدا ما حققته الثورة الإسلامية في إيران، ولن نتحدث عن طالبان؛ لأنها تصنف ضمن أمر آخر.. أنا برأيي أنه لا مستقبل للتيار المتطرف الأصولي في العالم الإسلامي، والتيار الذي له فعلا المستقبل هو التيار الذي يشبه إلى حد ما النموذج التركي، وهو التيار الذي يعرف كيف يتصالح مع الحداثة.
ولكن مشكلة هذا التيار الإسلامي الغالب هي وجود فرامل ممثلة في الفقه القديم وفقه القرون الوسطى، والتي إن خرج عليها فهو يخاف أن يوصم بالخروج عن الدين، وهذا ما أسميته أنا "بالانسداد التاريخي" فنحن في العالم العربي والإسلامي نعيش حالة انسداد تاريخي مرعبة، وأخشى ألا يكون لا حل لها إلا الانفجار؛ لأن النص القديم غير المؤول يقول لك شيئا والواقع المتغير يقول لك شيئا آخر.
فالفقه القديم يشل العقل الإسلامي، والحداثة الفكرية تحيط بنا من كل الجهات من الغرب ومن الشرق، أي ليس فحسب من أوروبا، ولكن أيضا من الصين والهند واليابان، وبالتالي فنحن أمام انسداد تاريخي، فإما نظل على تأويل النص القديم؛ وبالتالي نخضع لعقلية البرقع والقرون الوسطى ونصبح غير فاعلين في التاريخ، وإما أن نخرج عن النص بمعنى إعادة تأويله، وبالتالي ننخرط في العالم وفي الحداثة، ولكننا سنشعر بالذنب؛ لأننا خنا النص الشرعي في قراءته الرسمية، وهذا ما أسميته بالانسداد التاريخي للوعي الإسلامي.
وبالتالي فلا نجاة لنا إلا بإعادة تأويل النص، وهذه عملية صعبة عاشها قبلنا الوعي المسيحي في أوروبا في منعطف القرن السابع عشر سماها "بول هازار" بأزمة الوعي الأوروبي" (صدر سنة 1935)، وكانت أزمة حادة جدا بين أفكار الحداثة ممثلة في ديكارت وهيغل والاكتشافات العلمية والجغرافية، وبين اللاهوت المسيحي الذي تمزق بين الوفاء للاهوت والنصوص القديمة المسيحية، وبين الحداثة الفلسفية أي خيانتها والانخراط في حركية العالم. يعني هناك في العالم الإسلامي أزمة مع النفس قبل أن تكون مع الآخر فنحن المسلمين نعيش أزمة رهيبة محورها هو كيفية الإفلات من النص.

في عملية الإفلات من النصوص، والخروج من هذا الانسداد التاريخي -كما تقول- هل هناك نماذج تراها جديرة بالاتباع؟

طبعا هناك جهود كثيرة هناك "المدرسة التونسية"، ممثلة في "عبد المجيد الشرفي"، و "محمد الشرفي"، و "محمد الطالبي"، وغيرهم كثير.. والإسلام المستنير هو تخفيف الإسلام من كل هذه الأثقال التي ترهق الإنسان المسلم وتشده عن الانخراط في العالم.

يعني "إسلام لايت" .. "إسلام خفيف"؟

يعني باختصار "روح الإسلام" أي التركيز على جوهر الدين لا قشوره، فأبي أنا مثلا كان شيخا متدينا وتربيته الدينية لي المثقلة شعرت أنها تشلني وتمنعني من الانخراط في الأدب والشعر وفي الحياة بشكل عام.
وهذا هو الفهم الخاطئ للدين بشكل عام، وهو فهم متشدد متزمت، وهناك فهم متحرر ليبرالي وهو تأويل حر كان موجودًا على طول التاريخ، وكان هناك صراع في تاريخنا الإسلامي دائما بين تيارين "حنابلة"، و"معتزلة"، و"الفلاسفة" و"الفقهاء" وحتى داخل الفقهاء كان هناك تيارات، ونحن كنا نظن أنه كان هناك إسلام واحد، ولكن هناك في الحقيقة تيارات والإسلام دين كبير وتعددي، فهناك إسلام صوفي شعبي مقابل الإسلام الرسمي، وأنا عندما أقرأ ابن عربي يقول:
"أدينُ بدينِ الحبِّ أنّى توجهَتْ *** ركائبُهُ فالحبُّ ديني وإيماني"
هو بهذا القول أعطاني ما أبحث عنه، ولكن غيري يكفره، ويعتبره خارجا عن الإسلام.
ومصيبة المسلمين اليوم أنهم يغلبون القشور على الجوهر، والدخول في متاهات التفاصيل الفقهية التي تشل الإنسان عن كل إنتاج، فإذا اتبعت هذه القشور فستقضي حياتك كاملة في البحث عن تفاصيل الفتاوى وهل يجوز أو لا يجوز، ولن تنتهي.

عود على بدء.. وانطلاقا من كتابك "معضلة الحركات الأصولية" تقر بأن هذه الحركات لا تقدم بديلا ثقافيا ولا اجتماعيا ولا سياسيا ديمقراطيا حقيقيا.. ولكن دعني أقول لك ما يقوله بعض المفكرين والباحثين الغربيين بأن هذه الحركات، برغم "ظلاميتها الفكرية" كما تقول أنت، هي الوحيدة التي تقدم مشروعا مقاوما للاحتلال الذي ترزح تحته بعض مناطق العالم العربي والإسلامي، وأخص بالذكر حركة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان .. فماذا تقولون؟

بتصوري أن المقاومة ضد الاحتلال أمر واجب ومشروع على المستوى الديني أو على مستوى القانون الدولي، ولكن هذه المقاومة في وقت من الأوقات يجب أن تتحول إلى سياسة، ويجب أن تستثمر سياسيا إذا ثبت أنها بدأت توصل إلى الباب المسدود، ويدفع الشعب ثمنا باهظا أكثر من النتيجة المنتظرة فهنا تحدث المشكلة.
ويجب أن أشير إلى أن الأمر الذي أخّر التنوير العربي هو حجة المقاومة، في بداية الاستقلال كانوا يقولون لنا مقاومة الاستعمار والامبريالية واعتماد إيديولوجيا الكفاح ضد الخارج، وهو ما أنسانا الداخل ومشاكله بما يعنيه تنوير العقول وتنمية المجتمع، وتجديد برامج التعليم وجدلية الداخل والخارج ظلت متابعة لنا، وهو ما يتطلب الخروج منها.
وقضية فلسطين في الحقيقة قضية لها خصوصيتها، ونتمنى أن نتوصل فيها إلى نتيجة حتى لا تصبح حجة من أجل تأخير التنوير والتعليم والتنمية، فبحجة فلسطين ومشكلتها تأخرت كل مشاريع التنمية لدينا، وبحجة فلسطين وقع سن أحكام القوانين الحادة من الحريات، وبحجة فلسطين منعت تعددية الأحزاب و ظللنا على هذا الحال أربعين سنة.

أريد أن أسألك سؤالا أكثر مباشرة.. أين العلمانيون والليبراليون في صفوف المقاومة الفلسطينية على سبيل المثال.. لماذا لا نجدكم في المعركة؟

المقاومة كما قلت لك أمر مشروع، ولكنها ليست هدفا بحد ذاته، أي لن نظل مليون سنة نقاوم بدون نتائج، ولكن نحن نريد أيضا أن نبني مجتمعا عادلا فيه تنمية، مجتمعا منتعشا ومستنيرا، فيه جامعات ومشافي وبنية تحتية.
بمعنى أن عندنا معركة الداخل وجهاد أكبر الذي هو جهاد ضد الذات وتخلف المجتمع، في مقابل الجهاد الأصغر الذي هو ضد العدو والجهاد الأصغر هذا صار هو الجهاد الأكبر في عالمنا العربي منذ خمسين سنة، وتغلبت قضية الآخر والخارج علينا.
وفي تصوري الفكر العربي وصل إلى منعطف لا يستطيع الاستمرار فيه في هذا الطريق طمس فيه الجهاد الأصغر الجهاد الأكبر، فالشعوب العربية تريد أن تتنفس بعض الحرية والعدالة والمساواة، ولم تعد مقولات تأجيل تطلعاتها باسم محاربة العدو الخارجي ممكنة على حساب خوض معركة التنوير.

أنت تركز كثيرًا على مصطلح التنوير وإذا بحثنا في محتوى هذا التنوير الذي تريد في ما المداخل التي تختارها من أجل تحقيق هذا التنوير؟

التنوير أساسه طبعا الانبثاق من داخلنا عن طريق الاستفادة من تجربة الدول المتقدمة، وأنا أرى أن أول خطوة من أجل هذا التنوير هي إعادة قراءة التراث كله، ونبش كل التيارات المطموسة بدءا من عصور الانحطاط إلى اليوم، عند سيطرة السلاجقة انتصر تيار الغزالي بالرغم من قيمة الغزالي في ميادين عدة على تيار الفارابي وابن سينا وابن رشد على الرغم من محاولة هذا الأخير صده عن طريق كتابه "تهافت التهافت" ردا على كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة".
وفي هذا الإطار يجب على مسئولي التعليم في العالم العربي إبراز كل هذه التيارات المطموسة في تاريخنا والمغيبة مثل التيار المعتزلي، كحزب ومذهب والذين أحرقت كتبهم في الأمصار وشردوا وقُتلوا واكتشفت بعض كتبهم في اليمن في العقد الأخير مخبأة، حيث سيطر التيار الحنبلي على الفكر الإسلامي إلى عصرنا الحاضر، فأين التوحيدي وأين المعري وأين إخوان الصفا؟..
فأول خطوة إذن هي إبراز هذا التيار المطموس في تاريخنا؛ لأنه تيار أيضا عربي وإسلامي وهو رؤية أخرى للإسلام، والعمل هنا يجب أن يتركز على نشر كتب هذا التيار وشرحها وترجمتها إلى لغة عربية مبسطة، حتى تكون في متناول الجميع، مثل كتب الفارابي وابن سينا والمعري وغيرهم.
النقطة الثانية في مشروع التنوير هي النظر في التنوير الأوروبي، فلِمَ توقف تنويرنا نحن؟ مع ابن رشد بدأ تنوير الأوروبيين، وهنا عملنا يجب أن يتمثل في ترجمة حركة التنوير الأوروبي ومؤلفاتها الأساسية متمثلة مثلا في مونتسكيو وفولتير وديدرو وكانط وهيغل وسبينوزا.. فمحور التوفيق بين الدين والفلسفة يعتبر أحد المحاور الأساسية في التفكير الأوروبي.
النقطة الثالثة وهي تعميق العلاقة بين الدين والفلسفة في تاريخنا، وأن تنتشر فلسفة الدين في العالم الإسلامي، ولا يجب أن نختصر الإسلام في مجموعة همهمات وتعويذات وفتاوى فقهية وقل ولا تقل، فالإسلام أوسع وأعظم من هذا بكثير..
فالتصوف الإسلامي مثلا أعمق مما يقدم في الوقت الحالي، ويجب إعادة اكتشافه، وهناك قيم أخلاقية وإنسانية عند ابن مسكويه الذي سبق في بعض مبادئه التنوير الأوروبي، ولكن مشكلتنا أننا لا نعرف هذا التنوير الإسلامي المفقود.
----------------------------
* مراسل شبكة إسلام أون لاين في فرنسا

2009/08/14






التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق