برهان غليون: الدول لا تبنى على مفهوم الأخوّة الدينية
حوار / سمير ساسي
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/05/29
التعليقات: 0 - القراءات: 4638

الأستاذ برهان غليون مفكّر سوريّ يشغل منصب مدير دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون، وهو أستاذ علم الاجتماع السياسي، وله مؤلّفات عديدة باللسانين العربي والفرنسي من أبرزها: بيان من أجل الحرية، المسألة الطائفية ومشكلة الأقلّيات، اغتيال العقل، الاختيار الديمقراطي في سورية، المحنة العربية: الدولة ضدّ الأمّة..وعشرات الكتب الفردية منها والمشتركة.

الأستاذ برهان غليون مفكّر سوريّ يشغل منصب مدير دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون، وهو أستاذ علم الاجتماع السياسي، وله مؤلّفات عديدة باللسانين العربي والفرنسي من أبرزها: بيان من أجل الحرية، المسألة الطائفية ومشكلة الأقلّيات، اغتيال العقل، الاختيار الديمقراطي في سورية، المحنة العربية: الدولة ضدّ الأمّة..وعشرات الكتب الفردية منها والمشتركة.
يصنف بعض الدارسين مشروعكم ضمن محاولة إعادة تأسيس المجال السياسي في الفكر العربي لكنهم يعيبون عليكم عدم تنبهكم إلى المفارقة التي يصطدم بها هذا التأسيس، وهي أنه "ما أن يبدأ الفكر العربي في اقتباس مفهوم من المفاهيم من أوروبا، حتى يبدأ ذلك المفهوم في فقدان بريقه وإجرائيته ودخول مرحلة شيخوخته في موطنه الأصلي، ليقوم بعده مفهوم جديد يخلفه يدفع بالمفهوم السابق إلى سلّة "الماضي". وهكذا يجد العرب أنفسهم يطلبون مستقبلاً لهم في "ماضي" ثقافة أوروبا، فتتوسّع دائرة

"التخلّف" عندهم لتشمل ليس الحاضر فحسب، بل أيضاً البديل المستقبلي الذي يطلبون حسب محمد عابد الجابري؟.

لا أدري إذا كان مثل هذا النقد موجّها لي أم لا. لكن إذا كان المقصود أننا لا نستطيع أن نعيد تأسيس المجال السياسي في الفكر العربي ما لم نقم بقطيعة كاملة مع الفكر الغربي، وننطلق من تراثنا الفكري والتاريخي وحده، فأنا بالتأكيد لست من هذا الرأي. لا أعني بذلك التسليم بكونية إنسانية مجرّدة منفصلة عن سياقاتها التاريخية والثقافية. فلا ننازع أيّ شعب في ثقافته وامتلاكه تاريخ تحوّله الخاصّ الذي له معنى وأثر في رسم مستقبله الفكري والسياسي من دون شكّ. لكن رفض الكونية المجردة المختلطة بالمركزية الأوروبية لا ينبغي أن يدفعنا إلى الوقوع في نسبية مجردة وكونية أيضا، أي في الاعتقاد بأنّ ثقافات الشعوب الخاصة وتجاربها التاريخية تعيش في عوالم منفصلة بعضها عن بعض، أو أنّها أفلاك قائمة بذاتها لا تواصل بينها ولا تبادل ولا تأثّر ولا تأثير.

موقفي يقع بين الاثنين. فأنا أعتقد أنه لا يوجد تاريخ لأيّ أمّة من الأمم لم يمتزج بالتاريخ العام للحضارة ويأخذ منه ويعطيه. وبالمثل ليس هناك تاريخ عام للحضارة مستقلّ تماما عن مجموع تواريخ الأمم والثقافات والتجارب الجمعية الخاصة. التاريخ العامّ هو ثمرة تفاعل الثقافات والجماعات البشرية كافة، وتلاقي إبداعاتها النظرية والعملية. والتاريخ الخاص بكل جماعة هو ثمرة التفاعل بين البيئة والمعطيات والموارد الداخلية المادية وغير المادية لشعب من الشعوب مع التاريخ العام للحضارة بوصفه المخزون المشترك للبشرية. من دون هذا التفاعل ليس هناك تاريخ خاص وإنما عزلة مطلقة تحول دون أيّ تطور أو تواصل بين الجماعات الإنسانية، وتمنع الحديث عن أي حضارة أو مشترك إنساني. وبالمثل من دون الحدّ الأدنى من الموارد الخاصة والذاتية التي تنفرد بها الشعوب وتميزها عن غيرها، لا تكون هناك أي استقلالية للتجارب الخاصة، ولا مساهمات إبداعية، وبالتالي لن يكون هناك تاريخ عام للحضارة ولا حضارة إنسانية مشتركة.
في إطار الفكر كما هو الحال في إطار التقدم التقني، ليس للمكتسبات والإبداعات الإنسانية وطن نهائي. فهي تأخذ بعد ميلادها طريقها للانتشار والتعميم. هذا ما حصل على صعيد التقنية الزراعية والصناعية والحربية، وما يحصل على صعيد النظم الدينية والفلسفية والأخلاقية أيضا. وهذا ما يجعلنا في الشرق والغرب نفهم بعضنا ونتناقش حول المستقبل ونقبل المقارنة بين النظريات والأفكار والقيم الخاصة والعامة.
لو نظر العرب المسلمون إلى تراث اليونان الفلسفي على أنه خاص باليونانيين، ونظر الغرب إلى التراث العلمي العربي على أنه خاص بالعرب، لما تطورت الفلسفة ولا ارتقى التفكير العلمي ولا تقدمت الحضارة. ليست المشكلة في اقتباس المفاهيم ولا في التعامل مع ما يرد علينا من مجتمعات أخرى من مكتسبات وإبداعات فكرية أو تقنية مادية. المشكلة في منهج التعامل معها: الاقتداء أو الأخذ بها من دون مناقشة، أو التفاعل معها كمنتجات للعقل وإخضاعها للنقد والتساؤل. فالاقتداء يعني نسخ ثمرات تجربة جاهزة، ولا يمكن إلا أن يقود إلى معرفة خاطئة. وبالعكس، عندما نبدأ بنقد المفاهيم التي ترتبط بمعرفة تاريخية محددة فنحن لا نقتبس تجربة ولا نقلد نموذجا جاهزا، ولكننا ننتزع ما هو ايجابي في التجربة، أي الأدوات الفكرية الأساسية، ونعيد إنتاجها لاستخدامها في تجربة جديدة تكون هي نفسها مناسبة لإعادة بناء هذه المفاهيم وتجديد معانيها. وهذا هو أصل أي إبداع في التاريخ. غير ذلك يعني أنّ على أيّ مجتمع أن يعيد اختراع كلّ ما أنجزته المجتمعات السباقة في هذا الميدان أو ذاك. وهذا كما هو واضح عبث فكريّ. ولا معنى للعلم بالمفهوم الحديث إن لم تكن المعرفة المتحصلة منه قابلة للمحاكمة العقلية في كل مكان، بصرف النظر عن المجتمعات التي أنتجتها والثقافات التي احتضنتها. والشعوب تنفق أموالا طائلة لاكتساب العلم الذي لا تنظر إليه كخصوصية ثقافية ولا كمفاهيم أو منظومات مفهومية مستوردة. وأستبعد أن يكون محمد عابد الجابري قد قال مثل هذا الكلام عنّي أو عن أيّ شخص آخر. وأستغرب أن تعمّم مثل هذه الأفكار التي تدعو إلى الانطواء على النفس والتراث، في وقت جعل تقدم العلم والتقنية فيه مسألة الاندماج العالمي واقعا حيّا أكثر من أيّ حقبة سابقة.

اعتبرتم في كتابكم نقد السياسة أنّ الدين أسّس للنموذج الأوّل من الاجتماع المدنيّ البشري في حين كان نموذج المواطنة النموذج الثاني، ولا يخفى عليكم ما يحمله هذا الحكم من "إقصاء" ضمنيّ للمحكوم عليه(الدين هنا) من دائرة فعل الاجتماع المدني، ألا ترى أنّ هذا الحكم من شأنه أن يعيد تأسيس وعي الشقاق الذي جهدتم أن تحاربوه؟

أبدا. القول إنّ الأديان قد أسّست لرابطة جمعية قائمة على مفهوم الأخوّة بما تعنيه من علاقة حميمية بين الأفراد تدفعهم إلى التكافل والتضامن والتعاون، وأنّ الدولة الحديثة قد أسست لرابطة سياسية قائمة على فكرة المواطنة التي تعني حرية الأفراد واستقلالهم وخضوعهم بالتساوي إلى قانون واحد وتعاونهم ضمن إطار القانون على تحقيق مصالحهم الخاصة والعامة، لا يقلّل من شأن الاجتماع الديني، ولا يزيد من قيمة الاجتماع السياسي. نحن أمام نمطين للترابط الاجتماعي حصلا عبر التاريخ. وبعكس ما يوحي به السؤال، يلعب الدين اليوم دورا كبيرا في المجتمعات المدنية الحديثة التي أنتجها نموذج الدولة السياسية. فهو في البلاد العربية والإسلامية أكبر محرّك لعالم الجمعيات الخيرية وشبكات التضامن والتعاون بين الأفراد. وممّا يزيد من حيويته في هذا المجال هو غياب الدولة أو وجود الدول الضعيفة وغير المكتملة وعجزها عن الوفاء بالتزاماتها في ميدان التكافل الاجتماعي.
إذن، ليس المقصود من الحديث عن نموذج الرابطة الأخوية والرابطة السياسية إقصاء الدين من دوره الاجتماعي المدني، وإنما الإشارة إلى أن الدول، أو الاجتماعات السياسية، لا يمكن أن تبنى على مفهوم الأخوة والشريعة الدينية، وإنما هي بحاجة إلى مفهوم المواطنة الذي يعني المشاركة الفردية في اتخاذ القرارات الجمعية، وهي التي تفترض وجود الحريات الأساسية الضرورية لضمان استقلال الفرد وتكوينه الفكري والأخلاقي وإمكانية الاختيار. التصور الديني للأخوة يؤسس لجماعات قوية متماسكة ومتضامنة، وهي جماعات المؤمنين، وهذا لا يمنعه من تأسيس دول إمبراطورية وسلطنات كما حصل في الماضي، لكن لا لدولة مواطنين. وهو لا يزال مصدرا أساسيا لروح الأخوة الضرورية لقيام المؤسسات المدنية التكافلية والتضامنية.

لو أعدنا صياغة السؤال بشكل آخر كيف ترون التوفيق بين ما ذهبتم إليه من أن الدين يظل مهما بلغت أهمية الدولة المقر الحقيقي والأكبر للسياسة. وبين اعتباره "إطارا إيمانيا يعكس توجها روحيا وأخلاقيا أساسه التضحية والتكافل والغيرية وإجهاد النفس والتسامح والتسامي عن الحاجات المادية والاهتمام بالحاجات الروحية"

هنا ينبغي التفريق بين السياسة والدولة. فالدولة التي هي مجموعة من المؤسسات المحكومة بقواعد عمل وأصول إجرائية ومبادئ ومهام قانونية وإدارية ورمزية، لا تتطابق مع السياسة التي تتشكل على صعيد المجتمع من الغايات والقيم والتوجهات والمطالب والتيارات والقوى الاجتماعية المتنازعة والمتآلفة لتحقيق مصالح جزئية وكلية معا. فهي تتبلور أساسا، من حيث التطلعات والتوجهات والبرامج والتكتلات على مستوى المجتمع لا داخل الدولة. ولا يحصل ذلك في الفراغ ولكن في بيئة دينية وثقافية واجتماعية. فالسياسة لا يمكن إلا أن تعكس قيم المجتمعات وآمالها وأحلامها ومصالحها. فهي بالضرورة اجتماعية وتعددية. ولا يمكن للدين الذي يطبع نفسية الأفراد وسلوكهم وتربيتهم في المجتمعات العربية إلا أن يعبر عن نفسه في السياسة ويطبع تظاهراتها الفكرية والمادية. لكن الأمر ليس مطلقا ولا يمكن تعميمه على جميع الحقب والمجتمعات، اللهم إلا إذا فهمنا من مصطلح الدين ما يدين به مجتمع من المجتمعات من مبادئ وقيم وأفكار.

لماذا اقتصرت على الخطاب الإسلامي المتنوع في تحديدك لعوامل التشويش على وعي الأزمة وبشكل خاص على بلورة فكر واقعي وعملي تاريخي للخروج منها ، هل يشكل ذلك "تراجعا" منكم عن نقدكم الشديد للعلمانية الذي لاقى رفضا كبيرا في أوساط المفكرين العلمانيين؟

لم أفهم تماما ماذا تقصد بهذا السؤال. لم أغيّر من نقدي لنمط من العلمانية طرح نفسه بديلا عن الدين أو منافسا له. ولا علاقة لهذا النقد بالموقف من الحركات الإسلامية أو الخطاب الإسلامي، على مختلف أنواعه. فأنا انتقدت أيضا في الكتاب نفسه الذي تشير إليه، نقد السياسة: الدولة والدين، مفهوم الدولة الإسلامية الذي يجمع بين أصحاب الخطاب الإسلامي كما انتقدت خطاب العلمانية الذي يطالب بإقصاء التيارات الإسلامية وقمعها في إطار تحقيق فصل الدولة عن الدين. وقلت إن العلمانية تعني فصل الدين عن السياسة في الدولة، حتى يضمن حياديتها تجاه الأفراد بصرف النظر عن اعتقاداتهم، وليس تجفيف ينابيع الإيمان في المجتمع.

يبرز تحديدكم لمفهوم التعاقد في كتاب نقد السياسة تجاوزا لمفهوم العلاقة بين الإرادة الفردية والإرادة العامة للمواطنين كما تقول به نظريات العقد الاجتماعي ليرسم مقاربة تعتبر التعاقد تحالفا وتضامنا بين أناس أحرار دون تمييز بينهم على مستوى درجة إيمانهم. غير أن هذا التعريف مثير للتساؤل على الأقل من جهة إمكان تحققه باعتبار أنكم أوكلتم تحققه إلى الدولة مراهنين على عقلانيتها وهنا يبرز الإشكال من جهتين أولا من جهة الإقرار بمصدر خارجي للتعاقد (الدولة)، وهو ما يناقض جوهر التعريف الذي قدمتموه للمفهوم كتحالف بين أناس أحرار، الوجه الثاني للإشكال تثيره المراهنة على عقلانية الدولة إذ هو أمر يبقى في حدود الإمكان النظري إن لم يتجاوزه إلى التهويم الخيالي، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار تاريخ علاقة "الأفراد الأحرار" المفترضين بقيام التعاقد مع الدولة، هذا التاريخ الذي سجل مشاهد كبيرة وممتدة في الزمن من حالات الانحراف عن هذه العقلانية. فالإشكال هنا يتمحور حول الضمانات المفترض وجودها لتلتزم الدولة بعقلانيتها أو تمتنع عن الانحراف عنها وهي مسألة لم تفصلوا فيها القول بغير بعض المحددات النظرية؟

التحالف بين أفراد أحرار هو السياسة التي تجد تجسيدها في دولة المواطنين الأحرار، أو دولة الحرية. فالدولة التي تنتج عن تعاقد رجال أحرار هي دولتهم وليست أداة غربية خارجية مفروضة عليهم. إذ لا توجد خارج هذا التعاقد القائم بينهم. وهذا لا يمنع أن تصبح الضامن لحرياتهم والكافل لتعاقدهم. فهي تجسد إرادة التعاقد هذا وغايتها العمل على إعادة إنتاجه. من هنا ليس هناك تناقض بين الدولة الحرة أو الدولة الديمقراطية والمجتمع المكون من مواطنين أحرار. فهي تابعة له، وهو مرتبط بها بوصفها إطار تعاقده وتنظيم أمر هذا التعاقد.
وبالمثل لأن الدولة لا توجد خارج هذا العقد، وهي تتويج له، فليس لها عقلانية خاصة بها. إن عقلانيتها تابعة للمجتمع التعاقدي الذي أسسها. لا يعني هذا أن منطق الدولة يتطابق تماما مع منطق المجتمع التعاقدي. لكن لحل النزاع المحتمل بين منطق الدولة ومنطق المجتمع مرجعية واضحة، هي المجتمع التعاقدي نفسه. فهو صاحب السيادة في التحليل الأخير، وهو الذي يقرر مدى الاستقلالية التي يمكن أن تتمتع بها الدولة بوصفها مؤسسة عالمية محكومة بقوانين عمل تخضع لنظام عالمي تختلف عن قوانين عمل المجتمع مأخوذا كأفراد مواطنين أو مجموعات مصالح خاصة.
----

* عن موقع الأوان الالكتروني.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق