المجتمع والطائفية والسلطة: رؤية قرآنية
كتبه: المحرر
حرر في: 2012/01/09
التعليقات: 0 - القراءات: 7870

لاختلاف الديني والمذهبي هو سنة إنسانية عرفها المجتمع البشري منذ فجره الأول. ولأن البشر خلقوا على حرية الانتماء لما يختارونه من الأديان والمذاهب، عرف المجتمع البشري الوحدة والاختلاف في الانتماءات الدينية والمذهبية. وقد أدت الوحدة في الانتماء للدين والمذهب بما تتضمنه من الاشتراك في الخصوصيات الدينية، إلى تأطر الأتباع بإطار اجتماعي خاص، وهكذا تشكلت في المجتمع البشري الطوائف الدينية والمذهبية المتعددة.



الشيخ عباس السعيد *
 توطئة
الاختلاف الديني والمذهبي هو سنة إنسانية عرفها المجتمع البشري منذ فجره الأول. ولأن البشر خلقوا على حرية الانتماء لما يختارونه من الأديان والمذاهب، عرف المجتمع البشري الوحدة والاختلاف في الانتماءات الدينية والمذهبية. وقد أدت الوحدة في الانتماء للدين والمذهب بما تتضمنه من الاشتراك في الخصوصيات الدينية، إلى تأطر الأتباع بإطار اجتماعي خاص، وهكذا تشكلت في المجتمع البشري الطوائف الدينية والمذهبية المتعددة.
وليست مشكلة البشر في اختلاف الطوائف الدينية، فالاختلاف الديني والمذهبي بما هو مظهرٌ للحرية الفكرية والدينية وبما يفرزه من تعددية دينية ومذهبية في مكونات المجتمع البشري بطبيعته لا يقتضي صراع الطوائف واحترابها من أجله. إلا أن حاكمية الجشع وسيطرة الأنانيات هي التي حوّلت الاختلافات الدينية إلى خلافات وصراعات طائفية تفتك بالمجتمعات البشرية، وتقسمها إلى طوائف ينهش بعضها البعض الآخر.
وجاء التفسير الديني المُتطرف وأسس ثقافة الطائفية والعصبية والكراهية ضد المُخالف الديني والمذهبي وشيدها على أركان الجهل والتخلف. ومع بروز المدارس التكفيرية التي أشعلت خطابها الطائفي المحموم ضد المذاهب الإسلامية الأخرى، اشتدت حدة الانقسام والصراع المذهبي، وأُضرمت نيران الطائفية لتحرق ما تبقى بين الطوائف من وشائج وروابط.
ومع قيام الدولة الحديثة التي أسست على سيادة القانون ومبدأ المواطنة وما يقتضيه من ضمان كافة الحقوق المدنية
لجميع المواطنين، بلا فارق بين أتباع الديانات والمذاهب المختلفة، تصاعدت وتيرة سياسات التمييز الطائفي التي تفرق بين المواطنين على أساس الاختلاف في الطائفة والمذهب للهروب مما تفرضه الدولة الحديثة من استحقاقات.
وهكذا ثمة تزامن وترابط ينبغي أن يُلحظ بين صعود حركات الإسلام السياسي وتنامي المطالب الإصلاحية، وبين تضخم ظاهرة الطائفية كمشكلة تتصل بالاجتماع السياسي، والتي امتدت رقعتها أفقياً في الأنظمة الحاكمة على العالم العربي والإسلامي وعمودياً حيث تغلغلت في كل الأجهزة الحكومية التابعة لها.
ومع تداخل العنصرين السياسي والديني وترابط المصالح السياسية بالدينية والعكس، أضحى التمييز والصراع بناءً على معيار الطائفية العنوان الأبرز لتوصيف المشهد السياسي والديني في الواقع العربي والإسلامي المعاصر. وهكذا تدخلت الطائفية بما تمثل من قدرة على الاستقطاب والتفريق في صياغة محاور الصراع السياسي الإقليمي بحسب ما يخدم أجندات دولية وإقليمية خاصة.
أولاً: وقفة مع البحث
مشكلة البحث
ثمة جدل عريض في تفسير ظاهرة الطائفية كظاهرة اجتماعية تتصل بالحقل الديني والسياسي. وبينما هنالك اتجاه تفسيري يفترض أن الطائفية نابعة من تعددية الطوائف الدينية والمذهبية وتنوعها، هنالك اتجاه آخر يذهب إلى أن الطائفية هي وسيلة تستثمرها النخب السياسية والدينية والاجتماعية من أجل تحقيق أطماعها في السلطة وحب الرئاسة.
ولا ريب، أن الاضطراب في تفسير الطائفية وتحليلها يؤدي إلى التخبط في مواجهتها والحد منها. وعلى العكس، فإن عملية الضبط والحصر للعوامل والأسباب المؤدية لاشتعال الصراعات والفتن الطائفية يعتبر عاملاً حاسماً في تقويض الطائفية وإنهائها من مجتمعاتنا الدينية والإسلامية.
ضبط المفهوم؛ أنماط الطائفية
وليتمكن الباحث من تفسير ظاهرة الطائفية وتحليل أسبابها ينبغي التفكيك ابتداءً بين نمطين من أنماطها، وهما الطائفية في المجتمع والطائفية في الدولة [2] . إذ أن لكل منهما طبيعته وتفسيره الخاص وأسبابه الفاعلة فيه. والخلط بين أنماط الطائفية أو النظر لها كما لو كانت ظاهرة أحادية النمط سيقود إلى خلط آخر على مستوى التحليل والتفسير. ومن هنا فإن ضبط المفهوم وتحديده يعدُ أولى الخطوات المنهجية التي ينبغي أن يسلكها الباحث في تفسير الطائفية وتحليلها.
وبناءً على التفكيك المتقدم، فإن لدينا نمطين من أنماط الطائفية:
النمط الأول: الطائفية في المجتمع، وهو مبتنٍ على التنوع الديني والمذهبي وما تفرزه العصبيات والأنانيات من صراع واحتراب اجتماعي.
وتبرز الطائفية في هذا النمط بما هي مظهر للانقسام والتشظي والاحتراب الذي يفكك أواصر الوحدة الدينية والاجتماعية. ويمكن القول: أنها هنا من صناعة علماء السوء الذين حرفوا تعاليم الأديان السماوية، وأسسوا ثقافة الإقصاء والعصبية التي تدفع نحو مغالبة الآخر والإساءة إلى عقائده وشعائره ورموزه. وفي هذا النمط تندرج الطائفية كظاهرة إلى الحقل الاجتماعي الديني، حيث يبرز الصراع بين الهويات الدينية الفرعية، وينعكس سلباً على طبيعة العلاقات الاجتماعية.
النمط الثاني: الطائفية في الدولة، وهو قائم على احتكار جماعة معينة للسلطة واستغلال الدين في استقطاب الولاءات وشرعنة الظلم والاستبداد. والطائفية في هذا النمط ليست إلا وسيلة استثمارية تستخدمها النخب السياسية في غمار الصراع على السلطة والحفاظ على المواقع.
وتبرز الطائفية في هذا النمط بما هي سلوك عدواني يعمد إلى إقصاء الطوائف الأخرى من خلال ظاهرها، الذي هو إرادة تعميم القيم الدينية أو المذهبية والانتصار لها، أما باطنها فهو الوصول إلى السلطة والرئاسة والحفاظ عليها، فيكون الظاهر بمثابة الجسر لتحقيق الباطن. وعلى هذا، فإن الطائفية هنا ليست ظاهرة اجتماعية دينية أو اجتماعية صرفة، وإنما هي ظاهرة تنتمي إلى حقل الاجتماع السياسي.
فرضية البحث
استناداً على ما تقدم، يقوم النمط الأول على فرضيتين أساسيتين:
أ: إن تحريف علماء السوء للأديان وللتعاليم الدينية هو الذي يؤسس إلى ثقافة العصبية للدين والطائفة والمذهب، مما يدفع المكونات المذهبية بنخبها الدينية والاجتماعية إلى انتهاك الحقوق المادية والمعنوية للآخر المُختلف.
ب: إن طمع علماء السوء والنخب الاجتماعية الفاسدة في العلو والرئاسة يمثل عاملاً أساسياً في صناعة الطائفية في المجتمع.
أما النمط الثاني فيقوم على عدة فرضيات:
أ: إن السياسة الطائفية التي تتبعها الدولة ليست ناتجة عن تعدد الطوائف والديانات، وإنما هي مجرد وسيلة لاستقطاب الولاء الطائفي للنظام، ولتفريق الجمهور عن خصومه السياسيين.
ب: إن سياسة الطائفية تنتجها السلطة التي تتعصب للقبيلة أو الحزب كمنهجية للمحافظة على وحدتها واستمرارها، ولتبرير الالتفاف على حاكمية الحق والعدالة وانتهاك الحريات وسلب الحقوق المدنية.
ج: إن الطاغوت السياسي يوظف رجالاته في المؤسسة الدينية الرسمية والإعلام الرسمي وسائر أجهزة الدولة لتنفيذ مشروعه الطائفي[3] .
وقد يجتمع نمطا الطائفية في بيئة واحدة فتصبح طائفية مزدوجة ومركبة من الطائفية السياسية التي تمارسها السلطة وتصطبغ بها كل أجهزة الدولة ومن السلوك الطائفي الذي يصنعه الدين المُحرف والفكر المتطرف وأطماع علماء السوء والنخب الاجتماعية الفاسدة.
والمحاور الأساسية في عنوان الدراسة: «المجتمع، والطائفية، والسلطة» تتضمن الإشارة إلى نمطي الطائفية المذكورين، إذ ينبغي التعرض إلى دور المجتمع ودور الطاغوت السياسي في صناعة الطائفية كل على حدا.
غاية البحث وأهدافه
الغاية من هذا البحث هي استجلاء الرؤية القرآنية في تفسير ظاهرة الطائفية وضبط صناعها والعناصر الفاعلة فيها. وستتكفل الدراسة بتحقيق هدفين أساسيين:
أ: بيان التفسير القرآني لظاهرة الطائفية في المجتمع، وإثبات صحة ما أسسناه من فرضيات.
ب: بيان التفسير القرآني لظاهرة الطائفية في الدولة، وإثبات صحة ما أسسناه من فرضيات.
كما سندفع المقولة التي تدعي أن الطائفية هي من صناعة الدين وطبيعته البنيوية.
ثانياً: الطائفية في المجتمع
الطائفية بما هي مظهر للصراع والاحتراب الاجتماعي، ينبغي ملاحظتها من خلال عاملين أساسيين: دور الدين المُحرّف في صناعة العقلية الطائفية والعصبية المذهبية ومسؤولية علماء السوء عنه، والآخر توظيف النخبة الدينية للطائفية من أجل الوصول إلى أطماعها في الرئاسة والسلطة الدينية على المجتمع.
1 - الدين المُحرّف وصناعة الطائفية
الطائفية هي نتاج نظام عقائدي وثقافي مغلق تتم صناعته عبر مراحل، يمكن أن نتصيدها من خلال ملاحظة الآيات التي تعرضت لدور علماء السوء في تحريف الدين وتوظيفه في صناعة الصراعات الدينية. والطائفية كبناء يتأسس على ما يلي:
1. العقلية الإقصائية: وهي تتأسس على ركنين أساسيين: الانغلاق الفكري، وتقديس الانتماء الديني والمذهبي. وإن شئت فقل، هي تتقوم على العقلية المغلقة والأحادية.
ولأن الناس أعداء ما جهلوا، يؤسس الانغلاق الفكري إلى صناعة عقلية عدائية وإقصائية مع الآخر المذهبي، خاصة إذا نُسجت عن الآخر صور مختلقة قائمة على الكذب والتضليل والافتراء.
وقد أشارت آيات القرآن إلى أن ظاهرة الإقصاء والإلغاء مردها إلى الجهل، قال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾، والذي ينشأ من سياسة الانغلاق وعدم الانفتاح على الآخر.
ولأن الجهل وضيق الأفق يمثل أساس العقلية الإقصائية، يعمد علماء السوء والنخبة الدينية إلى إتباع سياسة تجهيل المجتمع وتضليله وفرض حالة الانغلاق الفكري من أجل ضمان بقاء التصورات النمطية عن الآخر الديني والمذهبي.
وهذا ما أشارت له آيات قرآنية في مواطن متفرقة، منها قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾[4] . إذ أنها صرحّت بأن عدم تحمل علماء السوء لمسؤوليتهم في البيان والتزامهم طريق الكتمان والتجهيل كان من أجل المحافظة على امتيازاتهم الذاتية: ﴿ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾.
وهكذا فإن تقديس الانتماء المؤسس على الجهل بما يتضمن من الاعتقاد بامتلاك الحق المطلق، ينتجُ النظر للآخر نظرة دونية قائمة على الإقصاء والإلغاء والتوهين. وقد أشارت بعض الآيات القرآنية إلى تقديس اليهود والنصارى لانتمائهم الديني وإلغاء الآخر: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾[5] ، حيث جاءت تلك الدعوى عند أهل الكتاب لتعبر عن حالة تقديس الانتماء الديني والمذهبي المؤسسة على الجهل، وما تفرزه من إلغاء الآخر وإقصائه.
وقد تعرضت الآيات القرآنية لمشكلة التقديس والعصبية عند أهل الكتاب، في مثل قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾[6] ، وقد أشارت الآيات إلى ما يلي:
أ: نفي قداسة الانتماء المجرد بعيداً عن الإتباع المنهجي: ﴿ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾.
ب: إن الانتماء المنهجي لا يجتمع مع العصبية والتعامل الطائفي مع الآخر: ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾.
وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾[7] ، حيث أشارت الآية إلى أن الثقافة الإقصائية والتي تنتج العصبية هي من صنع علماء السوء، وذلك بحسب ما يدل عليه التعبير: ﴿ الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ ﴾.
وثمة تأثير متبادل بين الانغلاق الفكري وتقديس الانتماء، إذ أن الانغلاق الفكري ينتج الجهل الذي معه يسهُل تصديق إدعاء الكمال. وهكذا يدفع الشعور بقداسة الانتماء الديني والمذهبي إلى الانغلاق إذ لا يرى حاجة للانفتاح على الآخر.
2. الإساءة للآخر وتوهينه في عقائده وشعائره ومقدساته ورموزه: وهي دائماً ما تتكئ على غطاء ديني وثقافة إقصائية تبثها النخبة الدينية لاحتكار الحق في قالبها وتوهين الآخر وإهدار حقوقه الدينية. ولذا نجد أن المذاهب ذات السلوك العدواني تؤسس مشروعها الطائفي على فلسفة إقصائية تبرر ممارسة الإساءة والتحزب ضد الآخر.
وبملاحظة سياق آيتي سورة البقرة «113 - 114» والتأمل في حكمة التقديم والتأخير بين الآيتين الكريمتين، يبدو لي أن فيه إشارة إلى أن السلوك الطائفي دائماً ما يبني شرعيته على ثقافة طائفية وإقصائية.
قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ* وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾[8] .
وهذا المقطع يمثل مشهد الإقصاء والتعصب بين الطوائف الدينية وما ينتج عنه من إساءات واعتداءات طائفية بحق الآخر المُختلف. ونلاحظ أنه بعد أن أشارت الآية «113» إلى مشهد التعصب والإقصاء المتبادل بين اليهود والنصارى، توعدت الآية «114» بعدها الذين يمارسون التضييق والتنكيل لمنع الذكر في بيوت الله ويسعون إلى خرابها وإزالتها، ولعله من حِكم التقديم والتأخير ما ذكر. على أن إساءة كل منهما للآخر المُشار لها في الآية «113» لا تكون إلا في ظل ثقافة متطرفة تحرض على الإقصاء والإلغاء للمُخالف.
والآية الكريمة «26» من سورة الفتح تهدينا إلى رؤى وبصائر في معرفة شخصية المجتمعات الطائفية التي تأخذها الحمية عند الاختلاف، كما ترشدنا إلى معرفة شخصية المجتمعات المؤمنة التي لا يمنعها الاختلاف عن التمسك بمنهج الله.
قال تعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا* إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[9] . ومنها نستوحي البصائر التالية:
1 - قد نسبت الآية الكريمة الجعل إلى الكفار، في قوله تعالى: ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ ﴾ لأن ثقافتهم الجاهلية القائمة على العصبية وتقديس السلف وما عليه الآباء والأجداد هي أساس الحمية والاستكبار على الحق والعصبية على حملته.
وجعلُ القلب ظرفاً ومحلاً للحمية لأنه مركز الأهواء والعواطف وسائر الخصال الأخلاقية من فضائل ورذائل. ومن أشد الرذائل التي تنبت في القلب الأنانية وحب الذات، والتي تمثل الجذر الأساس للعصبية للانتماء والجماعة، والانغلاق على الآخر المُخالف.
وتعبير الآية الكريمة بـ ﴿ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ فيه إشارة إلى أن الحمية والعصبية مردها إلى الجهل والثقافة الجاهلية التي تكرس العصبية والكراهية للمُخالف. والجهل هنا في قبال العقل، حيث غلبة الأهواء وحب الذات والتعصب والتحزب، الأمر الذي يمنع من الانفتاح على الحق ونقد الذات والانتماء، ويدفع نحو العدوان والإساءة للآخر المذهبي في عقائده وشعائره ورموزه. كما يستفاد ذلك من الآية الكريمة «25» وما أشارت إليه من صد كفار قريش للمؤمنين عن المسجد الحرام ومنعهم إياهم عن أداء شعيرة الحج.
2 - وكلمة التقوى التي ألزم الله سبحانه المؤمنين بها هي التي تخرج الفرد من سجن التحزب للانتماء وتحرره من قيود الأنا والحمية والعصبية، فيتمكن من النقد والحوار البناء والتقييم الموضوعي للمذهب والطائفة.
2 - علماء السوء وحب السلطة
تعرض الذكر الحكيم في مواطن متفرقة إلى الدور الذي يمارسه علماء السوء في صناعة الفتن والصراعات الطائفية. وقد أشارت الآيات القرآنية إلى أن إرادة العلو وحب السلطة والرئاسة هي الخلفية الحقيقية التي تدفع علماء السوء لافتعال الصراعات الطائفية.
قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ «31» يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ «32» هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ «33» ﴾ «سورة التوبة/ 31 - 34».
تعرضت الآيات الكريمة المتقدمة إلى السلوك الطائفي والدور السلبي المضاد الذي واجه به أهل الكتاب دين الإسلام وحملته. وأشارت الآية «32» إلى سعيهم لإطفاء نور الله والقضاء على الإسلام ديناً وكياناً، الأمر الذي لا يمكن أن يُتصور بدون صِدام مع حملة الدين الجديد على الصعيد الثقافي والسياسي على السواء. لذا من الطبيعي أن يعمدوا إلى إثارة الشبهات وصناعة العراقيل وحياكة المؤامرات لعلهم يتمكنون من إيقاف مد الإسلام.
أما الآية «33» فقد صرّحت بأن علماء أهل الكتاب كانوا يقفون في خط الدفاع الأول ضد دين الإسلام الذي كان يعرض سلطتهم الدينية إلى الاهتزاز والسقوط. ويتضح السلوك الطائفي عند علماء أهل الكتاب والمُشار إليه في الآيات من خلال التأمل في قوله تعالى: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، وهنا فلنلاحظ ما يلي:
أ: التعبير بالصد يتضمن إشارة واضحة للمنهجية الطائفية التي كانت تتبعها السلطة الدينية الكتابية لمقاومة نور الإسلام، وعُبّر عنه بالفعل المضارع ﴿ يَصُدُّونَ ﴾ للإشارة إلى مساعيهم المستمرة من أجل منع مجتمعاتهم عن الدخول في الإسلام.
ولأن اعتناق أهل الكتاب لدين الإسلام وانضوائهم تحت حكومته العادلة يقوض كيان السلطة الدينية الكتابية من القواعد، أصبح الصراع الذي يخوضه علماء السوء من أهل الكتاب مع الإسلام صراعاً على الوجود، وأصبح صد الناس عن اعتناق الإسلام الوسيلة التي تمد سلطتهم بالاستمرار والبقاء.
ب: إن صد أهل الكتاب عن الدخول في الإسلام لا يتأتى إلا بحربٍ إعلامية طائفية مُضللة ضد الدين الجديد وضد حملته. ومن الملاحظ أن كل حملة طائفية تناهض المد المذهبي للآخر المُختلف تستهدفه على محورين:
أولاً: الهجوم الطائفي على ذات الدين أو المذهب: وهذا يبتني على الكذب والتزييف والاختلاق وإثارة الشبهات حول عقائده ومبادئه وشعائره الخاصة لصرف المجتمع عن التوجه إليه.
ثانياً: الهجوم الطائفي على حملته: وذلك من خلال الكذب عليهم واستهدافهم إعلامياً من أجل إسقاطهم وصرف الناس عنهم.
وقد استغل علماء أهل الكتاب مكانتهم الدينية وعملوا على الاستخفاف بالمجتمع وتجهيله للوصول إلى السلطة والرئاسة والإمساك بمقام السلطة التشريعية. ولهذا أشارت الآية «31» إلى أن أهل الكتاب أسلموا رقابهم في حقل التشريع والسياسة إلى علماء السوء بدلاً من الخضوع لله سبحانه وشريعته: ﴿ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾. كما أشارت الآية «33» إلى استغلال علماء أهل الكتاب لمكانتهم الدينية في أكل أموال الناس بالباطل: «َّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾.
ومن هنا، فإن السلوك الطائفي الذي ظهر به علماء أهل الكتاب كانت له أجندة معلنة وأخرى غير معلنة. أما المعلنة فهي حماية العقيدة والدفاع والذود عنها من كل الأخطار، وأما غير المعلنة فهي المحافظة على عرش السلطة الدينية وما كان توفره لهم من امتيازات تشريعية وسياسية ومالية.
ثالثاً: الطائفية في الدولة
تتبع الأنظمة السياسية الدكتاتورية سياسة الطائفية كوسيلة لحماية العرش من السقوط والاهتزاز، وتجنّد لذلك نخبها الدينية والسياسية. وبحسب التتبع والاستقصاء القرآني، فإن استغلال الطائفية لتحقيق أهداف سياسية قد أسند في الآيات القرآنية إلى ثلاث جهات أساسية:
1. الطاغوت السياسي.
2. الملأ.
3. السلطة الدينية الفاسدة وعلماء السوء.
وليس من شكٍ، أن طاغوت السياسة هو الصانع الأبرز من بين صناع الطائفية، لما يمتلكه من مال وإعلام ونفوذ وإمكانيات مادية. وكلما كان الطاغوت أكثر خبثاً ودهاءً ونفوذاً، كلما استطاع تجنيد صناع وفواعل الطائفية واستعمالهم استعمال الملك للجنود والسيد للعبيد. وحينها سيكون إسناد الطائفية إلى الطاغوت السياسي على نحو الحقيقة، وإلى غيره على نحو المجاز.
1 - الطاغوت السياسي واستغلال الدين
أشار القرآن الكريم إلى منهج الطاغوت في استثمار الدين وتوظيفه لتحقيق أجندة سياسة خاصة. قال تعالى: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ﴾[10] . ومن خلال التدبر في الآية الكريمة نستخلص ما يلي:
1. إن الطاغوت قد يواجه من عصبته من يخالفه في اللجوء إلى القمع وسفك الدماء والفتك بالمعارضة. وهنا يضطر إلى توظيف الدين والاختلافات الدينية في إقناع العصبة بالخيار العسكري. والظاهر أن هنالك من عصبة فرعون من كان يعارضه في قتل نبي الله موسى ، بحسب ما يظهر من قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ﴾.
2. يبدو أن خطاب فرعون كان موجهاً لبعض الكهنة أو الوجوه البارزة من عصبته المنتفعة من بقاء المعتقدات الدينية الباطلة على حالها. ومن هنا أراد فرعون استثمار أطماعها واستعدادها للمتاجرة بالدين لتقف معه صفاً واحداً ضد الدين الجديد الذي يهدد سلطتهما معاً. وتعبير الآية الكريمة على لسان فرعون ﴿ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ يظهر إرادته في توظيف الدين من أجل تحقيق أمرين أساسيين:
ا: الشحن المذهبي والتعبئة الطائفية، ونسبة الدين للعصبة المُخاطبة في قوله: ﴿ دِينَكُمْ ﴾ يشعر بهذا المعنى. ومن الواضح أن فرعون لم يكن حريصاً على الدين، بيد أنه أراد من خلال إظهار حرصه الكاذب على الدين استثمار العصبية الطائفية عند قومه وتأجيج مشاعرهم، ليتمكن من خلال الاتكاء على العصبية من تأليبهم على نبي الله موسى .
وكلما كانت العصبة المنتفعة بالدين أكثر عصبية لدين السلف والآباء والأجداد، كلما كان أسهل على الطاغوت استخدامها في صراعاته مع حركات التحرر. والأسهل من ذلك حينما تلتقي أطماع طاغوت السياسة مع أطماع السلطة الدينية في حب التسلط والهيمنة على المجتمع. وعلى هذا، فإن الطاغوت لا يتمكن من تفعيل سلاح الدين في صراعاته مع رسالات الأنبياء وحركات التحرر لولا الزمرة الفاسدة التي يستعملها لإثارة عواطف الجهلاء والبسطاء من الناس.
ب: تبرير القمع والإرهاب الدموي، والذي غالباً ما يلجأ إليه الطغاة قبل كل هجمة عسكرية. فالطاغوت مهما بلغ من درجات الطغيان والإفساد، هو لا يستغني عن الغطاء الديني ليمارس بطشه وإرهابه ضد كل من يهدد عرش السلطة.
3. حتى يحافظ الطاغوت السياسي على مشروعه في العلو والاستكبار، هو بحاجة إلى الطائفية في أمرين أساسيين:
أ: الاستقطاب: حيث أنه في لحظات التزاحم أو الصراع على المواقع والمناصب، لا يستغني الطاغوت وكل الطامعين في العلو عن استقطاب مزيدٍ من الأتباع لحماية مواقعهم من أي سقوطٍ أو اهتزاز. وتلعب الطائفية دوراً حيوياً في الاستقطاب، من خلال إثارة الحمية والعصبية للانتماء الديني والمذهبي.
ولا غنى للطاغوت عن الخداع والتزييف من أجل أن ينجح في إثارة عصبية الجماهير وتحريكهم نحوه، فما يفتأ ينفث سمومه وأكاذيبه فيصور تعرض الدين والمذهب والطائفة لحرب إبادة حقيقية ينفذها خصومه السياسيون. قال تعالى: ﴿ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى *قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى *فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى *قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴾[11] . وهكذا تصبح الطائفية أفضل الأسلحة وأقواها في التجييش والاستقطاب.
ب: التفريق: إذ أن الطاغوت وكل الطامعين في العلو والسلطة لا يحافظون على ما لديهم من امتيازات ذاتية إلا بعزل الخصوم وإسقاط ما لديهم من رصيد في المجتمع. والطائفية هي السلاح الذي يمكنهم من عزل من يصارعهم أو يزاحمهم على مواقعهم وامتيازاتهم الذاتية من خلال قدرتها على استدعاء بؤر الخلاف والتوتر وتفعيل مشارط الانقسام ونكأ الجراح المندملة، ومن ثمّ إعادة إشعال نار الحقد والكراهية المدفونة تحت الرماد. وهكذا تصبح الطائفية أفضل وسيلة إعلامية للتفريق والتعبئة ضد الخصوم.
ونظراً لما تقدمه الطائفية من دور في الاستقطاب والتفريق، دأبت الأنظمة السياسية الجائرة على شهر سلاح الطائفية مع كل صراع وأزمة سياسية، فتجند لذلك الإعلام وعلماء البلاط وأنصاف المثقفين لتتمكن من تجييش الجهلاء والبسطاء وتحشيدهم لتضييق الخناق وتضييع الخيارات السياسية على المعارضة.
ويبقى وعي المجتمع بالدوافع الحقيقية للطائفية عنصراً حاسماً في معادلات الصراع على المواقع والامتيازات، ذلك لأن الطامعون في الرئاسة لا يتمكنون من إمرار أجنداتهم الخاصة إلا عبر استغلال الجهال والركوب على ظهور البسطاء. قال تعالى: ﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ *أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ *فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ *فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾[12] .
2 - العصبية بديلاً عن الحق والعدالة
قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾[13] . تعتبر الآية المتقدمة من غرر الآيات التي أشارت إلى منهج الطاغوت في التقسيم والتمييز الطائفي وتوظيفه لتحقيق أهداف سياسية. وهي قد اختزلت الملامح السياسية للحكم الفرعوني في عدة أسس:
1. التقسيم الطائفي:
اعتمد النظام الفرعوني سياسة تقسيم المجتمع إلى فرق وطوائف متناحرة: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾. ذلك لأن تحقيق الطاغوت لمشروعه " العلو في الأرض" يتوقف على ظروف ثقافية واجتماعية خاصة تساعده في تحقيق أطماعه في احتكار السلطة والاستئثار بالاقتصاد. ولهذا يبادر الطاغوت في بث ثقافة طائفية تقسم المجتمع إلى طوائف عالية وأخرى سافلة ودانية من أجل تفكيك المجتمع وإشغاله بالصراعات الداخلية.
ولذا بعد أن ابتدأت الآية القرآنية ببيان مشروع فرعون الإستكباري ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ ﴾ أعقبت ذلك مباشرة بسياسته في تقسيم المجتمع إلى طوائف ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾. وليس من شكٍ أن التنوع الطائفي هو سنة اجتماعية نابعة من حقيقة الاختلاف بين البشر، إلا أن حالة الصراع والتناحر بين الطوائف المتعددة هي من صناعة الساسة وأصحاب المآرب الشخصية.
ويعد التقسيم الطائفي وسيلة أساسية يستخدمها الطاغوت لتحقيق عدة أهداف:
أ: تشتيت قدرات وإمكانات الأمة واستنزافها في الخلافات الطائفية، لإبعادها عن مواجهة الفساد السياسي.
ب: إشغال الأمة عن المعارضة السياسية بالسجالات البينية والصراعات الجانبية، حيث يصنع الطاغوت لكل طائفة عدواً من الطوائف الأخرى تنشغل بالصراع والسجال معه.
ج: منع الطوائف من تشكيل ائتلافات مناهضة لسلطته.
2. ممارسة التمييز الطائفي
بعد أن نجح النظام الفرعوني في تقسيم المجتمع المصري إلى طوائف، انتهج سياسة التمييز والاستضعاف لفئات اجتماعية خاصة بناءً على معيارية الانتماء الطائفي، ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ ﴾. ذلك لأنه ليمارس النظام الدكتاتوري سياسة التمييز والتهميش ضد طائفة بعينها، هو بحاجة إلى مبررات تصنع الطبقية بين الطوائف، وتجعل من ممارسة التمييز مقبولاً عند الطوائف الأخرى.
ومن هنا يوظف الطاغوت الاختلافات الدينية والمذهبية في شق الصف، وليتمكن من ممارسة التمييز والتهميش لطوائف معينة وإبعادها عن المشاركة في صناعة القرار السياسي. ولهذا لم تشر الآية الكريمة المتقدمة إلى أن فرعون مارس التمييز الطائفي: ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ ﴾ إلا بعد أن أشارت إلى تقسيمه للمجتمع إلى طوائف: ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ﴾.
3. العصبية للحزب الحاكم
إن تقسيم المجتمع إلى طوائف عالية وأخرى سافلة ودانية هو الذي يؤسس لنظام سياسيٍ قائم على حكم العصبة، حيث يتعصب الطاغوت بالطائفة التي يصنفها بأنها عالية، ويجعلها له كالحصن. أما الطائفة التي ينظر لها بأنها أدنى فمصيرها التمييز والاستضعاف الطائفي.
وكان الحكم الفرعوني قائماً على حكم العصبة، واستئثار طائفة اجتماعية بكل مواقع الحكم وامتيازاته دون غيرها من الطوائف. ويستفاد ذلك من خلال التدبر في الآية بوضوح، إذ لا يمكن ممارسة التمييز على طائفة واستضعافها إلا بطائفة أخرى تحتكر السيادة والقوة والمال والنفوذ. إذ أنه بدون الاحتكار وتجريد الخصم من أسباب القوة، فإن طبيعة العلاقة تصبح من باب صراع الأنداد، وليس من باب استضعاف القوي للضعيف.
4. البطش والإرهاب الدموي
دأب النظام الفرعوني على ممارسة القمع والإرهاب ضد الطوائف المخالفة لحكمه وطائفته، ﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ ﴾، إذ أنه بعد أن ينجح الطاغوت في تقسيم المجتمع بمشارط الطائفية، يبدأ بممارسة الإرهاب والتنكيل بمن يخالفه. وعلى هذه اللبنات الأربع تتأسس منظومة الفساد التي يمارسها كل طاغوت.
3 - رجالات الطاغوت والطائفية
لا يتمكن النظام السياسي الدكتاتوري من تحقيق مشروعه الطائفي إلا بتعميم ثقافة الطائفية وتحويلها إلى منطق يتحكم في طبيعة العلاقات بين الفرقاء الدينيين والمذهبيين. وهنا نلاحظ جهتين أساسيتين ينفذ الطاغوت السياسي من خلالهما مشروعه الطائفي:
1. الملأ
ويتكئ الطاغوت في إرساء قواعد المنطق الطائفي وتعميمه على عصبته وزمرته الفاسدة، والتي تقابلها كلمة " الملأ" في تعبيرات القرآن على ما يبدو. والملأ "اسم للأشراف، لأنهم يملؤون القلوب هيبة، والأنظار زينة ونظارة[14] ". قال تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴾[15] ، إذ أن الزينة التي آتاها الله سبحانه فرعون وملأه تعبيرٌ عن الجاه وأسباب القوة التي تملأ القلوب هيبة والأنظار بهاءً وجلالاً.
ولأن الامتيازات الذاتية للملأ مستمدة من وجود النظام السياسي الدكتاتوري ومرتهنة ببقائه، يتقمص الملأ المنطق الطائفي طوعاً وكرهاً ويحتفظ به كأهم الخيارات لحماية عرش الطاغوت من السقوط والاهتزاز.
وقد أشارت آيات قرآنية متعددة إلى الدور الأساس الذي يمكن أن يلعبه الملأ في صناعة الطائفية وممارسة التمييز ضد الآخر الديني والمذهبي لتحقيق أجندة سياسية. ويتضح ذلك بملاحظة الآيات القرآنية التي تعرضت إلى الدور الذي لعبه ملأ فرعون في صراع نبي الله موسى والمجتمع الإسرائيلي ضد النظام الفرعوني.
والآيات الكريمة ترشدنا إلى أن دور الملأ لا يتوقف على تنفيذ مشروع التقسيم الطائفي للنظام الديكتاتوري، وإنما يمكن أن يمارس دور التحريض الطائفي والتعبئة السلبية، كما يشير لذلك قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾[16] ، ويظهر من الآية إتباع الملأ لمنهج التحريض الطائفي ودفع فرعون للخيار العسكري والإفراط في استخدام القوة كمطية لحماية العرش والحفاظ على امتيازات السلطة.
وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ *فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ *قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ *قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ *وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ *فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ *فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ *وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ *فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾[17] . ونستوحي من الآيات الكريمة المتقدمة ما يلي:
أ: إن جعل المقابلة بين موسى وهارون «عم» وبين فرعون وملئه، وكذا إسناد الآيات الإجرام لهما في ذيل قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ﴾ يظهر منه أن ملأ فرعون لم يكونوا مجرد هيئة استشارية، وإنما كانوا يمثلون مُكوناً أساسياً في بنية النظام وسياسته الطائفية ضد بني إسرائيل. والظاهر أن موقع ملأ فرعون يقترب من موقع الوزراء في النظام السياسي المعاصر.
ب: كشفت هذه الآيات القرآنية الخلفية الحقيقة التي دفعت فرعون وملأه إلى إظهار الحرص على الدين واللجوء إلى خيار المواجهة الطائفية مع نبي الله موسى وبني إسرائيل، إذ قال تعالى: ﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾[18] ، إذ يظهر من مقالتهم وحرصهم الكاذب خوفهم من إسقاط النظام الفرعوني.
وأيضاً أشارت الآيات القرآنية إلى ذلك في موطنٍ آخر، فلاحظ قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ *إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ *فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴾[19] ، إذ أنها صرّحت على لسانهم بأن التكذيب وما تبعه من الصراع والمواجهة الطائفية لم يكن إلا لحماية عرش السلطة السياسية والتي مكنتهم من استعباد بني إسرائيل وإذلالهم.
وقد أشارت خاتمة الآيات الكريمة المتقدمة إلى دور الملأ في ممارسة الانتهاكات الطائفية لثني بني إسرائيل عن الالتحاق بالحركة الرسالية التي قادها نبي الله موسى لإسقاط النظام الفرعوني، إذ جاء فيها: ﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾.
2 - علماء البلاط
إذا كانت الأنظمة السياسية هي الأقدر على صناعة الطائفية نظراً لما تتيحه لها السلطة من إمكانيات ونفوذ، فإن السلطة الدينية تتفوق على غيرها من صناع الطائفية في جدارتها في تمثيل الدين والحديث باسمه. ولأن الموقع الرسمي الذي تتبوؤه السلطة الدينية يمنحها القدرة على الجذب والاستقطاب، أصبحت سلطة الدين في معرض التوظيف والاستغلال من قبل الطاغوت السياسي. ومن هنا، دأبت الأنظمة السياسية الدكتاتورية على توظيف سلطة الدين والعلم في تحقيق أهدافها وأجندتها السياسية ضد الخصوم.
ويوظف النظام السياسي الدكتاتوري ما لديه من ثروات وإمكانات مادية في استقطاب المرتزقة من العلماء إلى بلاطه، لاستغلال سلطة الدين والعلم في استقطاب وتفريق الجماهير مع كل صراع وأزمة سياسية. وقد أشارت الآيات القرآنية إلى توظيف فرعون لسلطة العلم التي كان يتبوأها السحرة في صراعه الطائفي السياسي مع نبي الله موسى .
قال تعالى: ﴿ قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ *يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ *قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ *يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ *قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾[20] .
ومن هذه الآيات نستوحي ما يلي:
أ: إن العلاقة بين علماء السوء والنظام الطاغوتي قائمة على تبادل المصالح. ولذا نجد أن تقديم السحرة الدعم والتأييد والولاء للنظام الطاغوتي الفرعوني كان مشروطاً بالأجر، وهكذا استثمر النظام الفرعوني ثروات الدولة ومناصبها لاستقطاب المرتزقة من العلماء وتجنيدهم ضد خصومه السياسيين. إذ أن مواجهة النظام الفرعوني لحركة نبي الله موسى وإن كانت تتلبس بالصورة الدينية وصورة الصراع بين الطوائف، إلا أنها في جوهرها كانت لأهداف سياسية.
ب: يمثل تعرض عرش الطاغوت إلى الاهتزاز في الأزمات السياسية فرصة استثنائية لعلماء السوء للوصول إلى أطماعهم في التقرب من بلاط السلطة. وهنا لا يتردد علماء السوء في استخدام سلطة العلم والدين من أجل تعميق التحالف مع النظام الدكتاتوري، والمشاركة في مشروعه في الصراع والتمييز الطائفي.
ج: يكمن دور علماء السوء الأساس في الصراعات الطائفية في التضليل وصرف الرأي العام واستعمال سلطة العلم والدين في التزييف وتغيير الآراء والقناعات بحسب شهوة السلطان. قال تعالى: ﴿ قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ *يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ*قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ* يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ*فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ* وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ* لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ﴾[21] .
وإذا كان السحرة قد لجئوا إلى السحر من أجل التضليل وصرف الرأي العام لمصلحة النظام الفرعوني، فإن علماء البلاط اليوم قد يستخدمون سلاح التكفير والإفتاء ونشر العصبية وثقافة الكراهية لتحقيق الأجندة السياسية الخاصة للأنظمة الحاكمة.
وحينما تغلب على المجتمع روح العصبية وثقافة الكراهية والحمية الجاهلية التي تكرسها النخب الدينية وعلماء السوء للمحافظة على مواقعهم في بلاط السلطة، يسهل على السلطة السياسية إشعال نار الفتنة الطائفية كلما اشتدت وتيرة الصراع مع الخصوم.
رابعاً: موقف الإسلام من الطائفية
مع أدنى مراجعة لآيات القرآن يتضح دور الدين في محاربة الطائفية والتأسيس لثقافة التعددية والاعتدال في التعامل مع الاختلافات الدينية. قال تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ *وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ *فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾[22] . وبعد التدبر في الآيات الكريمة المتقدمة نستوحي ما يلي:
1 - شرع الله سبحانه للبشرية ما يوحدهم ويجنبهم الخلاف والصراع، وجعل من وحيه ووصاياه لأنبيائه العظام إقامة الدين وعدم التفرق فيه. وإقامة الدين الذي هو ضمانة الوحدة ليس إلا الاجتماع على قيمه ومبادئه وتطبيقها على كل البشر على اختلاف لغاتهم وقومياتهم وأعراقهم.
وإذ تؤكد الآية القرآنية على وحدة دين الله، تنفي أن يكون تعدد الرسالات الإلهية واختلافها في بعض الجزئيات التطبيقية قادحاً في وحدة الدين الواحد الحق، حيث مع ذلك تبقى الرسالات الإلهية واحدة في أسسها وأصولها.
ولأن الدين ينشد توحيد المجتمع البشري على القيم والمبادئ الإلهية، فإنه ينبذ الاختلاف فيه وتفرق أتباعه إلى طوائف متصارعة ومتناحرة. وتعبير الآية القرآنية: ﴿ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ إشارة إلى أن الدين قد تصل إليه يد التحريف فيُجعل مادة للصراع والانقسام. وعلى هذا، فإن الخلافات الدينية والصراعات الطائفية ليست من صناعة الدين، وإنما هي من صناعة المنتسبين للدين. وهذا البيان القرآني هو إعلانٌ صريحٌ ونداءٌ بصوت عالٍ لكل البشرية عن براءة الدين الإلهي من الطائفية التي يمارسها المنتسبون له. وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في مواطن شتى، راجع: «سورة آل عمران/103 - 105»، «سورة الأنعام/159»، «سورة الأنفال/46»، «سورة الروم/ 31 - 32».
2 - إن حالة الطائفية التي تظهر عند المنتسبين للدين أولاً وبالذات هي ليست أزمة معرفية منشؤها الجهل بما عند الآخر المختلف، وإنما هي في المقام الأول مشكلة نفسية مردها إلى عقدة الأنا وحب العلو والتي هي منشأ الظلم والبغي والحسد والتجاوز على الآخر. وهذا ما يشير له قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾.
وقد أشارت لذلك آيات قرآنية في مواطن شتى، راجع «سورة البقرة/109»، «سورة البقرة/213»، «سورة آل عمران/19»، «سورة آل عمران64»، «سورة الجاثية/16 - 17». وأيضاً أشارت آيات قرآنية أخرى إلى أن الطائفية مردها إلى الطمع في الوصول إلى المكاسب الشخصية والامتيازات الذاتية، راجع «سورة النساء/ 51 - 53»، «سورة النساء/94».
ولأن عقدة الأنا وحب العلو غالباً ما تتضخم عند أصحاب السلطة وعند من يمتلك نفوذاً اجتماعياً، أصبح هنالك نحو من الارتباط الوجودي بين الطائفية وبين أصحاب النفوذ والسلطة. ولهذا تتلون السلطة التي تتوجه إليها أطماع فواعل وصناع الطائفية إلى اجتماعية أو دينية أو سياسية، بحسب الصنف الاجتماعي الذي ينتمي إليه الفاعل.
ولهذا نستطيع القول: أن فواعل وصناع الطائفية في الجملة هم يشتركون مع بعضهم البعض في هدف جامع وهو البحث عن العلو والسلطة على المجتمع.
والآية القرآنية المتقدمة تمثل بصيرة في النظر إلى الفتن الطائفية والصراعات الدينية، إذ أنها تكشف النقاب عن الدافع الأساسي لكل الصراعات التي تتلبس بلباس الدين والعقيدة، والذي يتمثل في حب العلو والطمع في السلطة والرئاسة، أما اللباس الديني والمذهبي للصراع فليس إلا مطية من أجل تحقيق أجندات ذاتية وشخصية.
3 - في سياق الحديث عن دور الدين في تكريس الوحدة والاستقرار الاجتماعي، أكدت الآيات القرآنية محل البحث على أن تعامل الإسلام مع أهل الكتب قائم على عدة ركائز:
أ: إن تعامل الإسلام مع أهل الكتاب ليس قائماً على التمييز والتهميش لاعتبارات طائفية، وإنما هو قائم على القسط والعدالة وحفظ الحقوق: ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾، "سواءً في القضاء والحكم، أو في الحقوق الاجتماعية، أو القضايا الأخرى"[23] . وعلى هذا، فإن تعامل الإسلام مع الآخر المختلف قائم على التفكيك بين الاعتقاد ومدى تطابقه مع الحق الزلال الذي جاء به وبين ضمان الحقوق للمُخالفين الدينيين والمذهبين.
ب: إن الإسلام لا يغرق في الاسترسال مع الاختلافات الدينية ويتغاضى عن المشتركات: ﴿ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾.
ج: إن الإسلام كفل للآخر المُختلف حرية الاعتقاد، على أن يتحمل مسؤولية اختياره: ﴿ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾.
د: لأن قبول الحق لا ينفع إلا من قبله ولا يضر إلا من رفضه وأعرض عنه، فإن الإسلام لا يلجأ إلى الخصومة مع المُخالف من أجل إكراهه على قبول الحق[24] : ﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾.
ه: إن الإسلام لا يُمارس دور الوصاية مع المُخالفين له في الدين والاعتقاد، وإنما يرجئ محاسبتهم إلى الله سبحانه: ﴿ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾. وهكذا يؤسس القرآن ركائز الاستقرار والتعايش بين الفرقاء في الدين والمذهب على أساس العدالة والحرية وعدم التغاضي عن المشتركات الدينية والإنسانية.
وقد يقال: إن التفسير الديني القائم على ثنائية الحق والباطل هو المسؤول عن صناعة الطائفية، لكونه يبتني على عنصر الحسم وحصر الحق في قالبٍ خاص يحتكره، ومن ثم رفض تعددية الفهم والتفسير الديني، الأمر الذي يؤسس للعصبية ضد الآخر المختلف. وبكلمة موجزة، إن قدسية الفهم الديني هي المسؤولة عن إشعال فتيل الخلافات الدينية والفتن الطائفية. وعليه يكون التخلي عن قدسية التفسير الديني الخاص في قبال التفسيرات الدينية الأخرى هو صمام الأمان وضمانة الاستقرار الاجتماعي.
إلا أن هذه المقولة وأشباهها تتضمن خلطاً واضحاً بين الطائفية وما تعنيه من انتهاك حقوق الآخر المختلف وبين الاعتقاد بانحصار الحق في مذهب خاص، إذ لا يلزم من الأخير التعامل مع الآخر المختلف على أساس طائفي.
مضافاً إلى أن الدين قد تكفل بصيانة الحقوق لكل المخالفين في الدين أو المذهب، وهذا ما أكدته الآية القرآنية محل البحث، وأكده القرآن في مواطن متفرقة، راجع: «سورة البقرة/ 139»، «سورة المائدة/ 42»، «سورة المائدة، 48»، «سورة التوبة/6»، «سورة سبأ/24 - 26»، «سورة الحجرات/ 13».
خاتمة
وختاما؛ فإن هذه الإطلالة القرآنية على ظاهرة الطائفية وصنّاعها استهدفت التفكيك بين نمطين من أنماطها، وقدّمت لكل منهما تفسيراً خاصاً يميزه عن الآخر. على أنّ التفكيك المتقدم، والذي تكفلت الدراسة ببيانه يعتبر خطوة إستراتيجية تُمهّد لرسم الخطوط العريضة لعلاج ظاهرة الطائفية من الجذور، كما أنه يمثل ضرورة ماسة لتقييم المنتجات الثقافية العلاجية.
واستناداً على ما تقدم، فإن الكشف عن الدوافع الحقيقية المختبئة والأجندة غير المعلنة وراء مشهد الصراع الطائفي القائم يساهم في إعادة تشكيل وعي ومواقف المجتمعات العربية والإسلامية، ويعيد تموضعها في مسارٍ جديد يمنع الطامعين في السلطة والرئاسة من المتاجرة بالدين وتحقيق أهدافهم الشخصية على حساب مصالح الأمة.




[1] دراسة طرحت في مؤتمر القرآن بسيهات، سنة 1432ه

[2] نقد مفهوم الطائفية، برهان غليون، مجلة الآداب البيروتية كانون الثاني 07

[3] راجع: نقد مفهوم الطائفية، برهان غليون، مجلة الآداب البيروتية كانون الثاني 07.

[4] سورة آل عمران، 187

[5] سورة البقرة، 111

[6] سورة البقرة، 135 - 136

[7] سورة آل عمران، 23 - 24.

[8] سورة البقرة، 113 - 114

[9] سورة الفتح، 25 - 26

[10] سورة غافر، 26

[11] سورة طه، 60 - 63.

[12] سورة الزخرف، 51 - 54.

[13] سورة القصص، 4.

[14] تقريب القرآن للأذهان، ج2، ص546، آية الله السيد محمد الشيرازي «قده».

[15] سورة يونس، 88

[16] سورة الأعراف، 127

[17] سورة يونس، 75 - 83

[18] سورة يونس، 78.

[19] سورة المؤمنون، 45 - 47

[20] سورة الأعراف، 109 - 114

[21] سورة الشعراء، 34 - 40.

[22] سورة الشورى، 13 - 15

[23] الأمثل، ج15، آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ص320

[24] من هدى القرآن، ج8، آية الله السيد محمد تقي المدرسي، ص364







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد



ارسل لصديق