حوار فلسفي مع الدكتور محدد الجديدي
كتبه: المحرر
حرر في: 2011/12/21
التعليقات: 0 - القراءات: 3302

محمد جديدي، أستاذ وباحث بقسم الفلسفة جامعة منتوري قسنطينة (الجزائر)، مهتم بمسائل الفلسفة المعاصرة وانشغالاتها في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة ومنها ما بعد الحداثة، البيوإيطيقا والإيكولوجيا، الترجمة والتثاقف وغيرها من المسائل التي تعد من معضلات وحقول الفلسفة الحالية

محمد جديدي، أستاذ وباحث بقسم الفلسفة جامعة منتوري قسنطينة (الجزائر)، مهتم بمسائل الفلسفة المعاصرة وانشغالاتها في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة ومنها ما بعد الحداثة، البيوإيطيقا والإيكولوجيا، الترجمة والتثاقف وغيرها من المسائل التي تعد من معضلات وحقول الفلسفة الحالية.
*باعتبارك من الباحثين في الفكر الفلسفي ما هو رأيك في المشاريع الفلسفية المطروحة ( الجابري وأركون وطه عبد الرحمن..)؟
الفكر الفلسفي العربي عرف محاولات جادة – مشرقا ومغربا- لم تكتب وتنشر أفكارا فلسفية بلغة عربية فقط بل بتفكير وفي واقع عربي حتى وإن عاب عليها بعض من النقاد لجوءها إلى منهجيات أجنبية واصطناعها آليات دراسية غربية إلا أنها تمكنت – حسب رأيي- من طرح سؤال الهوية (هوية الفكر الفلسفي العربي الراهن) ومكانته ضمن مسارات فلسفية أخرى وأخرجت هذا الهاجس إلى حيز الوجود. يكفي هذه المشاريع الجريئة فخرا أنها بعثت هوية فكر من مرحلة تراثية ماضية إلى مرحلة حداثية، تريد أن تعيش حاضر العولمة والانخراط فيها دون الانغماس أو التفرج على منجزاتها. هذه المشاريع كانت مسكونة بهاجس الإبداع وليس مجرد التميز والاختلاف عن ثقافات أخرى بل كانت على وعي كبير بأهمية التأصيل بدءا من لغة الفكر العربي إلى مشكلاته الأنطولوجية والسياسية ومن دون التفريط في مفردات اللغة الفلسفية الكونية.
*هناك الكثير من المفكرين العرب يهتمون بفلاسفة الاختلاف. أين موقع فلاسفة الحداثة في المشهد الفلسفي العربي أمثال هابرماس؟
ليس وحده هابرماس من حاز على موقع خاص في المشهد الفلسفي العربي بما أنه عرف حضورا متميزا على مستوى ترجمة أعماله – شأنه في ذلك شأن فلاسفة مدرسة فرانكفورت – وإنما أيضا لأنه حظي بنصيب وافر من البحوث والدراسات الأكاديمية التي قدمت حول فلسفته خصوصا في جامعات المغرب العربي وإنما نجد لفلاسفة ما بعد الحداثة أيضا حضورا قويا في المشهد ذاته ويكفي أن نذكر اسم الفيلسوف جاك دريدا أو ميشال فوكو، أتصور أن قائمة طويلة يمكن أن تضم أسماء غربيين حداثيين أو ما بعد حداثيين من فلاسفة التنوع والاختلاف تعج بهم الساحة الفكرية العربية وأرى أن هذا الأمر مرتبط بالاحتكاك بالفلسفات الغربية الذي تم في بداية القرن العشرين واستمر إلى غاية منتصفه وأخذ شكلا مذهبيا مدرسيا بحيث كان تأثر المفكرين العرب آنذاك بتيارات بعينها كالوجودية والماركسية والوضعية والبنيوية غير أن هذا الاحتكاك انتقل ومنذ ستينيات القرن الماضي وبفعل الأزمات الفكرية وردود الفعل التي صاحبتها في الغرب في بروز حركات التمرد والتحرر من قيود العقلانيات المفرطة وانتكاسة الإيديولوجيات الجماعية المحررة، فتحول الـتأثير إلى نطاق فردي، منهجي. وهكذا شاع هذا الحضور للفعل التواصلي أو التداولي أو التأويلي أو السياسي ضمن خارطة الفكر العربي الجديد.
* بدأت الإنتاجات الفلسفية في الجزائر تزدهر , لماذا تأخرت الكتابات الفلسفية بالجزائر مقارنة بالمغرب وتونس؟
نسبيا هذا الأمر صحيح وله أسبابه التي يمكن أن تلخص في قطيعة على ثلاث مستويات: أولا قطيعة اللغة حيث أن الازدواج اللغوي لم يكن ينظر إليه بنفس النظرة الموجودة في المغرب أو في تونس باعتباره عامل أساسي للتثاقف والتواصل الفلسفي بين الداخل والخارج. فقد بقي الصراع محتدما بين ايديولوجيا تمجد التعريب وأخرى لا تثمن إلا الفرنسة ووسط هذا الصراع ضاعت الكتابة الفلسفية بل إن بعض الأقلام الفلسفية شغلت نفسها بهذه المشكلة ونسيت الهاجس الفلسفي الأهم.
ثانيا: قطيعة التجايل الفلسفي أي وجود هوة بين جيل أول من الباحثين والأساتذة الذين وجهوا عنايتهم للدين وبمعنى أكثر موضوعية في الاشتغال بالفلسفة الإسلامية من دون أن يكون لإنتاجهم أثر مهم على واقع الثقافة الجزائرية وعدم تواصلهم الفلسفي مع الجيل اللاحق بما فيه الكفاية حتى يمكنوه من الاستمرار ومواصلة النشاط الفلسفي تدريسا وبحثا. ثالثا: قطيعة تداخل الحقول المعرفية ومحاولة الهيمنة لحقل معين خدمة لمصالح آنية أو إيديولوجية وتتمثل هذه القطيعة في مزاحمة حقول التاريخ والأدب للفلسفة مع تهميش هذه الأخيرة واستبعادها من دائرة التأثير والنفوذ الثقافي لئلا تمارس دورها النقدي في الفكر والواقع.
هذه القطيعات في واقع الحال كرست جمود الكتابة الفلسفية ولا أقول انعدامها لأنها بقيت موجودة منذ الجيل الأول للباحثين والأساتذة بعيد الاستقلال أي في نهاية الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وهي الآن تنتعش وتحاول تجاوز تلك القطيعات للمساهمة في تقديم ثقافة فلسفية جزائرية كمثيلتها التونسية والمغربية.
* كما تعرف فقدت الساحة العربية والمغربية الكثير من رموز البحث الجامعي في مجال الفلسفة : محمد عابد الجابري ، محمد أركون، فؤاد زكرياء،عبد الرحمان بدوي ، لكن هناك من الباحثين الشباب من يحاول أن يكمل المسير، وهل من تفاؤل بمستقبل البحث الفلسفي؟
من الصحيح أنه من الصعب تعويض تلك القامات الكبيرة في ميدان البحث الفلسفي سيما هؤلاء الذين افتقدناهم دفعة واحدة كالجابري وأركون فؤاد زكريا وبدوي وكأنهم اتفقوا على موعد واحد للرحيل بل وأيضا أولئك الذين رحلوا قبلهم من ذوي الكتابات الفلسفية الرفيعة والمميزة لكنني متفائل بمن تبقى من الأعلام الذين ينشطون على الساحة الفلسفية العربية الحالية بحثا ونقدا وتدريسا ومنهم على سبيال المثال لا الحصر فتحي التريكي في تونس طه عبد الرحمن بالمغرب وحسن حنفي بمصر وطيب تيزيني بسوريا وعلي حرب بلبنان وأملنا كبير في جيل جديد من الشباب واع بمهمته الفلسفية وتطلعاته اللامتناهية للعب دور أساسي في مستوى كونية الفلسفية.
*· س: هناك الكثير من مراكز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، في المقابل لا نجد مراكز مختصة في الفلسفة. إلى ما ذا تعزو في نظرك هذا الغياب
يرجع هذا الأمر في نظري إلى عاملين:
أولا: النظرة السلبية إلى الفلسفة من قبل الهيئات والسلطات القائمة على مراكز بحوث مختصة كأن تكون في علوم اجتماعية أو إنسانية وكأني بهؤلاء يسايرون العامة بما يشاع عن الفلسفة من إلحاد ومعاداة للدين يكفي أن نذكر في هذا الصدد أن بعض البلدان العربية لا تدرس بها الفلسفة .
ثانيا: جزء من وضع الفلسفة في العالم العربي يتحمله المتفلسفة أو المشتغلين بالفلسفة في وطننا العربي الذين لم يعملوا بما فيه الكفاية لتصحيح النظرة سالفة الذكر والتي لصقت بتراثنا منذ نكبة بن رشد ثم إنهم لم يغتنموا فرص التلاقي مع العلوم الاجتماعية والاستفادة من حياة جديدة للفلسفة كما فعل مثلا فلاسفة فرانكفورت الذين وضعوا هذه العلاقة بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية هدفا لمشروعهم الفكري.
بيد أن هذا الوضع قابل للاستدراك وبالإمكان تحقيق وإنجاز مراكز فلسفية مختصة إن تمكنت أقلام الفكر العربي مشرقه ومغربه من التعاون والتبادل في سبيل ذلك بفضل العمل الجماعي ولكن من دون أن يعني ذلك قيام فلسفة مبدعة تأسيسيا وقوية فكريا قادرة على مجابهة الطروحات الأخرى والتحاور معها – حتى وإن حصل يكون في حدود نسبية مرهونة بالعقل الفردي المبدع – إنما فائدة هذه المراكز أنها توفر الإطار المناسب والمحفز على مواصلة النشاط والتواصل الفلسفيين.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق