إدارة التنوع المذهبي في السعودية
كتبه: جعفر الشايب
حرر في: 2013/03/01
التعليقات: 1 - القراءات: 6435

إن مسألة التعددية المذهبية في المملكة العربية السعودية مسألة مطروحة منذ تأسيس الدولة.

جعفر الشايب *
فالمملكة تتميز بتنوع مذهبي متعدد وتحتضن بين جنباتها سبعة مدارس فقهية ومذهبية إسلامية. إلا أن إدارة هذا التنوع شابها الكثير من الإشكالات المختلفة. فقد كان من المفترض أن تسهم التعددية المذهبية في السعودية، لو قيضت لها البيئة الفكرية والثقافية المناسبة، في إيجاد حالة من التفاعل والانسجام الاجتماعي والتنوع المعرفي في الدائرة الإسلامية؛ إلا أن ذلك لم يحصل مطلقا بل تحول هذا التنوع الى مصدر تأزم بسبب سيادة ثقافة أحادية تمثلت في تشدد وإقصاء ثم تكفير، انعكس على علاقة أتباع هذه المذاهب ببعضهم البعض بصورة سلبية للغاية.
وحرصاً منه على استقرار الحكم في مرحلة التأسيس، أقر مؤسس الدولة الملك عبد العزيز آل سعود نهجاً اتسم بالإيجابية تجاه هذه الأطياف المذهبية المتنوعة من خلال إطلاق الحريات الدينية لأتباعها في مقابل ضمان الولاء السياسي للدولة. وتم ذلك رغم الممانعة الشديدة للقيادات الدينية الوهابية المتشددة والمتحالفة معه حينها. 
ولكن هذا الوضع لم يستمر، فقد تم اعتماد النمط المتشدد والمحافظ من المذهب الحنبلي السني كمذهب رسمي للدولة، وسيطرت شخصياته على جميع المراكز الدينية والقضائية والتعليمية، إضافة إلى عدم وجود اعتراف رسمي بواقع التعدد المذهبي في السعودية وغياب أية لوائح تنظيمية في هذا الخصوص. وقد أدى ذلك كله بطبيعة الحال إلى بروز توترات اجتماعية وشعور بالتهميش والإقصاء من قبل أتباع بقية المذاهب الإسلامية. وفي مراحل لاحقة، تصاعدت حدة التوترات المذهبية نتيجةً لتغييب جميع المدارس المذهبية الأخرى التي تخالف المذهب الرسمي - بما في ذلك المذاهب السنية – واتخاذ إجراءات متنوعة اتسمت بالتعسف والتشدد ضد المذاهب الأخرى كتقييد حرية ممارسة الشعائر الدينية، وبناء دور العبادة، وازدراء المعتقدات وتهوينها، والشحن المذهبي في الإعلام ومناهج التعليم. ولئن ركزت بذلك على الشيعة، إلا أن أثرا بالغا انصب على العلاقات الداخلية ضمن المدرسة الواحدة في الدائرة الإسلامية إجمالاً.
لكل ذلك، ولأسباب أخرى كثيرة، كتشجيع الجدل التاريخي والمذهبي الذي أشعل فتيله المتشددون من هذه الأطراف، وكنمو حالة الهيجان المذهبي والطائفي في المنطقة بسبب التحولات السياسية المتسارعة، فقد تحولت التعددية المذهبية في المملكة إلى أزمة حقيقية بين مختلف الأطراف. وأصاب التواصل بين هذه الأطراف فتور تركز في توتر العلاقات بين الشيعة والسنة والسلفيين، وانحسار العلاقات المتبادلة بينهم، وضعف الأنشطة الثقافية والاجتماعية المشتركة.
تهدف هذه الورقة إلى مراجعة قضية التعددية المذهبية في المملكة من الناحية التاريخية والاجتماعية، وأنماط التعاطي معها سياسيا وإداريا، والتطورات التي شهدتها العلاقة بين أتباع المذاهب الإسلامية، والبرامج والمبادرات التي تبلورت نتيجة التحديات التي واجهتها، إضافة لبحث نتائج مثل هذه المبادرات والآثار المترتبية عليها، وكذلك عرض لتوصيات ومقترحات لإدارة التنوع المذهبي في المملكة بصورة أفضل. 

نبذة تاريخية وجغرافية

تتميز المملكة العربية السعودية باتساعها الجغرافي وتنوع مناطقها تاريخيا وتمتع كل منها بخصوصيات ثقافية متمايزة عن بعضها بالإضافة إلى قرب المملكة الجغرافي من دول مجاورة عديدة. كما تحتضن أراضيها أبرز المراكز الدينية الإسلامية وخاصة في المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة. ولكل هذه الأسباب، فقد أصبحت السعودية حاضنة للعديد من المذاهب الإسلامية المختلفة طوال تاريخها.
والمطلع على خارطة المملكة المذهبية يجد أن هنالك سبعة مذاهب إسلامية فيها هي المذهب المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي والزيدي والإمامي الإثنا عشري والإسماعيلي. هذه المذاهب تتوزع في أربع مناطق تاريخية رئيسية. ففي المنطقة الوسطى )نجد(، يكثر أتباع المذهب الحنبلي وينتهج أكثرهم قراءة سلفية وهابية.
وتمثل هذه المنطقة عماد المذهب الرسمي للدولة وتقلد أبنائها مناصب الدولة الرئيسية والقضاء والتعليم الديني.
وفي المنطقة الغربية )الحجاز(، فتتواجد أغلبية مالكية وشافعية وتفرعاتها من بعض الجماعات الصوفية، فضلا عن أقليات أخرى تتضمن الشيعة الإمامية والكسائية. أما المنطقة الجنوبية من المملكة )عسير ونجران وجازان(، ففيها خليط قبلي ومذهبي متنوع، وتقطنها أغلبية ترجع للمذهب الشيعي الإسماعيلي، وكذلك الشوافع وأتباع المدرسة الحنبلية أيضا. أما المنطقة الشرقية، وتشمل تاريخيا القطيف والأحساء إضافة إلى مدنها الحديثة، فتقطنها أكثرية شيعية من أتباع المذهب الإمامي الإثنا عشري بتفرعاته الأصولية والإخبارية والشيخية، وكذلك أتباع المذاهب السنية الأخرى كالمالكية والشافعية والحنابلة. ولا توجد أية إحصاءات دقيقة عن عدد المنتمين لهذه المذاهب في مختلف المناطق. كما أن الظروف السياسية والمضايقات المستمرة قادت البعض إلى عدم إظهار إنتماءهم المذهبي بصورة علنية، إضافة إلى عملية النزوح والتداخل بين المناطق لأسباب المعيشة، وهو الأمر الذي أذاب بعض التمايزات المذهبية التي كانت تتميز بها كل منطقة من المناطق تاريخيا. 

وبسبب القرب الجغرافي، فإن بعض المناطق القريبة من مراكز دينية خارج المملكة كانت بشكل طبيعي متأثرة في علاقتها بهذه المراكز. فالحجاز على سبيل المثال يعتبر قريبا من نهج الأزهر الشريف من ناحية القبول بالتعددية والتنوع والانفتاح والتقارب. وكثير من علماء الحجاز على تواصل مع علماء مصر وشمال افريقيا. 
وفي المقابل، فهناك تفاعل في الجنوب بين أئمة الزيدية والشافعية في اليمن وبين نظرائهم في جنوب السعودية. والحال ذاته ينطبق على أتباع المذاهب الإسلامية في المنطقة الشرقية من المملكة، حيث أن الشيعة على تواصل مع مراكزهم الدينية في دول الخليج والعراق وإيران، كما أن أتباع المذهب المالكي على تواصل مع نظرائهم في بقية دول الخليج العربي. 


الدولة والتعددية المذهبية 
تم إعادة بناء الدولة السعودية ومؤسساتها في ستينيات القرن الماضي، وهو الوقت الذي تمظهرت فيه المواجهة مع المد الشيوعي واليساري في المنطقة العربية تفاعلا مع الحرب الباردة بين القوى العظمى حينها. وقد ساهم ذلك في توظيف الدين من قبل الدولة بكل مكوناته الفكرية والمؤسساتية ضمن هذا الصراع. وأصبح شعار "مواجهة الشيوعية" هو الشعار الذي تتحرك من خلال مؤسسات الدولة. وفي ظل هذه الأجواء، تم إعادة تموضع وتكريس دور المؤسسة الدينية الرسمية المحافظة في مقابل كل الاتجاهات الفكرية المخالفة بما فيها المذاهب السنية غير الوهابية. وهيئ ذلك أرضية مناسبة لضرب مختلف الحركات الوطنية الإصلاحية ذات التوجهات اليسارية بمختلف أشكالها . 
وبدأت منذ تلك الفترة عملية إعادة هيكلة المؤسسة الدينية و إعادة صياغة دورها وإعطائها مساحة حرية أكبر في الحركة والعمل، وذلك على حساب الاتجاهات المذهبية الأخرى. فقد تم تأسيس جامعات ومعاهد دينية محافظة كثيرة، وأصبحت مؤسسات القضاء حكرا على خريجي هذه المدارس والمعاهد. كما تم تنشيط دور مؤسسات الشرطة الدينية التي تمثلت في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك السيطرة شبه الكاملة على مؤسسات التعليم ومناهجه.
وتحولت هذه الخطوات إلى سياسة عامة في مختلف أجهزة الدولة. ومع مرور الزمن تحول التعاطي والتعامل مع أتباع مختلف المذاهب إلى حالة من التمييز تترجم من خلال الفتاوى التكفيرية وازدراء معتقداتهم ومحاصرة  انتاجهم الفكري والثقافي، في مقابل احتكار أتباع المذهب الرسمي لمختلف مؤسسات الدولة الإعلامية والثقافية والتعليمية. بل أن المؤسسة الدينية الرسمية عملت على استغلال إمكانيات الدولة المادية مع نفوذها وتأثيرها على مناهج التعليم ووسائل الإعلام في رهانها على تغيير معتقدات وتوجهات ما سواها من مذاهب ومحاربة وجودها، لدرجة أن بعض المذاهب والطرق الصوفية أوشكت على الضمور والاختفاء من المشهد العام.

لقد وفرت هذه التوجهات المتشددة مبررا وشرعية لممارسة التمييز ضد أتباع المذاهب الأخرى وخاصة في الوظائف العامة أو تلك المتعلقة بالتعليم الديني واللغة العربية والتاريخ وسلك القضاء بمختلف تفرعاته. وأدت هذه الحالة إلى اتسام تعاطي وسائل الاعلام الرسمية والمؤسسات الثقافية لقضايا هذه المكونات المذهبية المختلفة بالحذر الشديد منعا لحضورها أو بروزها.
وقد انعكست هذه الممارسات التمييزية سلبا على الوضع السياسي والاجتماعي. فقد ازداد تمسك أتباع المذاهب الأخرى مع مرور الزمن بمعتقداتهم وعاداتهم على الرغم من عدم إبرازها. كما تعاظم الاحتقان السياسي بسبب التمييز الذي تم التعبير عنه بصور مختلفة معلنة وغير معلنة.
، وفي مرحلة لاحقة بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 برز المد الشيعي في المنطقة، مما أثار صراعا طائفيا )سنيا- شيعيا(. وقد هيئ لنمو بذرة هذا الصراع الوضع الذي عانى منه الشيعة منذ تأسيس الدول في السعودية الذي تمثل في إبقائهم على هامش النظام السياسي وخضوعهم لسياسات تمييزية. أدى السياق الجديد إلى توتير الحالة المذهبية وأحدث فرزا شبه مذهبي في المدن وكافة شؤون الحياة، بدءا بالتعليم ومرورا بالعمل، وانتهاء بالحق في تسلم المناصب العليا في مختلف الأجهزة الحكومية، حتى بات يقال على الشيعة أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. ولم تقتصر هذه الممارسات على المواطنين الشيعة بل على كل المختلفين مذهبيا بحيث أصبح التمييز المذهبي سائدا على مختلف الأصعدة. فقد تم إبعاد القضاة الشرعيين وأئمة المسجد الحرام والمسجد النبوي من غير أتباع المذهب الرسمي بعكس ما كان متعارف عليه تاريخيا. كما أغلقت المدارس الشرعية في منطقة الأحساء لطلبة العلوم الدينية من أتباع المذهب المالكي ومنع تدريسه.
أثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 
على الرغم من سلبية الآثار التي خلفتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر على العالم عموما، والشرق الأوسط خصوصا، إلا أن هنالك نتائج مخالفة بدأت تظهر في الأفق. فقد نتج عن هذه الأحداث إدانة للحالة المذهبية والموقف المتشدد الداعي للعنف وانتقاص حقوق المخالفين، وارتفع صوت المطالبة بالقبول بالتعددية المذهبية وفتح باب الحوار البعيد عن التشنج بهدف الوصول إلى نقاط اتفاق مشتركة يمكن معها معالجة أسباب الأزمة المذهبية القائمة. وبذلك برزت أطروحات جديدة بعد أحداث الحادي تمثل التيارات المذهبية المختلفة في السعودية داعية إلى إعادة تصحيح العلاقة بين أجهزة الدولة وبين هذه الوجودات عبر مطالبة الدولة باعتماد سياسات أكثر تسامحا مع المذاهب الأخرى غير الرسمية في البلاد ، مؤكدة على حقها الكامل في التمتع بالحماية وحرية النشاط .
أمام ذلك الإلحاح، ودفعا للضغوط الخارجية المطالبة بالتغيير، فقد تمت الدعوة إلى مبادرة الحوار الوطني من قبل الملك عبد الله في عام 2002 وكان حينها وليا للعهد. 
وتم الاعتراف - ضمنيا ولأول مرة - بالتعدد المذهبي، حيث تمت دعوة رجالات وشخصيات كل مذهب لحضور اجتماع الدائرة المستديرة لمناقشة القضايا الوطنية المختلفة .
وهكذا، بدأت حالة الاحتقان في الانحسار تدريجيا، تم على أثرها تواصل بين كبار الشخصيات الدينية من مختلف المذاهب خلال مشروع الحوار الوطني.
واستطاع المشروع خلال أربع جولات أن يحقق الكثير على صعيد تجميع النخب الوطنية الفاعلة من مختلف الأطياف الفكرية والمذهبية، مهيئا للقاءاتها الأجواء المناسبة عبر حوارات صريحة أطرت العلاقات على أساس المشترك الوطني. وقد ساهمت تلك الحوارات في فتح قنوات التواصل بين الفعاليات الثقافية والدينية على اختلاف اتجاهاتها، وعززت الاهتمام بالشأن الوطني العام وتجاوز القضايا ذات الطابع المحلي أو الفئوي.
وهذا يعد مكسبا وطنيا مهما لا يمكن إنكاره، رغم رفض المتشددين لفكرة هذا المشروع وعدم مشاركتهم في العديد من فعالياته.
إضافة إلى ذلك، فقد انعكست هذه التأثيرات على مراجعة مناهج التعليم بما تتوافق مع التوجهات المستجدة وبصورة لا تزدري أو تحرض على الأطراف الدينية والمذهبية الأخرى كما كان عليه الوضع سابقا. وتم السماح تدريجيا بإبراز حالة التنوع المذهبي والتعبيرعنها بصور مختلفة. لكن هذه الإجراءات المحدودة لم تصل إلى درجة تغيير السياسات العامة للدولة تجاه التعددية المذهبية كالإقرار والاعتراف الرسمي بوجودها أو السماح لها ولرموزها بالظهور العلني في وسائل الإعلام أو إفساح المجال أمام نشر ثقافتها وتقاليدها.
التحديات القائمة
لقد كان في إمكان الملكة ممارسة دور مثالي تبرز فيه مستوى مشرفا من التسامح الديني والتعدد المذهبي. بيد أن إفساح المجال للأطراف المتشددة بنشر التطرف والتعصب الديني دون أن تعمل الحكومة على إيقافه أو الحد منه في ظل غياب التشريعات القانونية المنظمة للعلاقات بين هذه الأطراف أتاح الفرصة لقلب الصورة؛ حتى باتت المملكة مستندا تقوم عليه الأفكار التكفيرية والصراعات المذهبية في المجتمعات الإسلامية الأخرى.
المثقفون بطبيعة الحال أدركوا النتائج التي ترتبت على ذلك الوضع القائم؛ مستشفين علاجا يكمن في إقرار مبادئ التعايش القائم على أساس المواطنة من قبل الدولة، وتعزيز الاحترام المتبادل بين الجميع، لما يكفله من تخفيف حدة التوتر الطائفي في المملكة. فعمل المثقفون انطلاقا من ذلك إلى نشر رسالة التعددية والحرية في الإسلام، وساعدهم انفتاح بعضهم على مختلف الأجواء العلمية الدينية في العديد من دول المنطقة، فألفوا الكتب وشاركوا بآرائهم الصريحة في الصحافة والإعلام. وممن كتب في هذا الموضوع من الطرف الشيعي الأستاذ زكي الميلاد ضمن مؤلفاته العديدة. فقد كتب كتابا تحت عنوان )الوحدة والتعددية والحوار في الخطاب الإسلامي المعاصر(. كما أصدر الأستاذ محمد محفوظ كتابا قيما تحت عنوان )الأهل والدولة. بيان من أجل السلم المجتمعي(. وكان الكاتبات قد كتبا في مجلة )الكلمة( العديد من المواضيع في عام 2002 استطاعا عبرها تأصيل قضايا الحوار وحقوق الإنسان والسلم الاجتماعي وبناء المجتمع المدني، حتى تم إصدار كتاب خاص بالمجلة عن الحوار الإسلامي- الإسلامي شارك فيه العديد من المثقفين والكتاب. كذلك كتب الشيخ حسن الصفار كتاب ثالثا بعنوان )السلفيون والشيعة: نحو علاقة أفضل(. وكتب الشيخ عبد الله اليوسف كتابا آخر بعنوان )شرعية الاختلاف: دراسة تأصيلية منهجية للرأي الآخر(. 
وكان الشيخ حسن الصفار قد كشف لقناة الجزيرة عن مشاركته وعلماء آخرين في سلسلة لقاءت قادها عن الجانب السلفي الشيخ عبد المحسن العبيكان وحضر بعضها متشددون معروفون من السعودية والخليج. وتم خلال هذه اللقاءات مناقشة بنود ميثاق شرف بين السنة والشيعة في السعودية يهدف إلى تجاوز سوء الفهم القائم ووقف الإساءات المتبادلة بين أتباع الطائفتين دون الاضطرار إلى تقديم تنازلات عقدية بين الشيعة والسنة. 

ويرى الصفار أنه "من الخطأ الكبير والتعجيزي" أن تكون العلاقة الحسنة بين الشيعة والسنة مشروطة بالتوافق في الرأي، فذلك خلاف تعددية الرأي والاجتهاد، كما أنه يرى أن مثل هذا التوافق متعذر ضمن المدرسة والطائفة الواحدة فضلا عن أن يكون بين الطوائف المختلفة.
لقد ساهمت هذه الجهود الفكرية وغيرها من خطابات وتصريحات في تهيئة بيئة مناسبة دفعت نحو الانفتاح على الآخر بعيدا عن الفكر الأحادي لتلمس منابت العيش المشترك، رغم بقاء السواد الأعظم ممن لا يعتقدون ببوادر انفتاح شيعي سلفي على رأيهم. فقد أجرت إحدى الشبكات الإخبارية استفتاء حول هذا الموضوع، بلغت نتائجه السلبية 97% في الطرف الآخر، ساهم العديد من الكتاب المثقفين المتنورين السنة في معالجة الإشكاليات المتعلقة في هذا الموضوع ضمن سعيهم لتفكيك هذه الأزمة وأبعادها المختلفة، ومن أبرزهم الدكتور محمد علي الهرفي، والدكتور إبراهيم البليهي، ومحمد علي المحمود، وعبدالله بجاد العتيبي، وحسن فرحان المالكي، ومنصور النقيدان، ومشاري الذايدي، وسعود السرحان، وغيرهم. 

وقد شملت معالجاتهم جميعا تعبيرا نقديا لمسيرة الفكر المتشدد وتطوره بهدف إبراز ثغراته، وكذلك تقييم الأنشطة والفعاليات والبيانات التي يصدرها هذا الفكر لدراسة مدى تأثيرها على وحدة الوطن. ومع أنه من المبكر الحكم على أثر هذه المبادرات على الساحة المحلية، إلا أنه هناك تحديات تواجه مجمل الوضع وتعيق تقدمه الإيجابي تحتاج إلى دراسة متمعنة لوضع حلول ناجعة لها. ولعلي أذكر هنا أبرزها:
أ/ تنفيذ آليات الحوار الوطني
منذ أن تمت دعوة بعض الإصلاحيين لعقد حوار وطني في وثيقتهم التي قدموها عام 2002 للملك عبد الله بن عبد العزيز تحت عنوان )رؤية لحاضر الوطن ومستقبله( ووقع عليها مائة وأربع شخصيات سياسية واجتماعية، والآمال معقودة على مشروع قادر على تلمس قضايا المواطنين لإيجاد مسالك تساعد على تجاوز حالات الانغلاق والتقوقع والإقصاء والتشدد، والدفع إلى الإقرار بالتنوع المذهبي والفكري والمناطقي الذي لا يتعارض مع المصالح الوطنية العليا المشتركة، فكان أن حمّل المشروع مالا يطيق، مما خلق شعورا لدى البعض بعجز المشروع.
ولا شك أن انطلاق الحوار من قاعدة وطنية فيه ما يؤسس لصياغة علاقات اجتماعية سليمة تتسم بالانفتاح والتعارف بين مختلف الفئات الاجتماعية في الوطن الواحد، الأمر الذي حصل فعلا خلال الحوار في جولاته المتواصلة. فقد استطاع الحوار أن يحقق الكثير على مستوى النخب الوطنية الفاعلة من مختلف الأطياف الفكرية والمذهبية، وهيئ لها الأجواء المناسبة لعقد لقاءات وحوارات صريحة أطرت العلاقة فيها على أساس وطني مشترك. 
بيد أنه هناك مشكلة واجهت ولا تزال تواجه مشروع الحوار الوطني تتمثل في عدم وضوح صورته النهائية للمواطنين. فلا هو بالجهاز الرسمي الذي يقوم بتحويل التوصيات التي ينتهي إليها إلى مشاريع وبرامج عملية، ولا هو مؤسسة أهلية تقوم بإعداد دراسات وأبحاث عن قضايا المجتمع بصورة حيادية وموضوعية وتجعلها في متناول المسؤولين والمهتمين بتطوير وإصلاح الشأن
العام.
فالتوصيات لا تزال حبيسة المكاتب والملفات رغم أهميتها؛ كونها تصب في لزوم تعزيز المواطنة والدعوة إلى تجديد الخطاب الديني الحاث على التخفيف من الإعلام الطائفي بين الطرفين السني والشيعي على المستوى الداخلي، ووضع استراتيجيات لتقويم القضايا الساخنة على الساحة كقضية التعليم والمرأة والشباب والإرهاب. 

ب/ عدم تبلور مشروع سياسي وطني مشترك
على الرغم من الأطروحات المتعددة التي تؤكد على ضرورة نبذ مختلف أشكال التفرقة بين المواطنين على أساس مذهبي او مناطقي أو قبلي، والحملات الاعلامية التي تقام في هذا المجال، إلا أن مشروعا وطنيا متكاملا يهدف الى تعزيز الهوية الوطنية لم يتبلور بشكل واضح حتى الآن.
إن غياب مثل هذا المشروع يجعل من المبادرات المذكورة عديمة الفائدة ومحدودة النتائج لأنها لا تصب في النهاية في مشروع أساسي وإستراتيجي وتنتهي هذه المبادرات إلى تكرار شعارات ومفردات وقضايا مناسباتية أكثر منها مؤسسية وإستراتيجية. ينبغي أن تكون هنالك مؤسسة وطنية تهتم بمعالجة موضوع الهوية الوطنية وتعزيزها والقيام بدور فعال في تناول الإشكالات القائمة كالتمييز بين المواطنين على أي أساس، ومراجعة وتقييم سياسات الدولة تجاه التنوع المذهبي في المملكة والعمل على إدماج مختلف المكونات المذهبية في النظام السياسي والاجتماعي العام. 

ج/ عدم تقنين حرية التعبير عن الرأي
من الإشكالات والتحديات القائمة أيضا انفلات الخطاب الديني والثقافي بعيدا عن الأطر الوطنية والمصالح العامة، بحيث أصبح مصدرا للتوتر والقلق والاحتقان بين مختلف المكونات والفئات الاجتماعية. فخطب الجمعة والمحاضرات الدينية وممارسات المؤسسة الدينية لا تصب في معظم الأحيان في خانة التسامح والانسجام واحترام أوجه الاختلاف المذهبي، بل أنها قد تكون سببا في تنمية الخلافات والتوترات بينها.

ولعل الأسوأ هو عدم وجود ضوابط تنظيمية أو قانونية تجرم مثل هذه الممارسات، بل أحيانا يمنع الرد على الإساءات التي توجه لأتباع المذاهب الأخرى ويعاقب عليها. 

من هنا فإنه ينبغي الاعتناء بوضع منظومة قانونية تحمي التنوع المذهبي وتقر بوجوده وتؤكد على حق أتباعه في ممارسة تقاليدهم وشعائرهم. 
خاتمة
تنتهي هذه الورقة الى التاكيد على أن التنوع المذهبي في السعودية بأنماطه المختلفة أمر قائم قبل تأسيس الدولة الحديثة، وأن إعادة بناء الدولة في ستينات القرن الماضي تسبب في بروز نظام اعتمد على الأحادية المذهبية وأدى إلى تغييب التنوعات المذهبية والانتقاص من حقوقها وعدم تمثيلها بصورة متوازنة. 
وتشير الورقة إلى نماذج من نتائج أزمة ادارة التنوع المذهبي في السعودية بالإشارة إلى إشكاليات إبعاد أتباع المذاهب الأخرى من مواقع صناعة القرار ومن مختلف المناصب الدينية والتعليمية وفي سلك القضاء، وما نتج عن ذلك من ضمور هذه المذاهب بسبب استمرار الضغوط عليها.

وباستعراض ما نتج بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بدا أن هنالك تغييرا في نمطية التعاطي مع المذاهب الأخرى وإدارتها، إلا أنها لم تتحول إلى سياسات استرتيجية للدولة وبقيت في معظم الأحيان شكلية ومؤقتة. 

ومع ذكر نماذج من الجهود الأهلية لردم الهوة وخاصة في وسط المثقفين المتنورين، تنتهي الورقة إلى الإشارة إلى بعض التحديات القائمة في هذا الصدد منها تفعيل توصيات الحوار الوطني وبلورة مشروع سياسي شامل لتعزيز الهوية الوطنية، وتقنين الخطاب الديني بما لا يتعارض مع حرية التعبير عن الرأي.







التعليقات

لاتوجد تعليقات بعد


جعفر الشايب
2014/08/11 | مقالات | القراءات:2531 التعليقات:0
2014/07/08 | مقالات | القراءات:2509 التعليقات:0
2014/07/03 | مقالات | القراءات:2534 التعليقات:0
2014/06/02 | مقالات | القراءات:3236 التعليقات:0
2014/05/12 | مقالات | القراءات:2577 التعليقات:0


ارسل لصديق