حوار ...د. السيف: فقد الدِين وظيفته الاجتماعية لأنه أصبح حكرا على طبقة خاصة‎
حاورته/ أمل زاهد - مجلة الآطام- العدد 31
كتبه: إدارة التحرير
حرر في: 2012/01/06
التعليقات: 0 - القراءات: 2530

تحدثه فيجيبك بتواضع جم وتسأله وتحاوره فيفتح لك فضاءات أوسع وأحيازا بلا مدى أو حدود ، تتفجر الأسئلة من رحم الأسئلة .. وتتناسل من عمق إشكالات كانت ولازالت تتردد حائرة في مشهدنا الثقافي . ولابد أن تأجج إجاباته عقلك وتستفزه للمزيد من التساؤلات ، فهذا الرجل يهجس بالنهضة وتسكن داخله تلك الرغبة الصادقة في التغيير


تحدثه فيجيبك بتواضع جم وتسأله وتحاوره فيفتح لك فضاءات أوسع وأحيازا بلا مدى أو حدود ، تتفجر الأسئلة من رحم الأسئلة .. وتتناسل من عمق إشكالات كانت ولازالت تتردد حائرة في مشهدنا الثقافي . ولابد أن تأجج إجاباته عقلك وتستفزه للمزيد من التساؤلات ، فهذا الرجل يهجس بالنهضة وتسكن داخله تلك الرغبة الصادقة في التغيير ، وفي إعادة روحية النهضة وقلبها النابض لهذه الأمة الساكنة النائمة في رحم عادات وأعراف التبست بالدين وتسلقت على أصوله ، فتتوارى الأصول وراء الحواشي والجوهر خلف القشور كما يرى ضيفنا الدكتور توفيق السيف .. حاورته الآطام فكان هذا اللقاء

1- من سالف الأزمان كانت علاقة المثقف بالسلطة علاقة شائكة ، فهو إما متمرد عليها رافض لها ، وإما مثقف مدجن طوعا أو قسرا .. هل دجن توفيق السيف ؟

** اجاب على هذا السؤال شاعر قديم :
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
الناس ترغب في السلطة وترغب في الاقتراب من اهل السلطة ، ويتهم الناس بعضهم بالتملق للسلطان. جدلية الاقتراب والابتعاد تدور اساسا حول امكانية المحافظة على استقلال الراي وحرية التفكير والتعبير . اذا قدرت على حفظ حريتك واستقلال رايك ، فالبعد والقرب سواء . اما الحكم بان فلانا دجن او لم يدجن فهو انطباع شخصي متروك للقراء وعامة الناس ، وعلينا ان نحترم رايهم .

2- هل يستطيع توفيق السيف أن يقول عن نفسه أنه متحرر تماما من الايديولوجيا ؟

** لست متحررا من الايديولوجيا ، ولا اظن ان شخصا في العالم كله متحرر من الايديولوجيا . الايديولوجيا هي الوسيلة التي نبني بها علاقتنا مع العالم المحيط بنا ، ونعطي للاشياء معاني ، ونربطها مع بعضها حتى تتحول من عناصر منفردة هائمة في الفضاء الى اجزاء في مركب ، هو رؤيتنا للعالم. وما لم يكن لدينا منظومة مفاهيم ومسلمات اولية فلن نحب شيئا ولن نقيم علاقة مع شيء مما يحيط بنا ، لا انسانا ولا فكرة ولا شجرة ولا ساعة.
لا يحتاج الانسان الى التحرر من الايديولوجيا ، بل يحتاج الى:
أ) الوعي بانه يحمل ايديولوجيا تؤثر على ارائه واحكامه ، ونتيجة لذلك فان اراءه ليست معيارية او موضوعية في كل الاحوال.
ب) الوعي بان الايديولوجيا - حتى لو اعتقد بصحتها – تلعب احيانا دور حجاب الحقيقة ، اي انها تظهر الاشياء للعين والعقل بخلاف ما هي عليه في الواقع الخارجي .
ج) الوعي بالفارق بين وظيفتي الايديولوجيا والعلم . وظيفة العلم هي وصف الاشياء وتفسير احوالها ، اما وظيفة الايديولوجيا فهي الحكم على تلك الاشياء والاحوال وتحديد قيمتها ، اي ايجاد علاقة بينها وبين الشخص .
من هنا فاني من القائلين بامكانية الجمع بين عقلين ، عقل علمي يصف الاشياء ويفسرها مهما كانت متنافرة مع رغبات الشخص وقناعاته ومعتقداته ، وعقل ميتافيزيقي دوره صناعة المعنى ، وتسكين الروح ، ومنح الاشياء الخارجية لونا انسانيا ، وايجاد علاقة جمالية بين الشخص والعالم. من المهم على اي حال الوعي بوجود هذه الثنائية وعدم الخلط بين العلم بالاشياء والحكم عليها.


3- يشغلك سؤال النهضة إلى حد كبير وترى أننا متخلفون اقتصاديا وثقافيا وعلميا واجتماعيا ، هل تلمح في عالمنا العربي بداية إرهاصات قد يتوالد من رحمها ما أسميته في كتابك الجميل ( الحداثة ضرورة دينية ) : روحية النهضة ؟

** منذ اواخر القرن التاسع عشر كانت هناك ارهاصات نهضة ومحاولات نهوض. المحاولات الاولى ركزت على تحديث الثقافة ، وفي منتصف القرن العشرين تركزت المحاولات على تحديث السياسة ، وفي الربع الاخير من القرن العشرين تحول التركيز الى الاقتصاد. وقد جنينا من جميع تلك المحاولات خيرا كثيرا ، ولولاها لكنا اليوم نعيش في ظرف يشبه ظرف افغانستان مثلا. من المتفق عليه في بحوث التنمية ان كل مسار تنموي يؤدي الى تحريك المسارات الاخرى ، فالنهوض الثقافي يؤدي الى نهوض اقتصادي وسياسي ، وهذا يقود الى ذاك. المشكلة الكبرى في حياة المجتمع العربي هي عدم الاستمرار . كنا دائما نتوقف في منتصف الطريق. فلو واصلنا تحديث الثقافة لاصبحنا اليوم منتجين للعالم والتقنية ننافس بقية العالم . ولو واصلنا تحديث السياسة لاسترحنا من كثير من الازمات الاجتماعية التي نعرفها اليوم . واذا واصلنا تحديث الاقتصاد فسوف نتخلص من معضلة الفقر التي تهدد السلام الاجتماعي في كل اقطارنا . من المهم ايضا ان نفكر في التحديث الشامل والمخطط ، بدل ان نفاجأ بالتحولات التي هي انعكاس للنهوض في مجالات اخرى ، كما هو الحال في تفاقم ظاهرة العنف التي هي – جزئيا على الاقل – انعكاس لتحديث الاقتصاد في سياق منفرد.

4- أين المرأة من سؤال النهضة ؟ وما هي نظرتك الاستشرافية لوضع المرأة الاجتماعي في المملكة ؟ وألا تحتاج المرأة إلى إعادة صياغة للوعي كونها من أشد حراس النسق قسوة وضراوة ؟

** في كل مجتمع هناك مراكز توتر رئيسية واخرى ثانوية . مراكز التوتر تحرك الازمات احيانا وتصنع الحلول احيانا اخرى. الوضع الاجتماعي للمرأة هو احد مراكز التوتر الرئيسية في المجتمع السعودي. هي ليست حارسة للنسق التقليدي بل ضحية له (مع ملاحظة ان الضحية قد ينساق احيانا في مشروع عدوه بسبب انعدام الخيارات البديلة ، مثل العامل الفلسطيني الذي يشارك في بناء مستعمرة اسرائيلية لانه بحاجة الى خبز اليوم) . الاغلبية الساحقة من النساء السعوديات يتطلعن الى الحداثة باعتبارها السبيل الوحيد لحياة لائقة . حتى اللاتي يدافعن عن التقاليد على المستوى النظري ، متمسكات بالحداثة في حياتهن اليومية ، ولذلك ترين الفتيات جميعا يذهبن الى المدارس ويسعين وراء وظائف خارج البيت ، ويرغبن في استعمال المنتجات التقنية للحداثة . الوعي ليس مشكلة المرأة فقط ، نحن امام مشكلة مجتمع باكمله ، رجاله ونسائه ، مجتمع يريد الحداثة ويخشى منها في الوقت نفسه ، يتطلع الى التقدم لكنه غير مستعد لدفع ثمنه الثقافي والاخلاقي. واظن ان الجدل الواسع الذي يشهده المجتمع السعودي حول حقوق المراة ودورها وموقعها في النظام الاجتماعي هو دليل على تحولها فعليا الى مركز توتر رئيسي . وجدنا خلال السنوات الاخيرة تغييرات ملموسة مثل اقرار المجتمع بحقها في العلم ثم في العمل واخيرا مشاركتها في بعض اطراف الحياة العامة (التجارة والاعلام كمثال) . واظن ان التغيير في هذا الاتجاه سوف يتواصل وسوف يتعلم المجتمع كيف يتكيف مع هذا التحول. لكن لا بد من الاشارة الى ان التحولات الكبرى كانت ثمرة لقيام حركة نسائية واسعة ، منظمة ، ومتنوعة التعبيرات ، ونحن نفتقر الى حركة من هذا النوع.

5- أنت تقول أن فكرة الأصالة لم تؤد إلى توضيح مكانتها من سؤال النهضة بقدر ما ساهمت فعليا في إعادة إنتاج فكرة الأصالة في معنى المحافظة على التقاليد والبحث عن حلول لمشكلات العصر من عمق التراث ، وفي ذات الوقت ترى أن التخلص من إرثنا الثقافي أشبه ما يكون بأن نطلب من الأمة أن تمحو ذاكرتها ، هل من سبيل للخروج من هذا المأزق ؟

** اود الاستشهاد بمقولة هيجل ، الفيلسوف الالماني ، حول الوعي بالتاريخ ، وخلاصتها ان الفرد الواعي هو الذي يعي تاثير تجربته التاريخية على تفكيره الحاضر ، اي القادر في لحظة من اللحظات على النظر الى تراثه التاريخي كشيء قابل للانفصال عن عقله ، اي تحرير عقله من ضغط الاحكام المسبقة . في ظني ان كل فرد قادر على ان ينفصل عن تراثه حين يفكر في موضوع معاصر ، لكنه يحتاج الى وعي بكيفية تاثير التراث التاريخي على العقل ، ويحتاج الى ارادة قوية للانفصال عنه. نحن اذن لا نحتاج الى مسح ذاكرتنا ، بل الى الوعي بتاثير هذه الذاكرة على تفكيرنا في قضايا اليوم ، والانفصال عنها حيثما كان الانفصال ضروريا للتوصل الى فهم موضوعي ومحايد للاسئلة التي تواجهنا.
فكرة الاصالة الشائعة في بلدنا هي تعبير عن رؤية كسيحة ترتاب في قدرة الجماعة الانسانية على صياغة ذاتها وزمنها. وترتاب في قدرتها على اكتشاف مصالحها وصياغة القيم والمفاهيم المناسبة لتبرير تلك المصالح . ولهذا فهي تشدد على العودة الى مبررات ومفاهيم صاغها الماضويون. فكان هؤلاء الذين يتحدثون عن الاصالة يربطون بين قيمة الفكرة وزوال موضوعها. حين يتحدثون في السياسة او الاخلاق او السلوك اليومي مثلا يستذكرون عصر الخلافة الاسلامية باعتباره الزمن المعياري للصحة والخطأ ، وحين يتحدثون عن الادب يستذكرون العصر الجاهلي ، وحين يتحدثون عن العلوم النظرية والتجريبية يستذكرون العصر العباسي. لقد استفدنا من التجربة السياسية والاخلاقية والادبية والعلمية في تلك العصور . لكن لا اجد اي مبرر لاعتبار تلك التجارب معيارية تقاس عليها كل تجربة اخرى. لا اشك في ان انسان هذا العصر اقدر من اسلافه الذين عاشوا في العصور الماضية على ابداع حلول اكمل ، لانه يعرف تجربة اولئك وتجارب من جاء بعدهم ، اضافة الى ما يستخلصه من تجربته الخاصة . مجموع هذه المعارف تفوق كثيرا ما توفر للاسلاف. نحن نرجع الى تجربة الاسلاف للحصول على علم ، لا باعتبار تلك التجربة حدودا نهائية للقيمة. القيم الاساسية مثل العدل والحرية والنظام ثابتة وموضوعية ، ولا تختلف في عصر عن عصر آخر ، اما معايير التطبيق والعمل فيجب ان تتناسب مع الزمن ومع حاجات الانسان الذي يعيش في ذلك الزمن ، ولا فضل لاهل زمن على غيرهم في هذه الناحية ، ولهذ فمن الخطل ان نحول الماضين الى مرجع قسري او حصري ، او حتى مقدم على المعاصرين.

6- تتساءل عن مدى حاجتنا الحقيقية للتراث ، وتقول أننا أصبحنا كحراس المتاحف أو الذين يعتمدون في معيشتهم على مرافقة الأموات ، وكأنك تفترض أن شروط النهضة لن تتحقق إلا بقطيعة شبه كاملة مع التراث ، وتقول أن التراث الجيد هو الذي نسخره وليس الذي يسخرنا .. هل هناك تراث جيد وتراث سيء؟

** لا شك اننا نحتاج الى بعض التراث كي يعيننا على فهم ديننا وكي يساعدنا في اعطاء معنى لبعض جوانب حياتنا. لكننا لا نحتاجه ابدا كقيد على عقولنا ، ولا نحتاجه كحبل يشدنا الى الماضي السحيق ، ويعطلنا كلما اردنا اللحاق بقطار الحياة في عصرنا. التراث الجيد هو التراث الذي نسخره ونستخدمه ونتحكم فيه وليس الذي يسخرنا ويستخدمنا ويتحكم في عقولنا . التراث الجيد هو المعلم الذي يساعدنا على معرفة ما عنده كي نتجاوزه الى ما هو اعلى منه. التراث الجيد جسر ثابت بين زمنين او مكانين ، يحمل الناس من زمن الى زمن ، او من مكان الى مكان ، ثم يتركهم احرارا كي يواصلوا دربهم بينما يبقى هو ثابتا في مكانه او زمانه. اما التراث السيء فهو راعي الماشية الذي يرسلها الى المرعى ، لكنه يعيدها الى حظيرته آخر النهار . فهي مهما انطلقت فانها تتحرك ضمن دائرة محددة آخرها العودة الى الحظيرة نفسها . التراث السيء هو السقف الذي يوفر مساحة للحركة تحته لكنه لا يسمح لك بتجاوزه الى ما هو اعلى منه .التراث السيء هو الجسر الذي يحملك الى نهايته لكنه يمنعك من الانتقال الى الضفة الاخرى ، فيبقيك محصورا بين حدوده ، لا أنت في الماضي ولا انتقلت الى الحاضر.

7- المشكلة الحقيقة في تقديرك هي قابلية نمط معين من الفهم الديني لإعاقة النهوض الحضاري ، وترى في التدين السائد في العالم الإسلامي معيقا للنهضة ، يبدو هذا الخطاب صادما للعقل الجمعي فكأنك تتهم التدين بأنه سبب تخلفنا ؟

** ادعوك للتنبه الى الفارق الجوهري بين الدين وفهم الدين . الدين كما انزله رب العالمين لا جدال فيه . بل اعتقد بعمق في انه طريق فسيح للنهوض والتقدم. اما التدين فهو افهام الناس لذلك الدين وتطبيقهم لتلك الافهام ، وهي بطبيعة الحال قاصرة عن بلوغ مراد الخالق ، ومتلونة بطبائع الناس وذهنياتهم المختلفة وثقافاتهم . ولهذا ترى مفهوم التدين في المغرب غيره في مصر او اليمن او المملكة او تركيا او ايران او ماليزيا. هذه كلها مجتمعات مسلمة ، لكن لكل منها مفهوما خاصا وطريقة في التطبيق مختلفة. وورد في الأثر "من بدا جفا" وهو يشير الى تاثير الظرف الجغرافي او نمط المعيشة فيه على ذهنية الفرد وسلوكه. من هنا فان حديثنا لا يتناول الدين ، بل فهم الدين وتطبيقاته. وازعم ان بعض الافهام والكثير من التطبيقات معيقة للنهضة.
من بين المعيقات الواضحة نذكر الخلط بين موضوعات الدين (وهي احكام) وموضوعات العلم (وهي اوصاف وتفسيرات). ومنها التصور العدواني للعلاقة بين المسلمين وسائر البشر . ومنها غياب رؤية عقلانية عن حقوق الانسان والتعدد الثقافي والاثني .. الخ. لكن اشد العناصر اعاقة هي انكار فردانية الفرد واستقلاله وكفاءته والتركيز الكامل في قيم الجماعة الدينية على دور الجماعة وكونها محورا للقيمة والاعتبار. واظن ان غياب مفهوم الفردانية وانكار استقلال الفرد في ثقافتنا الدينية هو جذر للعشرات من اوجه القصور الضعف وتعطيل احتمالات النهضة. الفردانية تعني في المقام الاول حق الاختلاف والتمايز وحرية الفكر ، واحترام المبادرة الفردية ، وهذه من ابرز اركان النهضة. لو تاملت في انماط التدين السائدة في معظم المجتمعات المسلمة ، فسوف ينكشف لك اتفاقها جميعا في عناصر الاعاقة السابقة الذكر.

8- تفصل ما بين التراث والدين .. ولكن واقع حال ثقافتنا اليوم يمحو ذلك الخط الفاصل ما بين التراث والدين ، فما هو تراث وثقافة اجتماعية صار دينا لا يمكن مقاربة حدوده الشائكة واختلطت الأصول بالحواشي ، وعملية الفصل تبدو مستحيلة في ظل المناخ الثقافي الذي نعيش فيه .. هل توافقني على ذلك ؟

** يميل الناس في العادة الى البحث عن تبرير لما يريدون وما يفعلون كي يرضوا ضمائرهم ، وكي يحققوا الانسجام بين ما يدّعونه وما يفعلونه. وتجري هذه العملية بصورة عفوية تماما . عملية اضفاء المعنى على الفعل تجري في غفلة . كمثال على ذلك فان غالبية الناس في بلادنا – وهم جميعا مؤمنون – ينظرون الى سائقيهم وخدمهم وعمالهم الاجانب كطبقة ادنى منهم ، ويعاملونهم على هذا الاساس ، مع انهم جميعا يقرأون تعليمات الدين الحنيف التي تؤكد على تساويهم معهم . المثال الاخر في مكانة النساء التي تشير اليها الاية المباركة "المؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض" وهي صريحة في أهلية النساء وحقهن في تولي المناصب السيادية في الدولة والمجتمع (ما يسمى في الفقه بالولايات) ، وان لهن من حرية الاختيار ما للرجال سواء بسواء . لكننا مع ذلك اعطينا الولاية وحق الاختيار للرجل ، وحصرنا دور المراة في السمع والطاعة . في كلا المثالين اتينا باعراف او تقاليد اجتماعية والبسناها رداء الدين ، لاننا نريدها من جهة ، ولاننا – من جهة اخرى - نريد ان يكون عملنا مبررا ومقبولا .
بالمناسبة فاني لا ارى ضيرا في هذه العملية ، اي الباس الاعراف والتقاليد والمصالح عباءة الدين . بل اظن انها عملية طبيعية ستجري سواء احببناها ام كرهناها ، وسواء اعترفنا بها او انكرناها ، لان الانسان يميل بطبعه الى البحث عن معنى لما يفعل ، هذا المعنى هو قيمة مسبقة يؤمن بها كمعيار للحسن والقبيح . من دون هذا المعنى يشعر الانسان بغربة ما يفعل ، وهو لا يفعل الاشياء الغريبة اذا كان مختارا . ان كثيرا مما نصفه بالحسن او القبيح هو اشياء نرغب فيها او نبغضها ، وقد لا تكون حسنة في الواقع او قبيحة في الواقع. وفي هذا النطاق بالذات نجد اشخاصا يفعلون اشياء متباينة يراها بعضهم حسنة ويراها الاخرون قبيحة ، ولكل منهم تبريرات هي القيم التي تلقي على الفعل المعنى المراد. اختيار هذه القيمة او تلك عملية فردية تختلف من فرد الى اخر او من مجتمع الى آخر. كمثال على ذلك فان تعدد الزوجات يعتبر في بلادنا عملا عاديا ، او مرغوبا ، بل يعتبر احيانا من علامات الوجاهة والثراء ، بينما يعتبر في ايران وتركيا مثلا من الاعمال القبيحة ، ومن النادر جدا ان تجد وجيها او شخصا معروفا يتزوج باخرى ، لانه في الغالب سيفقد احترامه بين انداده من رجال النخبة.
خلاصة القول ان تداخل الاعراف والمصالح والتقاليد مع القيم الدينية هو امر اعتيادي ولا ينبغي ان يثير القلق. لكن المشكلة تكمن في تناسي الناس للخط الفاصل بين ما هو دين وما هو تقاليد البست رداء الدين . التقاليد بطبعها مرتبطة بالزمان والمكان ونظام المصالح الذي تولدت في اطاره ، ولهذا لا يصح تجريدها من تلك القيود وتعميمها كما لو كانت دينا. نعرف طبعا ان مبررات الالتزام بالدين موجودة في داخله ، اما مبررات الالتزام بالتقاليد فهي موجودة في خارجها ، اي في المكان والزمان ونظام المصالح الذي اوجدها .


9- تقول أن لكل وقت أسئلته ، وأجدني أتفق معك في ذلك ولكن إذا كنا لم نجب على سؤال الأصالة والمعاصرة بعد وهو سؤال أثير منذ اصطدامنا بالغرب وانهزام السيف أمام البارود .. وإذا كنا في زمن ما بعد الحداثة لا نزال مأزومين بثنائيات على شاكلة التراث والحداثة والخصوصية والعالمية ، فكيف نستطيع الإجابة على أسئلة وقتنا ؟ وما هو في تقديرك السؤال الأهم اليوم ؟

** يؤسفني القول ان التحديات التي نواجهها لا تسمح لنا برفاهية الاختيار. نحن نعيش في عالم تبلورت معايير القوة فيه وأصبح الطريق الى القوة واضحا لكل عاقل. وهناك الكثير من التجارب التي يمكن لنا ان نرجع اليها كي نحدد اولوياتنا ومن بينها تجاربنا الخاصة . في ظني ان علينا انجاز ثلاث مهمات رئيسية ، اذا نجحنا فيها فسوف نشق طريقا سريعا الى القوة والتقدم:
المهمة الاولى : ترسيخ قيم حقوق الانسان ، وابرزها احترام استقلالية الفرد وكفاءته وتساويه والحماية القانونية لحرياته الاساسية ، وحقه في المشاركة النشطة في صناعة القرار المؤثر على حاضره ومستقبله.
المهمة الثانية : ترسيخ قيمة العلم والبحث العلمي ، وتطوير نظامنا التربوي والتعليمي كي يساهم في تشكيل بيئة محفزة لانتاج العلم.
المهمة الثالثة : توسيع قاعدة الانتاج الاقتصادي باتجاه التحرر من الارتهان لمنتج وحيد هو البترول . ونحن نملك اليوم الموارد اللازمة لتوسيع تلك القاعدة ولدينا الفرص. من امثلتها الحج والعمرة الذي لا زلنا نتعامل معه كعبء بينما يمكن ان يشكل موردا اقتصاديا عظيما لو تعاملنا معه كفرصة. ولدينا الموارد المالية والبشرية والاسواق التي تشكل اساسا متينا لصناعة ضخمة ومتنوعة.
لقد بدأنا فعليا في اختبار تلك المهمات وظهر لنا فائدتها ، ولهذا فاننا لا نبدأ من الصفر ، لكني اشدد على الحاجة الى التعامل الجاد معها وتكريس الجهود كي نحولها من مسارات ثانوية كما هو وضعها الراهن الى جوهر العمل العام وغرضه الرئيس لمدة لا تقل عن عقدين من الزمن. اي ان نجعل نجاحنا كمجتمع او فشلنا مرهون بنجاحنا في انجاز المهمات الثلاث خلال مدة زمنية محددة .

10- تجديد الخطاب الديني قضية تثار منذ زمن بعيد ، وهو دون شك ضرورة إذا ما أردنا النهوض واللحاق بركب الحضارة الحديثة التي نصر على أن نعب من منجزاتها دون قدرة على إنتاجها .. ما هي أبرز المعوقات التي تواجه تجديد الخطاب ؟

** الحياة الدينية للفرد والمجتمع هي جزء من حياته اليومية العادية. عالم الدين بثقافته وتقاليده وحدوده وهمومه تشكل جزء عضويا من روح الجماعة وشخصيتها وسلوكها . ولهذا فانه يتعسر تجديد الخطاب الديني ما لم يكن هناك مسار تجديد شامل يطال مختلف جوانب الحياة والثقافة . بعبارة اخرى فان تجديد الخطاب الديني هو جزء من فكرة النهضة الاجتماعية وليس مسارا مستقلا بذاته. بديهي ان مجتمعا ساكنا متخلفا لا يستطيع انتاج ثقافة حية ومتجددة ولا يستطيع انتاج علم جديد. نحتاج الى تجديد حياتنا الاجتماعية كي ننتج ثقافة جديدة ، واظن ان الشرطين الاولين لتجديد الحياة الاجتماعية هما التطبيق الكامل لمباديء حقوق الانسان ، واصلاح نظام التربية والتعليم.
رجوعا الى الجانب النظري من المسألة ، يفهم تجديد الخطاب الديني على واحد من ثلاثة وجوه ، كل منها يعبر عن نوع محدد من الهموم والاستعدادات :
الاول : تحديث الادوات والوسائل وطرق العرض ، مع المحافظة على المضمون القديم ،. وهذا هو منهج التيارات المحافظة التي ترى ان كل ما ورثناه من الماضين طيب ولا ينقصه غير الوسيلة المناسبة للوصول الى المتلقين ، ولهذا فهي تركز على ادوات التوصيل من دون تعديل جدي في المحتوى . مناهج التربية والتثقيف الديني في بلادنا هي اوضح الامثلة على هذا المسار.
الثاني : اعادة تفسير التعاليم القديمة واستخراجها من حالة السكون الى حالة الحركة ، اي تحويلها من تعليمات محايدة الى تعليمات حركية قابلة للتوجيه والاستعمال في الصراع الثقافي والاجتماعي. وهو منهج الحركيين الذين يركزون على توجيه الافكار المتجذرة في نفوس الناس نحو اتجاه مختلف ، اي تحويلها من ساكنة او محايدة الى نشطة .
الثالث : مراجعة القواعد والاصول فضلا عن الفروع بحثا عن روح التشريع ، اي الرسالة الداخلية التي يمكن وضعها في صيغ مختلفة بحسب اختلاف الازمنة والاماكن والموضوعات . وهو منهج المفكرين الذين يركزون على تطوير الفكرة اكثر من اهتمامهم برد فعل الجمهور.
من الواضح ان المنهج الاول هو الاكثر رواجا وهو تعبير عن الرغبة العميقة في الابقاء على المألوف ، اما الثاني فيرتبط رواجه بالازمات ، حيث توفر الازمة دوافع قوية لظهور الافكار المتجددة . المنهج الثالث هو منهج الاقلية ، لكنه في الغالب المحرك الاقوى للاصلاح الطويل الامد. ان ابرز الاصلاحات في الثقافة والنظام الاجتماعي هي ثمرة اعمال المفكرين سواء كان نقدا للسائد او اقتراحا لبدائل.

11- تطالب بالفصل بين الدين والعلم في ذات الوقت الذي تطالب فيه باستئناف المصالحة بين العلم والهوية ، أين يجتمع هذان المطلبان ؟
كما تطالب بالفصل بين الدين والعلم تطالب بالفصل بين الدين والسياسة ، وتؤكد أن دور الدين في السياسة يقتصر فقط في تقديم القيم والمعايير الأساسية ، وليس نماذج العمل التي تختلف بالضرورة من زمن لآخر ، أليست هذه دعوة صريحة لتبني العلمانية ؟

** المقصود من الفصل بين الدين والعلم هو التمييز بين العلم والحكم . وهما مرحلتان في العمل العلمي ولا بد من الفصل بينهما كي نكتشف الحقيقة . مثاله الرأي الفقهي في عمل البنوك : يمكن ان نبدأ بالحكم فنقول ان اخذ الفائدة على القرض او دفع الفائدة على الوديعة هو عمل البنك ، وهو يطابق موضوع احكام الربا الواردة في القرآن الكريم. وهكذا ينتهي الموضوع . وبالعكس من ذلك يمكن ان نبدأ بدراسة عمل البنك ودوره ضمن النظام الاقتصادي القائم ، وطبيعة العلاقة بين راس المال والعمل والقيمة الاقتصادية لكل منهما ، اي دور كل منهما في توليد القيمة المضافة ، ثم تحديد القيمة الاجتماعية للقيمة المضافة ذاتها ، وهي تختلف بحسب النظام الاقتصادي وتوزيع مصادر المعيشة من جهة ، وبحسب دور المال كمصدر للقوة الاجتماعية والسياسية من جهة اخرى ، ثم نقارن نتائج هذه الدراسة بنظائرها في زمن النص (اي النظام الاقتصادي وحركة راس المال والعمل وتوليد القيمة المضافة وقيمتها الاجتماعية في ذلك الزمن) . وبناء على هذه المقارنة نبحث في مدى التطابق بين "موضوع" احكام الربا الواردة في النص و"الموضوعات" المطروحة حاليا. الفارق بين الطريقتين ان الحكم جاء متاخرا في الحالة الثانية الى ما بعد الدراسة العلمية المحايدة ، اما في الحالة الاولى فقد قدمنا الحكم واهملنا العلم بالموضوع ، ولهذا فقد خرجنا بنفس النتيجة التي كنا نعرفها سلفا ، اي اننا لم نقم باي جهد علمي حقيقي.
هناك من يقول اليوم بان "الفائدة" ليست جوهر العملية الربوية ، بل الاستخدام الاجتماعي للمال ، والتوازان بين حصة راس المال وحصة الجهد الانساني في توليد القيمة المضافة ، ولهذا فهؤلاء يجيزون القروض التنموية دون الاستهلاكية . والخلاصة ان المسألة بحاجة الى بحث ولا ينبغي الوقوف عند ظواهر الاشياء والتسرع في الاحكام.
المثال الثاني يظهر في المعالجات الراهنة لمسألة العنف ، سواء العنف السياسي (الارهاب) او الجنائي ( المخدرات ، السطو .. الخ) . التفسير الرائج للعنف السياسي يربطه بالغلو في الدين ويقارنه بحالة الخوارج في العصور الاسلامية الاولى . والتفسير الرائج للعنف الجنائي يربطه بالتفلت من تعاليم الدين وهو يربطه بالاعلام الفاسد وتزايد المال وضعف العلاقات الاسرية الخ .
بدلا من التسرع في اصدار احكام ، نحتاج الى مراجعة التفسيرات العلمية المتوفرة حول ظاهرة العنف في كلا وجهيها السياسي والجنائي . هذه التفسيرات هي نتاج لدراسات وبحوث علمية ركزت على حالات محددة ، فهي اذن تجربة كاملة ، واول العلم قراءة التجارب. قد لا نستفيد من ذات النتائج لانها ربما ترتبط عضويا بالتجربة التي انتجتها ، لكنها على الاقل سوف تنير الطريق امامنا للبحث في الاسباب المحتملة لهذه الظاهرة . ربما يكون سببها الرئيس اقتصاديا ، وربما يكون سببها تفكك منظومات القيم الاجتماعية ، او لعل سببها العجز عن التكيف . وربما يكون السبب هو ما قيل اي عجز المعنيين عن استيعاب الصورة الصحيحة للدين ، او ضآلة تاثير التوجيه الديني عليهم . وهذا بذاته يقودنا الى سؤال : لماذا ، الذي يحتاج الى بحث علمي لا اصدار حكم سريع.



12- تطرح قضية التفكير في الذات وأهميته وتحليل الأمور وتفكيكها وعدم قبولها على علاتها أو ما يسمى بالعقلية النقدية ، ولكن كيف يتكون العقل النقدي ومنظومتنا التعليمية قائمة على آلية التلقين والقولبة ، وإعادة إنتاج الآت تحفظ ولا تفهم وتستظهر ولا تفكر ؟

** حين نتحدث عن الذات ، فان جوهر حديثنا يتعلق بفهم الذات ، وقدرة الفرد على ان يفكر في ذاته من دون ان يتأثر بتصوره المسبق حول هذه الذات. وهو ما يعرف في الفلسفة باسم الذاتانية او subjectivity . ينطوي هذا النقاش على اسئلة عديدة ، بعضها ضروري كي يحدد الفرد مكانه في العالم . لعل اول الاسئلة وابسطها هو سؤال العلاقة بين الفرد والجماعة : هل انا فرد مستقل بذاته ، مستقل بعقله وفكره ، قادر على التعبير عن ذات خاصة غير ذائبة في المجموع . ام انا نقطة في بحر المجموع ، مجرد كسر يكمل الرقم ، او امتداد لواحد من الوان اللوحة . هل اصنع هويتي الخاصة ام ارثها او استعيرها من الهوية الجمعية . هل انا الذي اصوغ حياتي ورؤيتي وتطلعاتي ام انا منساق فيما صاغه غيري من اسلوب حياة او رؤية للعالم او تطلعات؟. هل انا هنا لاني قررت ان اكون هنا ، ام لان الاقدار ساقتني الى هذا المكان ؟. هل احمل هذه الرؤية لانني توصلت اليها بعقلي الخاص ، ام لأن عائلتي او مدرستي او مجتمعي زرعوها في عقلي؟ . هل انا انا لاني اردت ذلك ام لان غيري قرر لي ان اكون كذلك؟.
حين تطرح هذه الاسئلة على بعض الناس ، فان جوابهم السريع - والمتوقع – سيكون : حسنا .. الفرد مستقل وهو في الوقت نفسه جزء من الجماعة ، لديه هوية فردية واخرى عضوية. واذكر كتابا قديما للاستاذ محمد قطب حاول فيه مناقشة المسألة ، وتوصل في ختام تلك المناقشة الى هذه التسوية التي يعرفها جميع الناس حتى لو لم يناقشوا الامر. نحن نعرف بالبديهة ان الفرد لا يعيش في فراغ بل وسط جماعة . لكننا نتكلم عن جانبين مختلفين : الاول هو الحدود الفاصلة بين ما هو فردي وما هو جمعي ، والثاني ارضية النقاش هل هي استقلال الفرد ام محورية الجماعة. اذا قلنا باستقلال الفرد فيجب ان نقر بوجود مجالين متمايزين في الحياة الاجتماعية : المجال الخاص والمجال العام . المجال الخاص حريم شخصي للفرد ، يمارس فيه رغباته وحرياته المطلقة واراداته الخاصة ، ولا يجوز خرقه او الحكم او التحكم فيه او اصدار القوانين او تحديد الحركة ضمنه من جانب اي طرف ولاي مبرر. الحريم الشخصي هو المكان الذي يتمتع فيه الفرد بوجوده الانساني الخاص ، الذي قد يتوافق وقد يختلف مع الغير. خلافا للمجال العام الذي يمثل نطاقا مشتركا بين الناس ، ولذلك فهو مجال اشتغال الارادة الاجتماعية والقوانين والسلطات والاعراف والتوافقات الخ. ويترتب على القول باستقلال الفرد توفير الحماية القانونية لحقه في مخالفة الجماعة ، وعدم ايقاع عقوبات رجوعا الى اعراف او توافقات او قناعات جمعية ، الا اذا حددت سلفا في القانون العام.
هذه الاسئلة هي المنطلق في تحديد فلسفة التربية والتعليم . نظامنا التعليمي اليوم يدور في الجوهر حول نقل الموروث الثقافي والتجربة الاجتماعية الى الجيل الجديد ، فهو اذن يركز على التواصل والاستمرارية بين الاجيال ، ولا يهتم الا نادرا بالتغيير او القفز على الفواصل الزمنية. الطريقة المتبعة هي ذات الطريقة المعروفة في الكتاتيب القديمة ، اي شرح النص واقناع الطالب بان هذا النص هو اطار الحقيقة وحدودها. وهذه الطريقة سائدة في تعليم العلوم الانسانية والعقيدة وفي تعليم العلوم الطبيعية والتجريبية وحتى الرياضيات. فلسفة التربية والتعليم في بلادنا تستهدف اذن انتاج نسخ جديدة عن الجيل القديم مع القليل من التعديلات.


13- لاحظت في كتابك ( الحداثة ضرورة دينية ) أنك لا تفصل بين التحديث والحداثة ، ألا ترى أننا نحتاج لهذا الفصل والتفريق بينهما لنعي أن ما حدث في عالمنا العربي هو تحديثات دون تبني للأساس المعرفي القائمة عليه وهو الحداثة ؟

** الحداثة هي تيار في الفكر الانساني ظهر في القرن السابع عشر الميلادي ، ويدور بمجمله حول فهم جديد لثلاثة عناصر متفاعلة: الانسان الفرد ، الزمن ، العلم. الانسان – عند الحداثيين - هو محور الكون وهو غايته ونهايته. كل شيء من صنع الانسان وكل شيء غرضه تحسين حياة الانسان. الزمن – عند الحداثيين – هو الحاضر والمستقبل ، اما الماضي فهو مجرد مخزن للافكار والمعلومات يرجع اليه الانسان متعلما لا مستفتيا . اما العلم فهو المعرفة الناتجة عن الفحص والتجربة والنقد واعادة التجريب في اطار منهجي يسمح بالتفنيد والتعديل . ولا يوجد عندهم علم معصوم . كل ما ليس قابلا للنقد او التفنيد فليس علما ، بل ميتافيزيقا تقبله او ترفضه بحسب ارادتك بغض النظر عن دليله . تركز دعوى الحداثة على قابلية الانسان لصياغة ظرفه الحياتي وتطوير بيئته والسيطرة عليها اعتمادا على المعرفة العلمية والتجربة والاستخدام السليم للتقنيات التي يطورها لحل مشكلاته. تدعو الحداثة الى اختبار كل وجه من وجوه الحياة الانسانية لكشف سبل التقدم وما يعترضها من معوقات وتطوير حلول علمية لازاحتها. وهي اخيرا تنبذ السكون ، وتركز على التغيير المتواصل باعتباره الطريق الطبيعي للارتقاء ، وترحب بكل مختلف عن السائد باعتباره نافذة محتملة على مستقبل افضل.
وبالمقارنة فان التحديث هو العمل الهادف الى ارساء القيم الاساسية للحداثة في الحياة الاجتماعية ، اي التاكيد على محورية الانسان الفرد كسيد للكون ، وهدف للتشريعات ، وصانع للحياة . والتركيز على العلم كاساس لاتخاذ القرار في المجالين الفردي والاجتماعي . والنظر الى الحاضر باعتباره اعلى قيمة من الماضي واكثر كمالا ، واعتباره النطاق الاساس لكل الجهود التي غرضها صياغة المستقبل.
من الناحية المبدئية نعتبر الحداثة مرحلة متطورة في تاريخ الانسانية وسعيها للارتقاء . لكنا لا ناخذها كقالب جاهز . بل نتعامل معها تعاملا نقديا ، وهدفنا هو اعادة انتاجها ضمن الشروط المادية والثقافية الخاصة بمجتمعاتنا . قد نقبل بعض اجزائها ونرفض الاخر ، وقد نقدم بعضها ونؤخر الاخر او نعدله . في كل الاحوال نعتبر الحداثة "معرفة" و "تجربة" مفتوحة لاي جهد انساني ، بغض النظر عن الاطارالحضاري الذي ظهرت فيه وتطورت .
التعامل الانتقائي مع الحداثة يختلف عن التعامل النقدي . في التعامل الانتقائي يقتطع الانسان اجزاء وينقلها ، وهذا هو الجاري في المجتمعات العربية . فنحن ننقل نظم البناء الغربية كما هي ، وننقل التقنيات المختلفة وننقل النظم الاقتصادية والمالية من دون تعديل . اما الذي ندعو اليه فهو اعادة انتاج الحداثة ، اجزاءها او مجموعها ، ضمن الشروط الثقافية والمادية الخاصة بنا . اعادة الانتاج تاتي ضمن قراءة نقدية تتعلق بقيم الحداثة نفسها وبموضوعات اشتغالها المقترحة في آن واحد. في الاقتصاد مثلا نحن ننقل قوانين عمل تطورت في اطار فلسفة اقتصادية- اجتماعية مختلفة ، وقد لا تلبي حاجاتنا ، لا سيما بالنظر الى الفارق الكبير في الثقافة وفي مستوى النمو بين مجتمعاتنا والمجتمعات الصناعية . كان من الافضل لنا ان ندرس علم الاقتصاد من جهة وندرس حاجاتنا من جهة اخرى ، فنعدل قوانين العمل تلك او نبتكر بدائل كي تستوعب وتلبي هذه الحاجات لا ان ننقل نسخة كاملة عن البنك الاوربي والبيروقراطية الاوربية الخ. خلاصة القول اننا بحاجة الى انتاج حداثتنا الخاصة ، ويمكن ان تكون القراءة النقدية للحداثة الاوربية هي الخطوة الاولى في هذا الطريق.

14- علاقتنا بالغرب كانت ولازالت علاقة شائكة وأنت تطالب بالانفتاح على الثقافة الغربية ، وترى أننا ندور بين فشلين فشل في الإتباع وفشل في الإبداع ، وأن الخروج من هذه الدائرة لا يكون إلا بإعادة الإنتاج من خلال العلاقة النقدية .. كيف السبيل إلى ذلك إذا كان مثقفونا أنفسهم إما مستلب للغرب وإما ناقم عليه ؟
** علاقتنا مع الغرب هي واحدة من نقاط التازم البارزة في تاريخنا المعاصر . نحن نكرهه ونرغب فيما عنده. نتألم من هيمنته ونخشى من الانفكاك عنه. نطالبه بالعدل معنا ونتجاهل قيامنا بالعدل فيما بيننا. وهناك اضافة الى هذا هيمنة السياسة على تصورنا لهذه العلاقة . فكلما تحدثنا عن الغرب قفزت الى واجهة الحديث صورة الدولة القاهرة المهيمنة . وباء السياسة جعل النقاش الموضوعي مستحيلا. وجعل كل متحدث عن فضائل الغرب غبيا او مشبوها.
لا نتكلم عن الغرب بالمفهوم الجغرافي ، بل بالمعنى الثقافي والزمني . نحن بعبارة اخرى نتحدث عن التجربة وارضيتها الفلسفية والمعرفية ، سواء جرت هذه التجربة في بريطانيا او اليابان او في مصر او السعودية او اي مكان آخر. الغرب الثقافي والحضاري هو رمز لمرحلة تاريخية هي الاخيرة في تاريخ البشرية وسعيها المتواصل من اجل التقدم وتسخير الموارد التي اودعها الله في الكون وطلب من عباده استثمارها "هو انشأكم في الارض واستعمركم فيها". فاذا اردنا النهوض فان نقطة البداية هي استيعاب ما وصل اليه الغربيون ، وفهم مصادر القوة التي قادت الى هذه الحضارة او تولدت في اطارها ، ثم العمل على اعادة انتاجها ضمن نسيجنا الثقافي الخاص وتبعا لحاجاتنا ومصالحنا الخاصة . بين ابرز مصادرالقوة التي كشفت عنها تجربة الغرب ، اشير الى التفكير العلمي والعقلاني ، وانتاج العلم ، والابداع في مجال الاقتصاد ، وتمكين المجتمع من المشاركة الفاعلة والمؤثرة في صياغة الحياة العامة والمستقبل. وامامنا امثلة قريبة مثل كوريا الجنوبية التي بدأت بتقليد الصناعة الغربية وهي اليوم تنافسها في عقر دارها . وقبلها اليابان وسياتي في السنوات القليلة القادمة مثال الصين ، وبينهما تجارب عديدة من ماليزيا الى البرازيل. في كل هذه الاقطار جرى التركيز على الانسان باعتباره منتج العلم والمدنية . ونحن اليوم نشكو من ان النشاطات التي تسمى تنموية تركز على الاشياء وتهمل الانسان . فنحن نفتقر الى اجماع حول محورية الفرد وحول حقوق الانسان ولا سيما حرية التفكير والتعبير ، كما نفتقر الى التربية المدرسية التي تبني العقل العلمي والتفكير العقلاني ، واخيرا نفتقر الى الاطارات القانونية والمؤسسية التي تسمح بمشاركة الافراد في صياغة النظام الاجتماعي الذي يعيشون فيه والمستقبل الذي يسعون اليه. يمكن لنا ان نتعلم الكثير من التجربة الغربية ، نتعلمها ثم نطور تجربتنا الخاصة التي قد تكون مرحلة موازية وقد تاتي بمستوى ارقى مما وصل اليه الغربيون. لكن في كل الاحوال لا يمكن الابتداء من الصفر ، ولا يمكن اغفال تلك التجرب القيمة ، سواء احببناها ام كرهناها .

سيرة ذاتية
توفيق السيف
مواليد 1959
درس اللغة العربية والفقه واصوله في العراق وايران والكويت
حاصل على ماجستير الفلسفة في الشريعة الاسلامية
دكتوراه في العلوم السياسية – لندن
شارك في دورات دراسية مختلفة في الفلسفة والادارة والاقتصاد والقانون وحقوق الانسان والعلاقات العامة والاعلام.
نشر عددا من الكتب منها :
*هوامش نقدية على واقعنا الثقافي ، دار الكنوز الأدبية – بيروت 1996م (مقالات في نقد الثقافة العامة)
*ضد الاستبداد، الفقهالسياسي الشيعي في عصر الغيبة، المركز الثقافي العربي، بيروت 1999 (دراسة في رسالة فقهية حول الدستور ودور المجتمع في السياسة مع ترجمة لنص الرسالة)
* الاسلام في ساحة السياسة ، دار الجديد ، بيروت 2000(مقالتان في حق الاختلاف)
*نظرية السلطة في الفقه الشيعي - المركز الثقافي العربي، بيروت 2002 (دراسة فقهية نقدية لنظرية السلطة والولاية عند فقهاء الشيعة واقتراح بدائل)
*الحداثة كحاجة دينية – الدار العربية للعلوم 2007 (تفصيح للاسئلة حول الحاجة الى الحداثة)
*الديمقراطية في بلد مسلم ، أطياف للنشر والتوزيع 2007م. (نقاشات فلسفية حول امكانية بناء الديمقراطية في اطار ديني - مشترك مع 5 مفكرين ايرانيين)
* Islamic Democracy and its Limits, Saqi Books, London 2007 (رسالة دكتوراه – بحث سوسيولوجي في امكانية التقدم نحو الديمقراطية من دون علمانية – دراسة حالة – ايران 1979-2005)
*الاستبداد وحكم التغلب في البلدان العربية – مشترك مع كتاب اخرين – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت.
يكتب مقالة اسبوعية صحيفة عكاظ (الاربعاء). والايام البحرينية (الخميس).
كتب سابقا في جريدة اليوم ، الرياض ، الراي العام الكويتية.
نشر عددا من المقالات العلمية في فصلية الكلمة
شارك في برامج اذاعية وتلفزيونية متعددة تتضمن مقابلات ومناقشات او تعليقات.
عضو في مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت ، منظمة العفو الدولية – لندن
يجيد اللغتين الانكليزية والفارسية







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق