الشيخي: الوسطية منهج فكري يتجاوز الدين
حوار/ إسلام عبد العزيز فرحات
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2010/05/29
التعليقات: 0 - القراءات: 4697

الوسطية في هذا الحوار تأخذ تصورًا جديدًا وبعدًا آخر ينطلق متجاوزًا الإطار الفقهي والعقائدي، لتصبح منهج حياة يجب أن توجد في القاع الفكري لكل إنسان مكونة الأساس في أي نشاط تقوم به البشرية.

الوسطية في هذا الحوار تأخذ تصورًا جديدًا وبعدًا آخر ينطلق متجاوزًا الإطار الفقهي والعقائدي، لتصبح منهج حياة يجب أن توجد في القاع الفكري لكل إنسان مكونة الأساس في أي نشاط تقوم به البشرية.
هذا التصور يراه الشيخ سالم الشيخي -عضو المجلس الأوروبي للإفتاء- قاعدة كبرى تتشعب منها جزئيات كثيرة لتغطي جميع مجالات الحياة، غير أنها قد توظف سياسيًّا بشكل خاطئ إذا تجاوزت معنى التوافق مع الآخر، لتصل إلى الانصياع للإملاءات الغربية التي تكون في كثر من الأحيان ضد الإسلام والمسلمين. حوار الشيخي يؤصل بشكل منهجي لمفهوم الوسطية التي أنتجها الإسلام وهذبها وصاغها لتحقيق سعادة البشرية، بحسبانها محور ارتكاز في شهود الأمة الإسلامية الحضاري على الأمم الأخرى.
وفيما يلي نص الحوار:

الوسطية مفهوم كثر استخدامه في هذه الأيام وأنشئت من أجله مراكز وأطلقت باسمه صحف وقنوات ومؤسسات، فكيف ترون هذا المفهوم من وجهة نظركم؟

نريد أولا قبل الدخول للمفهوم أن نضع الوسطية في محلها الصحيح في باب الإدراك أو باب ترتيب المسار الفكري للإنسان، فكل إنسان لديه قاع فكري معين يمثل مستويات التفكير البدائية والدنيا عنده، والوسطية ينبغي أن تكون موجودة في ذلك القاع الفكري.
الوسطية صفة في منهج هذا القاع تنبثق عنها كل تصرفات الإنسان، وهي قبل أن تكون قولا في مسائل الفقه والاعتقاد والسياسة، فهي منهج حياة، وهي مهيمنة على سلوك الإنسان وأفكاره ونظرته إلى حياته.
الوسطية ليست قولا فقهيًّا بين من يحرم ومن يجيز.. الوسطية ليست قولا سياسيا بين من يرفض ومن يقبل.. يجب أن توضع هذه القضية المنهجية المركبة في محلها الصحيح في ذهن العقلية المسلمة.
أنا ذكرت في بحث سميته "الخصائص المنهجية للإمام القرضاوي"، أن الإمام -حفظه الله- استطاع أن يأتي إلى قاع التفكير عند المجتهدين وعند الأصوليين، وحلل هذا القاع بأنه يحتوي على منظومة من القضايا المنهجية من الوسطية والشمولية والتدرج، وهذا هو ما يطلقون عليه في علم التخطيط الإستراتيجي "الميتاستراتيجيكا".
ولنضرب مثالا بالانتخابات الأمريكية الأخيرة والتي كان العالم يترقبها، إن أي رئيس أمريكي قادم إلى البيت الأبيض ستحكمه مبادئ محددة تحتل قاع تفكيره "ميتاستراتيجيكا" وأهم تلك المبادئ أن لما يسمى بإسرائيل الحق الكامل في احتلال أرض فلسطين.
وبناء على هذا فإن كل القرارات التي ستصدر عن الحكومة الأمريكية القادمة لا يمكن أن تخرج عن هذا البعد في التفكيري، لن ننتظر قرارًا من باراك أوباما أو غيره اختلافا مع هذا البعد؛ لأنه سيظل ملتزمًا بتلك المبادئ التي تقبع في قاع تفكيره مهما كانت الظروف.
ولك أن تتصور أيضًا أن كثيرًا من الغربيين والأمريكيين يتصورون في قاع تفكيرهم أن الإسلام يحمل في طياته الخطورة على الوجود الغربي والحضارة الإنسانية، وعلى هذا الأساس أيضًا لا يمكن أن تنتظر منهم موقفًا يختلف مع تلك القضية الموجودة في قاع تفكيرهم.

القاع الفكري 

هل نفهم من هذا أن أي محاولة لتغيير أو تصحيح أفكار الآخرين مستحيلة مادامت مستقرة عندهم في قاع التفكير؟

الإجابة سأستمدها من رحم سؤالك، لا يمكن أن تصحح مفاهيم إنسان أو تغير أفكاره إلا إذا توجهت إلى قاع التفكير الخاص به، والأمثلة على ذلك كثيرة من فترات التاريخ الإسلامي التي خرج فيها البعض عن مسار الأمة ولم ينجح أحد في كبح جماحهم إلا عندما حاول الوصول إلى قاع تفكيرهم.
الوصول إلى قاع التفكير يغير المرجعيات والمنطلقات، ولذلك فإن الوسطية كمفهوم هو في غاية الأهمية، إذا كانت فعلا ستتوجه إلى قاع التفكير، بغض النظر عن الجدل الكبير حولها وإنشاء مؤسسات من أجلها، كل هذا لن يكون ذا فائدة إذا لم نصل بالوسطية لتستقر في قاع تفكير الناس.
أما اختزال الوسطية لتكون في مجالات الاختلافات الفقهية ما بين محرم ومجيز فهو اجتزاء لها يظلمها كمفهوم واسع، لذلك قلت إن الشيخ القرضاوي لم يعمل على تغيير نمط مفردات التفكير الفقهي بل سعى إلى تغيير المنهجية داخل قاع التفكير.
الذي أقصده هو أن تتحول الوسطية لحالة إنسانية عامة مستقرة في التفكير الوجداني العميق، قبل أن تكون في الفقه ومسائل الاعتقاد، وحينها لن يكون تطبيقها صعبًا بأي حال من الأحوال.

بعيدا عن التنظير إذن مع أهميته.. هل هناك آليات يمكن عن طريقها أن يتحول تصور الوسطية إلى مبدأ مغروس في عقول النخبة المسلمة؟

الحل هو أن تتحول الوسطية في دراساتنا الفقهية إلى منهج يجب أن يعيه الفقيه أو المفتي قبل أن نطلق عليه مجتهدًا، فإدراك معنى الوسطية والتيسير يسبق الاجتهاد، وهو أول مبادئه، ويجب أن يكون إدراك معنى الوسطية من أول شروط الاجتهاد.
وإذا كان الفقيه غير مستبطن لنهج الوسطية ومستوعبًا له فستكون فتاواه كلها إبحارًا في التقليد، ولن يأتي بجديد، ولنا في الإمام الشاطبي رحمه الله خير مثال، حيث جعل "فهم مقاصد الشريعة فهمًا صحيحًا" شرطا أساسيا من شروط الاجتهاد.
وهو ما أكده شيخنا القرضاوي مشددا على أهمية أن يستبطن المفتي مبادئ الوسطية والتيسير كمنهج وليست فكرة، حتى لا تخرج فتاواه عن إطارهما، وبالتالي لا تصلح للتطبيق في الواقع.

الوسطية.. إنتاج إسلامي

بهذا المعنى، هل نعتبر الوسطية اتجاها إنسانيا هذبه الإسلام ورعاه، أم أنها ليست إنتاجا إسلاميا صرفا؟

هي بالفعل إنتاج إسلامي، فالإنسان بفطرته مجبول على العجلة والتطرف والجنوح، والله تعالى يقول: "وخلق الإنسان عجولا"، وتأتي الوسطية لتهذب هذه الفطرة وتوجهها نحو الطريق الصحيح.
وهنا أؤكد أن الوسطية إذا دخلت قاع تفكير الإنسان ضبطت سلوكه وتفكيره، ليكون تفكيرًا صحيحًا بإذن الله؛ لذلك أتمنى أن نركز جهودنا على محاولة ترسيخ مبدأ الوسطية عبر الاستفادة من النصوص الكثيرة، والتطبيقات العملية من الهدي النبوي العام، حتى يكون الإنسان وسطيًّا في مواقفه وآرائه وأفكاره وتصرفاته.

هناك من يفسر الوسطية في الآية "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا.." بأنها هي العدل، ويؤكدون أن هذا المعنى هو الذي جعل الأمة المسلمة شاهدة على الناس؟

الرؤية القرآنية عندما تحدثت عن الأمة الوسطية بغض النظر عن التفسيرات؛ لأن الوسط في الآية: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" قالوا عدلا بغض النظر عن التفسير هو جعلها سببا في الشهادة على الناس بمعنى أنها تؤكد أن على الأمة المسلمة واجبات وهى أمة وسطية..
أتصور أن الله عز وجل قد جعل حدًّا لكل أمة في تشريعاتها بما يكفل مصلحة عقول أبنائها وأبدانهم، وما من نبي إلا وقد جاء بمضامين الدين الأساسية التي تراعي تلك المصالح، وكانت هناك ظروف متباينة وأمم مختلفة.
وعلى سبيل المثال كانت هناك أغلال وتشديد في بعض التشريعات على بني إسرائيل نظرًا لطبائع تعود إليهم، منها بعدهم الشديد عن تصور الوسطية، ثم جاء عيسى ابن مريم -عليه السلام- ليخفف من وطأة تلك الأغلال، ثم جاء النبي الخاتم محمد -صلى الله عليه وسلم- وجعل الله له شريعة لا تحتاج إلى نبي آخر ليضيف إليها أو يحذف منها، فوضع الله بذلك الإصر والأغلال.
لذلك فشريعتنا صريحة وواضحة لآخر الزمان، وهي وسط تتحمل أن تكون منهجًا لأي إنسان في أي زمان ومكان، والأمة إذا تمثلت هذا المنهج فستكون وسطا بين الأمم.
فنحن في الاعتقاد في الله وسط، ونحن في الاعتقاد في الملائكة أيضًا وسط بين من يعبدهم وبين من يسبهم، ونحن في الاعتقاد في الأنبياء وسط بين من يعبدهم وبين من ينكرهم.. ونحن في قضايا الدين في الصلاة وسط وفي الصيام وسط.
فالأمة إذن لو التزمت وسطيتها لمثلت الوسطية حقيقة واقعية، وبالتالي نصل إلى الشهود الحضاري على الأمم، وانظر إلى العلاقات الدولية.

التوظيف السياسي

سياسيًّا هناك الآن كثير من الأنظمة تنتهج مناهج تدعي أنها وسطية ومعتدلة، برغم أنها قد تكون مستقاة من العلمانية أو الصهيونية؟

هذه هي إحدى القضايا التي تهدد مفهوم الوسطية اليوم وهي (التوظيف السياسي)، فالبعض اليوم يظن أن الوسطية هي الأخذ بالقول الأيسر ولو كان أضعف، والبعض الآخر يظن أنها التكيف مع أي وضع من الأوضاع، وإن كانت هذه الأوضاع مذلة للمسلمين.
والبعض يرى الوسطية أن تكون لك صلة توافق بالأوضاع العالمية، تتعرف بالكيان الصهيوني وتتعرف بالاحتلال الأمريكي، تتعامل بيسر وسهولة في القضايا الاقتصادية وتفتح الأبواب!!!.. فهذه ليست هي الوسطية.. الوسطية قد ينتج عنها موقف متشدد في منظور الآخرين.
الوسطية السياسية لا تعني الأخذ بالأضعف ولا الرضوخ للإملاءات العالمية ولا المسير أو الدوران في فلك الغرب.. الوسطية هي الاستقلال السياسي، هي الاعتزاز بالقيم الإسلامية السياسية، هي قول الحق، هي ألا نعين على مظلوم، هي أن نقول للظالم أنت ظالم، هذه هي الوسطية وهذا هو الاعتدال.

أفهم من كلامك أن الوسطية لا يمكن قياسها بشكل دقيق ولا تخضع لقاعدة محددة؛ لأنها في الأساس منطلق لكل القواعد، كيف يتماشى هذا مع ما فعله الشيخ القرضاوي الذي وضع قواعد للوسطية ومبادئ لقياسها وصل عددها إلى عشرين قاعدة؟

أنا أعتبر أن ما فعله الشيخ القرضاوي نوع من محاولة المعرفة العامة للوسطية وسماتها، لكن الوسطية قطعًا أوسع من هذا بكثير، وتتشعب جزئياتها لتكون منهج حياة بالكامل.

لو تحدثنا عن الوسطية في الموضوع الاقتصادي لطال بنا الحديث، وإذا تحدثت عن الوسطية الأخلاقية لما انتهى بك البحث، بعض البحوث التي تقدمت للدراسات العليا كانت تتحدث عن الوسطية في الاعتقاد، وبلغ بعضها أكثر من ثلاثة مجلدات تحوي مئات القواعد التي تمثل الوسطية في الحياة.
الوسطية إذن هي قيمة ضخمة لها قواعد كلية وينتج عنها قواعد جزئية كثيرة، وكلها من شجرة واحدة، ومنطق واحد يقبع في قاع التفكير كما قلت سابقًا.

-----

* عن مدارك.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق